وهذا الأسلوب نجده هنا في الشورى، حيث نفى الله تعالى عن الوالدين الجناح عند إرادة فصال المولود بعد مراضاة وبعد تشاور منهما في ذلك، أو تشاور مع غيرهما من أهل الخبرة في تحقق مصلحة الفصال للمولود أو عدمها، فقال الله سبحانه وتعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 233] .
وفي تفسير الآية الكريمة قال الإمام محيي السنة البغوي رحمه الله: «المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن {يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} أي: سنتين، وذكر الكمال للتأكيد؛ لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولًا، وبعض الشهر شهرًا {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} أي: هذا منتهى الرضاعة، وليس فيها دون ذلك حدٌ محدود، وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} يعني: الأب {رِزْقُهُنَّ} طعامهن {وَكِسْوَتُهُنَّ} لباسهن {بِالْمَعْرُوفِ} أي: على قدر الميسرة {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} أي: طاقتها {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} أي: لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها، تضاره بذلك.
وقيل: معناه: فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه، وقبل الصبي من غيرها؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها {وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} أي: لا يضار الأب أم الصبي، فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه.
{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} اختلفوا في هذا الوارث، فقال قوم: هو وارث الصبي، وقال بعضهم: هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، وقيل: ليس المراد منه النفقة، بل معناه: وعلى الوارث ترك المضارة {فَإِنْ أَرَادَا} يعني: الوالدين {فِصَالًا} فطامًا قبل الحولين {عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا} أي: اتفاق الوالدين {وَتَشَاوُرٍ} أي: يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أي: لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين» 36.
وهذا التشاور بين الوالد والوالدة بشأن الطفل عند إرادة الانفصال -على أحد الأقوال- أو عند غيرها، وهذه المشاورة لأهل العلم والخبرة لئلا يلحق الولد الضرر بالفطام؛ إذ يبعد أن يتفق هؤلاء جميعًا على الضرر بالطفل، هذه المشاورة أكدها علماء التفسير رحمهم الله، فقال أبو حيان الأندلسي رحمه الله: «ويحتمل في التشاور أن يكون أحدهما شاور الآخر، أو يكون أحدهما شاور غير الآخر لتجتمع الآراء على المصلحة في ذلك» 37.
وقال السمين الحلبي رحمه الله: «ويحتمل أن يكون التشاور من أحدهما مع غير الآخر لتتفق الآراء منهما ومن غيرهما على المصلحة» 38.
وقال الفخر الرازي رحمه الله: «دلت الآية على أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب؛ وذلك لأن الأم قد تمل من الرضاع فتحاول الفطام، والأب أيضًا قد يمل من إعطاء الأجرة على الإرضاع، فقد يحاول الفطام دفعًا لذلك، لكنهما قلما يتوافقان على الإضرار بالولد لغرض النفس، ثم بتقدير توافقهما اعتبر المشاورة مع غيرهما، وعند ذلك يبعد أن تحصل موافقة الكل على ما يكون فيه إضرار بالولد، فعند اتفاق الكل يدل على أن الفطام قبل الحولين لا يضره ألبته، فانظر إلى إحسان الله تعالى بهذا الطفل الصغير كم شرط في جواز إفطامه من الشرائط دفعًا للمضار عنه، ثم عند اجتماع كل هذه الشرائط لم يصرح بالإذن، بل قال: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} وهذا يدل على أن الإنسان كلما كان أكثر ضعفًا كانت رحمة الله معه أكثر، وعنايته به أشد» 39.
وأبان عن ذلك الإمام برهان الدين البقاعي رحمه الله فقال: «ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام قبل التمام، ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة، فقال: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا} ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله: {وَتَشَاوُرٍ} أي: إدارةٍ للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به» .
قال الحرالي: «فأفصح بإشعار ما في قوله: {أَنْ يُتِمَّ} وأن الكفاية قد تقع بدون الحولين، فجعل ذلك لا يكون بريًا من المضارة إلا باجتماع إرادتهما وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرةٌ؛ لئلا تجتمعا على نقص الرأي {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فيما نقصاه عن الحولين؛ لأنهما غير متهمين في أمره، واجتماع رأيهما فيه، ورأي من يستشيرانه قلما يخطئ» .
وقال الحرالي: «فيه إشعار بأنها ثلاث رتب: رتبة تمامٍ فيها الخير والبركة، ورتبة كفايةٍ فيها رفع الجناح، وحالة مضارة فيها الجناح» انتهى. وقد أفهم تمام هذه العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر، وعنايته به أشد» 40.
