فهرس الكتاب

الصفحة 744 من 2431

يقول مقاتل بن سليمان في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} ، «يعنى: أرض المدينة وهم المؤمنون بعد القهر بمكة» 38.

ومعنى التمكين في هذه الآية: النصر على العدو 39، وبالفعل فإن الله سبحانه وتعالى قد مكن الصحابة الكرام ومن بعدهم من المؤمنين من عدوهم بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة فألحقوا به الهزيمة تلو الهزيمة بدءًا بغزوة بدر عام (2 هـ) مرورًا بغزوة فتح مكة عام (8 هـ) ووصولًا إلى اتساع الفتح الإسلامي حتى وصل إلى الصين شرقًا والمحيط الأطلسي غربًا، وقد كان هذا التمكين تمكينًا عامًا كليًا.

وقد وعد الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين الصادقين بتمكينهم في الأرض تمكينًا عامًا كليًا ما داموا على إخلاصهم له سبحانه، وذلك بقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

يقول الدكتور مازن عيسى: «فهذا الوعد مناسب لكل من اتصف بهذا الوصف، فلما اتصف به الأولون استخلفهم الله كما وعد، وقد اتصف بعدهم به قوم بحسب إيمانهم وعملهم الصالح، فمن كان أكمل إيمانًا وعمل صالحًا، كان استخلافه المذكور أتم، فإن كان فيه نقص وخلل كان تمكينه خللًا ونقصًا؛ وذلك أن هذا جزاء هذا العمل، فمن قام بذلك العمل استحق ذلك الجزاء» 40.

-مما لا شك فيه أن الإنسان مطالب إلى جانب عبادة الله سبحانه وتعالى وحده، أن يحصل على التمكين في الأرض، فقد قال ربنا جل علا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] .

وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] .

وإسناد هاتين المهمتين للناس دليل على أنه لا مجال لأداء العبادات بحرية دون قيد إلا بتحقيق الاستخلاف في الأرض، وإن الاستنكاف عن السعي لتحقيق أي من المهمتين يعني ضياع المهمة الأخرى وعدم التمكن من تحقيقها، وهذا يعني الإفساد في الأرض، يفهم هذا من رد الملائكة لما أخبرها الله عز وجل أنه سيجعل في الأرض خليفة قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] .

قالوا ذلك لعلمهم بما كان من الجن الذين أفسدوا في الأرض، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى، وحتى يتجنب الإنسان من الوقوع فيما وقع فيه الجن من قبل، لابد له من المحافظة على ما أسند له ربه سبحانه وتعالى من مهمات، ولضمان ذلك لابد له أن يحصل على التمكين في الأرض، وللحصول على هذا التمكين لابد من توفر المقومات الواردة فيما يلي:

أولًا: الإيمان:

يقول الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

في هذه الآية نجد أن الله سبحانه وتعالى قد ربط بين تحقيق الإيمان وحصول الاستخلاف، ويفهم من هذا الربط أن تحقق الإيمان شرط أساس لحصول الاستخلاف، فلا استخلاف دون إيمان 41.

وهذه القاعدة لا تقف عند هذا الحد فقط، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى كون الاستخلاف باقيًا ما دام الإيمان متحققًا عبر الأجيال التي حصل آباؤها على الاستخلاف في الأرض، وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك من خلال إحدى قصص بني إسرائيل، وهي تلك التي وردت في سورة الإسراء.

قال تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 2 - 7] .

فهذه الآيات تبين أن الله سبحانه وتعالى قد من على المؤمنين الذين كانوا مع نوح عليه السلام، بأن نجاهم من الغرق الذي أصاب الكافرين آنذاك وذلك يعتبر تمكينًا لهم.

ثم جاء من بعدهم خلفٌ من ذريتهم أفسدوا في الأرض، فأرسل الله سبحانه وتعالى عليهم من يهزمهم شر الهزيمة، وهذا زوال للاستخلاف، وبعد ذلك عاد بنو إسرائيل لرشدهم وإيمانهم، فأعاد لهم العزة والهيمنة، وبذلك عاد لهم الاستخلاف.

ثم أخبر القرآن أنهم سيعودون بعد ذلك إلى الفساد مرة أخرى، وهذا سيؤدي إلى إهلاكهم مرة أخرى، وهذا يعني زوال الاستخلاف تارة أخرى عن بني إسرائيل، ثم يقرر الله سبحانه وتعالى أنه في كل عودة للكفر والإفساد يزول الاستخلاف، وفي كل رجعة إلى الله تعالى بالإيمان والإحسان يرجع الاستخلاف، وهذه القاعدة ليست خاصة ببني إسرائيل وحدهم، وإنما هي سنة إلهية تتكرر لكل من أوكل الله سبحانه وتعالى إليهم مهمة الاستخلاف، يتضح ذلك من قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .

ونصرة الله سبحانه وتعالى تكون بالجهاد في سبيله، وإعلاء شأن دينه، واتباع رسوله، وموالاة أوليائه، والتزام أوامره، واجتناب نواهيه، وهذه من لوازم الإيمان بالله سبحانه وتعالى 42.

ثانيًا: العمل الصالح:

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

كما هو ملاحظ في هذه الآية، فإن القرآن قد استخدم أحد أهم وأقوى أساليب التوكيد وهو الوعد المكافئ للقسم، من أجل تقرير الوعد الإلهي لمن تحقق فيهم الإيمان مع المداومة على العمل الصالح بالاستخلاف في الأرض.

وقد دلنا ربنا جل وعلا على الأسس التي يرتبط على وفقها حصول التمكين بالعمل الصالح، وهذه الأسس تتمثل في أنه لحصول العبد على التمكين لابد له من الجمع بين الإيمان الصحيح والعمل الصالح.

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .

كما تتمثل هذه الأسس أيضًا في أنه من غرق في المعاصي والذنوب فإن عاقبته الهلاك وزوال التمكين عنه إن كان من الممكنين.

قال تعالى في سياق وعيده لأهل مكة بسبب كفرهم وعصيانهم بالهلاك أسوة لمن سبقهم من الأقوام الفاسدة: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: 8 - 10] .

وقد جمع ربنا بين الأساسين السابقين في قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] .

وشكر الله سبحانه وتعالى بطاعته وعمل الصالحات، وكفره بجحود نعمه والانغماس في الشهوات 43.

ومن الأسس أيضًا أن أفضل الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى حصول التمكين هي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أمة التمكين بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .

ومن الأسس أن أخطر ما يؤدي إلى زوال التمكين هو ترك التناهي عن المنكر، وقد استحق كفار بني إسرائيل اللعنة بسبب ذلك.

قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79] .

وقال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) 44.

ومن الأسس أيضًا أنه لابد من المداومة على العمل الصالح لضمان بقاء التمكين واستمراره.

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 10 - 13] .

وفائدة الشكر هي استمرار العطاء للشاكر، وترك الشكر يعني الحرمان مما يستوجبه الشكر وترك الشكر عليه 45.

وباستقراء التاريخ يلاحظ أن استخلاف الله سبحانه وتعالى لعباده اقترن بإيمانهم وعملهم الصالحات، وذلك كما حدث مع بني إسرائيل كما هو مبين فيما سبق، وكما حدث مع غيرهم من الأقوام، وفي مقدمتهم الصحابة الكرام، والتابعون وتابعوهم بإحسان، وفي كتب السيرة والتاريخ وغيرها ما يشهد بذلك.

ثالثًا: الأخذ بالأسباب:

إن العبد مأمور بالأخذ بالأسباب، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] .

فالآية تحتوي على أسلوب شرط، وقد ربط الشرط هنا بين الإيمان بالله والتوكل عليه -جل وعلا-، واستنادًا إلى تعريف الشرط بأنه أحد أساليب الخطاب التي تقوم على الربط بين الشرط وجوابه، فلا يتحقق الثاني إلا بتحقيق الأول، يمكن القول بأنه لا يتحقق الإيمان إلا بتحقق التوكل، ومعنى الآية: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} {فَتَوَكَّلُوا} {وَعَلَى اللَّهِ} .

وقد حذف جواب الشرط؛ لأنه تقدم في الآية ما يدل عليه وهي جملة {فَتَوَكَّلُوا} ، ومن المعلوم أن التوكل على الله سبحانه وتعالى لا يتم إلا بأمرين هما:

1.الأخذ بالأسباب الممكنة.

2.ثم تفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى مع كامل الثقة به جل وعلا 46.

ومن ثم فإن الأخذ بالأسباب جزء من التوكل على الله سبحانه وتعالى، وبتركه يصبح التوكل تواكلًا، والتواكل مذموم، كما أشار إلى ذلك الخليفة الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما قال لأبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه: «أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله!» 47.

ويستفاد من كلام عمر رضي الله عنه، ضرورة الأخذ بالأسباب، مع العلم أن الأخذ بالأسباب من القضاء والقدر.