وهذا المجال من مجالات الشورى، وهذا المستوى فيها بين الأبوين في العلاقات الأسرية ينطوي على دلالة أخرى، وهي أن تكون الشورى أكثر أهمية فيما هو أوسع وأعم من الدوائر والمجالات السياسية والحكم؛ ولذلك يقول الشيخ السيد محمد رشيد رضا رحمه الله: «إذا كان القرآن يرشدنا إلى المشاورة في أدنى أعمال تربية الولد، ولا يبيح لأحد والديه الاستبداد بذلك دون الآخر، فهل يبيح لرجل واحد أن يستبد في الأمة كلها، وأمر تربيتها، وإقامة العدل فيها أعسر، ورحمة الأمراء أو الملوك دون رحمة الوالدين بالولد وأنقص!» 41.
ولا نرى بأسًا بعد هذا البيان المستنير من علماء التفسير في أهمية الشورى والتشاور أن نختم بما يظهر الصلة الوثيقة بين الشورى وكل مجالات الحياة الاجتماعية في الإسلام من خلال هذا المستوى، بقلم الأستاذ سيد قطب رحمه الله، حيث قال: «إن دستور الأسرة لابد أن يتضمن بيانًا عن تلك العلاقة التي لا تنفصم بين الزوجين بعد الطلاق، علاقة النسل الذي ساهم كلاهما فيه، وارتبط كلاهما به، فإذا تعذرت الحياة بين الوالدين، فإن الفراخ الزغب لابد لها من ضمانات دقيقة مفصلة، تستوفي كل حالة من الحالات:
إن على الوالدة المطلقة واجبًا تجاه طفلها الرضيع، واجبًا يفرضه الله عليها، ولا يتركها فيه لفطرتها وعاطفتها التي قد تفسدها الخلافات الزوجية، فيقع الغرم على هذا الصغير، إذن يكفله الله ويفرضه له في عنق أمه، فالله أولى بالناس من أنفسهم، وأبر منهم، وأرحم من والديهم، والله يفرض للمولود على أمه أن ترضعه حولين كاملين؛ لأنه سبحانه يعلم أن هذه الفترة هي المثلى من جميع الوجوه الصحية والنفسية للطفل {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233] .
وتثبت البحوث الصحية والنفسية اليوم أن فترة عامين ضرورية؛ لينمو الطفل نموًا سليمًا من الوجهتين الصحية والنفسية، ولكن نعمة الله على الجماعة المسلمة لم تنتظر بهم حتى يعلموا هذا من تجاربهم، فالرصيد الإنساني من ذخيرة الطفولة لم يكن ليترك يأكله الجهل كل هذا الأمد الطويل، والله رحيم بعباده، وبخاصة بهؤلاء الصغار الضعاف المحتاجين للعطف والرعاية.
وللوالدة في مقابل ما فرضه الله عليها حق على والد الطفل أن يرزقها ويكسوها بالمعروف والمحاسنة، فكلاهما شريك في التبعة، وكلاهما مسئول تجاه هذا الصغير الرضيع، هي تمده باللبن والحضانة، وأبوه يمدها بالغذاء والكساء؛ لترعاه، وكل منهما يؤدي واجبه في حدود طاقته: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 233] .
ولا ينبغي أن يتخذ أحد الوالدين من الطفل سببًا لمضارة الآخر: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} فلا يستغل الأب عواطف الأم وحنانها ولهفتها على طفلها؛ ليهددها فيه أو تقبل رضاعة بلا مقابل، ولا تستغل هي عطف الأب على ابنه وحبه له؛ لتثقل كاهله بمطالبها.
والواجبات الملقاة على الوالد تنتقل في حالة وفاته إلى وارثه الراشد: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} فهو المكلف أن يرزق الأم المرضع ويكسوها بالمعروف والحسنى؛ تحقيقًا للتكافل العائلي الذي يتحقق طرفه بالإرث، ويتحقق طرفه الآخر باحتمال تبعات المورث، وهكذا لا يضيع الطفل إن مات والده، فحقه مكفول، وحق أمه في جميع الحالات.
وعند ما يستوفى هذا الاحتياط يعود إلى استكمال حالات الرضاعة {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} فإذا شاء الوالد والوالدة، أو الوالدة والوارث أن يفطما الطفل قبل استيفاء العامين؛ لأنهما يريان مصلحة للطفل في ذلك الفطام لسبب صحي أو سواه فلا جناح عليهما، إذا تم هذا بالرضا بينهما، وبالتشاور في مصلحة الرضيع الموكول إليهما رعايته، المفروض عليهما حمايته» 42.