ولقد علمنا ربنا جل وعلا ضرورة الأخذ بالأسباب، ونجد ذلك جليًا في قوله تعالى لمريم عليها السلام: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) [مريم: 25] .

والله سبحانه وتعالى قادر على أن يسقط الرطب دون أن تقوم الصديقة مريم عليها السلام بهز النخلة، كما أنه جل وعلا علمنا أيضًا ألا نستهين بالأخذ بالأسباب وإن بدا لنا أنه لا تجدي نفعًا، فمن المعلوم أن المرأة النفساء لا تقوى على هز جذع النخلة، فضلًا عن أن يتسبب ذلك الهز في إسقاط الرطب، فذلك يحتاج إلى جهد يفوق ما تقوى عليه النفساء، ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى أمرها بالهز، كما علمنا جل شأنه كذلك أن فاعلية الأسباب التي أمرنا بالأخذ بها مرهونة بمشيئته جل وعلا، فهو المسبب للأسباب، والقادر على تعطيلها، ويفهم ذلك من قوله تعالى خلال سرد قصة إبراهيم عليه السلام: (قالوا حَرِّقوهُ وَانصُروا آلِهَتَكُم إِن كُنتُم فاعِلينَ ?68? قُلنا يا نارُ كوني بَردًا وَسَلامًا عَلى إِبراهيمَ) [الأنبياء: 68 - 69] .

كما علمنا أنه سبحانه لو أراد أن يجعل ما لم تجر العادة بكونه سببًا لجعل منه سببًا لما أراد أن يكون سببًا له، فهذه العصا التي سأل الله سبحانه وتعالى موسى عنها فرد عليه قائلًا: (قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمي وَلِيَ فيها مَآرِبُ أُخرى) [طه: 18] .

فذكر موسى عليه السلام الأسباب التي اتخذ العصا من أجلها ولم يكن من ضمنها فلق البحر، ومع ذلك جعلها الله سبحانه وتعالى سببًا لفلق البحر، وأنقذ المؤمنين من فرعون وجنوده.

قال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ?63? وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ ?64? وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ?65? ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) [الشعراء: 63 - 66] .

هذا بالإضافة جعلها سببًا لتحقيق أمور أخرى لا تحققها العصا بالعادة، كما علمنا ربنا -جل وعلا- أنه واهب الأسباب، وأنه ما على العبد إلا أن يكون صاحب إرادة لتوظيف هذه الأسباب فيما يرضيه سبحانه يدل على ذلك:

قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258] .

وقوله تعالى عن الرجل الصالح الذي سار معه موسى عليه السلام 48: (وَعَلَّمناهُ مِن لَدُنّا عِلمًا) [الكهف: 65] .

وقوله تعالى عن ذي القرنين: (فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَ) [الكهف: 84] .

والمفهوم من تلك الآيات وغيرها أن الله سبحانه وتعالى هو واهب الملك، والعلم، والقدرة، وسائر الأسباب، وقد فقه أهل الصلاح ذلك كله لذلك: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [المائدة: 23] .

والرجلان هما من أهل الصلاح ممن كانوا على دين موسى عليه السلام 49.

ولذلك أيضًا رفع رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء قبيل غزوة بدر حتى ظهر بياض إبطه الشريف راجيًا ربه أن ينجز له ما وعده من النصر 50، مستخدمًا بذلك أقوى الأسباب فاعلية في جلب المصالح ودفع المضار، ألا وهو سلاح الدعاء الخالص لله سبحانه وتعالى 51، فنصره الله سبحانه وتعالى، ومن معه من المؤمنين، ولذا أيضًا حفر الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين الخندق بأظفارهم وبما توفر لديهم من وسائل يسيرة، مصدقين بذلك قوله تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُم وَآخَرينَ مِن دونِهِم لا تَعلَمونَهُمُ اللَّهُ يَعلَمُهُم وَما تُنفِقوا مِن شَيءٍ في سَبيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيكُم وَأَنتُم لا تُظلَمونَ) [الأنفال: 60] .

فأيدهم الله سبحانه وتعالى ونصرهم على الأحزاب 52، ولذلك أيضًا حافظ المسلمون على سنة السواك في معاركهم، فكان ذلك سببًا من أسباب نصرهم على أعدائهم أصحاب القوة والبأس 53، والتاريخ حافل بدلائل التمكين الإلهي للمؤمنين الآخذين بكل ما توفر لديهم من أسباب النصر والعزة والغلبة.

رابعًا: العلم:

معلوم أن من أحد أهم عوامل تحقيق التمكين في الأرض هو العلم، لاسيما وأنه السبيل إلى الرفعة والهيمنة، وتبيانًا لذلك يقول ربنا جل وعلا: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11] .