نتناول في هذه النقاط مشروعية الشورى:
أولًا: حكم الشورى:
اختلف العلماء في الحكم التكليفي للشورى وإجرائها، أي: هل يجب على ولي الأمر ورئيس الدولة أن يشاور أهل الشورى ويعرض عليهم القضية ليشيروا فيها بما يرون، ويأثم إن لم يفعل ذلك؛ لأن ترك الواجب يترتب عليه الإثم، أو أن ذلك ليس واجبًا عليه، بل هو مندوب لا يأثم بتركه كما هو شأن المندوبات؟ مع أنهم جميعهم استندوا إلى الأدلة السابقة نفسها، فمنهم من حملها على الوجوب، ومنهم من حملها على الندب والاستحباب، فكانوا بذلك فريقين على مذهبين، نشير إليهما في فقرتين، ونعقب عليهما بثالثة للترجيح، والله الموفق.
أولًا: المذهب الأول: وجوب الشورى:
وأصحاب هذا المذهب يقولون بوجوب الشورى على ولي الأمر (وهو الحاكم أو رئيس الدولة) إذ عليه أن يعرض المسائل الاجتهادية والقضايا العامة في أمور الدولة والحكم ونحوها من التصرفات على أهل الشورى، ولا يجوز أن يستبد بالأمر وأن يقطع فيه برأيه.
وهذا مذهب الجمهور من العلماء، فهو مذهب المالكية، والراجح عند الشافعية والحنابلة والحنفية فيما تدل عليه عباراتهم، وهو ما رجحه كثير من العلماء المعاصرين الذين جعلوا الشورى من أسس نظام الحكم وقواعده 43.
أدلة المذهب:
ولأصحاب هذا المذهب جملة من الأدلة القرآنية والسنة النبوية، وينطوي فيها أيضًا جانب من القواعد الأصولية، نذكر فيما يأتي أهمها 44:
قول الله سبحانه وتعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .
فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يشاور أصحابه -رضوان الله عليهم-، ففي أعقاب غزوة أحد، بعد أن أصيب المسلمون بما أصيبوا به، نزل الأمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما يطرأ عليهم من الشئون؛ ربطًا للقلوب، وتقريرًا لما يجب أن يكون بين المؤمنين من حسن التضامن في سياسة الأمور، وتدبير الشئون.
والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم هو أمرٌ لأمته أيضًا فيما لا يكون من خصائصه عليه الصلاة والسلام 45. والأصل أن الأمر يدل على وجوب المأمور به ما لم يكن هناك قرينة تخرجه عن الوجوب إلى غيره، كالندب أو الإباحة أو غيرهما، ولم يؤثر في النصوص والوقائع ما يدل على هذه الخصوصية.
قال ابن عطية الأندلسي رحمه الله: «أمر الله تعالى رسوله بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ؛ وذلك أنه أمره بأن يعفو عليه السلام عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة وحقٍ، فإذا صاروا في هذه الدرجة، أمره أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلًا للاستشارة في الأمور، والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجبٌ، هذا ما لا خلاف فيه» 46.
وقال ابن خويز منداد: «واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ومشاورة وجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ومشاورة وجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها» 47.
والاستدلال بالآية على الوجوب إنما يتم بعد تسليم أنها غير خاصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما تقدم آنفًا، أو بعد تسليم أن الخطاب الخاص به يعم الأمة أو الأئمة حيث قال علماء الحنفية، وعلماء الحنابلة: إن خطاب الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم يعم الأمة، وحجتهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم له منصب الاقتداء به في كل شيء إلا بدليل صارف على الاختصاص به، وكل من هو كذلك يفهم من أمره شمول أتباعه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الشرع ومنه يوجد؛ ولأن الله تعالى قد أوجب عليهم اتباعه 48.
وبناء على هذا الرأي الأصولي كان الخطاب في هذه الآية الكريمة موجهًا للرئيس الأعلى للدولة الإسلامية في كل زمان ومكان بوجوب مشاورة الأمة في أمورها العامة، وإثبات حقها في المشاركة السياسية في الدولة المسلمة، وجعله حقًا من الحقوق العامة التي تسمى حق الله، وهو غير قابل للإسقاط، واعتداء الحاكم عليه من أعظم المنكرات التي تقع من الحكام لعظم مفسدتها وإضرارها بكيان المجتمع والدولة، وبآحاد الناس كذلك؛ لأن إهدار الشورى من الاستبداد المنهي عنه 49.
وقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 38 - 39] .
فقد جاءت صفة الشورى والتشاور في الآيات الكريمة في جملة اسمية ضمن عدة صفات في جمل فعلية وصف بها رب العالمين عباده المؤمنين، فأفادت لزوم هذه الصفة لهم، وثباتهم عليها 50.
وفي هذا يقول شهاب الدين الألوسي رحمه الله: «وجيء بالجملة اسميةً مع أن المعطوف عليه جملة فعلية للدلالة على أن التشاور كان حالهم -أي: الأنصار- المستمرة قبل الإسلام وبعده، وفي الآية مدحٌ للتشاور، لاسيما على القول بأن فيها الإخبار بالمصدر» 51.
والجملة الاسمية تحمل من الدلالات ما لا تحمله الجملة الفعلية، ومن ذلك دلالة التأكيد مثلًا، وهي ما أشار إليه الكاتب الأديب أبو الفتح ابن الأثير في حديثه عن الخطاب بالجملة الفعلية والاسمية، والفرق بينهما، حيث يقول: «وإنما يعدل عن أحد الخطابين إلى الآخر لضربٍ من التأكيد والمبالغة» 52. ويظهر من شواهده التي ساقها أنه يقصد بدلالة التأكيد والمبالغة الجملة الاسمية، وما فيها من مؤكدات 53.
وفي هذا إشارة إلى الوجوب؛ لأن الله تعالى في كثير من المواضع يجعل الواجب من الواجبات في الأحكام، أو الركن من أركان الإيمان صفةً لازمةً للمؤمنين، ويمدح فاعل هذا الواجب والمتصف بتلك الصفة، ويعده بالفوز والفلاح، كما تقدم آنفًا.
قال محمد رشيد رضا: «فكلٌ من النصين -في الآيتين الكريمتين- دالٌ على وجوب كون حكومة المسلمين شورى، ومجيء النص في الذكر بصيغة الخبر يؤكد كونه فرضًا حتمًا، كما عهد نظير ذلك في الأساليب البليغة، والنص الذي قبله صريح في الوجوب، والضامن له الأمة المخاطبة بالتكاليف في أكثر النصوص» 54.
دلالة الاقتران: وفي الآية السابقة نفسها، في الدليل الثاني قرن الله تعالى الشورى مع الإيمان، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وجعلها متوسطة بين هذه الواجبات، فدل ذلك على الوجوب؛ لاقترانها بواجبات أخرى.
وهذه الدلالة تسمى اصطلاحًا: دلالة الاقتران، وتعني: اجتماع شيئين، أو أشياء في معنىً من المعاني، والمراد بها عند علماء أصول الفقه الذين يضعون قواعد استنباط الأحكام: أن يجمع الشارع بين شيئين في اللفظ فيشتركان في الحكم.
وهذه الدلالة احتج بها جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، والمزني، وابن أبي هريرة والصيرفي من الشافعية، وحكى ذلك أبو الوليد الباجي عن بعض المالكية، وقال: رأيت ابن نصرٍ الداوودي يستعملها كثيرًا.
وقد استدل بها الإمام مالك رحمه الله على سقوط الزكاة في الخيل بقوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] .
فقال: قرن الله تعالى بين الخيل والبغال والحمير، والبغال والحمير لا زكاة فيها إجماعًا، فكذلك الخيل، ويؤيد هذا أن العطف يقتضي المشاركة 55.
وفصل العلامة ابن قيم الجوزية في مدى قوة الاحتجاج بهذه الدلالة، فقال:
دلالة الاقتران تكون قوية إذا جمع المقترنين لفظٌ اشتركا في إطلاقه، وافترقا في تفصيله، كقوله صلى الله عليه وسلم: (حقٌ على كل مسلمٍ أن يغتسل يوم الجمعة، ويستاك، ويمس من طيب بيته) 56؛ فقد اشترك الثلاثة في إطلاق الحق عليه، وإذا كان حقًا مستحبًًا في اثنين منها كان في الثالث مستحبًا.
وقد تكون ضعيفة عند تعدد الجمل، واستقلال كل واحدةٍ منها بنفسها، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه) 57، فإن كل جملة مفيدةٌ لمعناها وحكمها وسببها وغايتها، منفردةٌ عن الجملة الأخرى، واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراء ذلك.
وقد يتساوى الضعف والقوة في الدلالة؛ وذلك حيث يكون العطف ظاهرًا في التسوية، وقصد المتكلم ظاهرًا في الفرق، فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد، فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح، والله أعلم 58.
وفي الآية الكريمة السابقة اقترنت الشورى بواجبات إيمانية وعبادات بدنية ومالية، فكان الاستدلال بها على الوجوب في غاية القوة، والله أعلم.
ومما يدل على الوجوب الأحاديث النبوية الشريفة في أهمية الشورى، والحث عليها، وفي بيان ثمراتها وفوائدها؛ فقد تواردت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما: (لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما) 59.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المستشار مؤتمن) 60.
وعقد الإمام البخاري رحمه الله بابًا للشورى صدره بقول الله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] .