وقد ربطت الآية الكريمة بين الإيمان وطلب العلم، وذلك الربط يأتي في إطار الإشارة إلى أن طلب العلم يؤتي ثماره الطيبة إذا كان طالب العلم مؤمنًا، فالإيمان هو الضابط لطالب العلم، فلا يوظف علمه إلا بما يرضي الله سبحانه وتعالى، كما يعود بالنفع على البشرية 54.

ومما يبرز الدور الهام لطالب العلم في تحقيق التمكين في الأرض هو المضمون الذي اشتملت عليه آيات القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين الصادقين بأن يستخلفهم ويمكن لهم دينهم.

قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى? لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ? يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ? وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور: 55] .

والدين الذي يرتضيه ربنا جل وعلا هو الإسلام.

قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85] .

والإسلام هو الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء جميعًا، وإن أول ما أوحى به الله سبحانه وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هو الأمر بالقراءة.

قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1] .

والقراءة تعد من أهم وسائل طلب العلم، ومن ثم فلا تمكين إلا بإقامة الدين، ولا دين غير الإسلام، وقد بدأ الإسلام بالدعوة إلى طلب العلم.

قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) [يوسف: 68] .

هذه الآية هي ثناء من الله سبحانه وتعالى على نبيه يعقوب عليه السلام لما حصل من العلوم، وبالنظر في نصوص القرآن نجد أن يعقوب عليه السلام قد وظف علمه خلال نصحه لأبنائه، فهذا يوسف عليه السلام يروي لأبيه يعقوب الرؤية التي رآها في منامه، فنصحه أبوه ألا يقص رؤيته لإخوته فيكيدوا له.

قال تعالى: (إِذ قالَ يوسُفُ لِأَبيهِ يا أَبَتِ إِنّي رَأَيتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوكَبًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ رَأَيتُهُم لي ساجِدينَ ?4? قالَ يا بُنَيَّ لا تَقصُص رُؤياكَ عَلى إِخوَتِكَ فَيَكيدوا لَكَ كَيدًا إِنَّ الشَّيطانَ لِلإِنسانِ عَدُوٌّ مُبينٌ) [يوسف: 4 - 5] .

فيعقوب عليه السلام علم من خلال سماعه الرؤيا أمرين:

الأول: تأويل الرؤيا.

الثاني: الأثر السلبي الذي قد تتركه الرؤيا على إخوة يوسف عليه السلام إذا سمعوا بها، فكانت نصيحته لولده يوسف عليه السلام تهدف إلى المحافظة على بقاء اللحمة بين أولا ده، وهذا يؤدي إلى حصول التمكين.

وفي موقف آخر ينصح أبناءه عندما أرادوا الخروج من عنده، والتوجه إلى مصر قائلًا لهم: (وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدخُلوا مِن بابٍ واحِدٍ وَادخُلوا مِن أَبوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغني عَنكُم مِنَ اللَّهِ مِن شَيءٍ إِنِ الحُكمُ إِلّا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَعَلَيهِ فَليَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلونَ) [يوسف: 67] .

وذلك خوفًا عليهم من العين 55، ومما لا شك فيه أن نصيحته هذه تدل على علمه بالضرر الذي قد يسبب فيه دخولهم من باب واحد، وتجنب الضرر يؤدي إلى حصول التمكين.

وقال تعالى: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [سبأ: 11] .

يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه داود عليه السلام في هذه الآية أن يتقن صنعة الحدادة، وذلك من خلال قوله: (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) ، أي: تمهل وترو في السرد كي تحكمه 56، وإتقان الصنعة يؤدي إلى حصول التمكين.

وقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [المائدة: 4] .

يقول الزمخشري: «وانتصاب (مُكَلِّبِينَ) على الحال من (عَلَّمْتُم) ، فإن قلت: ما فائدة هذه الحال وقد استغنى عنها ب (عَلَّمْتُم) ؟

قلت: فائدتها أن يكون من يعلم الجوارح تحريرًا في علمه مدربًا فيه، موصوفًا بالتكليب (تُعَلِّمُونَهُنَّ) حال ثانية أو استئناف، وفيه فائدة جليلة وهي أن على كل آخذ علمًا أن لا يأخذه إلا من أقتل أهله علمًا، وأنحرهم دراية، وأغوصهم على لطائفه وحقائقه، وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل» 57.

وإتقان المهارات يؤدي إلى حصول التمكين.

خامسًا: القوة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت