فهرس الكتاب

الصفحة 2128 من 2431

بين الله سبحانه أن الأقوال مسؤول عنها، وساق هذا المعنى في غير آية، منها قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) } [الأنعام: 68 - 69] .

وفي هذا الموضع من القرآن الكريم جاءت الإشارة الواضحة بأن الذين يخوضون في آيات الله استهزاء أو سبًا أو تكذيبًا أو تحريفًا أو غير ذلك من أنواع الخوض بالقول مسؤولون محاسبون، وأمر بالإعراض عنهم والصد عنهم والقيام وعدم الجلوس معهم، حال خوضهم، وأشار إلى أن الرضا بفعلهم هذا يدخل الإنسان في التبعة التي رتبها الله سبحانه على فعلهم، وأن من اتقى الله فخافه وأطاعه فيما أمره به واجتنب ما نهاه عنه، فلا تترتب عليه التبعة بعدم الإعراض فيما بينه وبين الله ما دام تركه الإعراض لم يكن عن رضًا بما هم فيه من الخوض وكان متقيًا، وأن الإعراض فائدته تذكيرهم وتنبيههم ليتقوا هذا الفعل ويتحاشوه 149.

وقال البعض من أهل التفسير أن المقصود هو أنه ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم. ويعضد القول الأخير آية النساء وهي لاحقة لآية الأنعام، حيث فيها إحالة إلى هذه الآية ومعناها.

قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [النساء: 140] .

وقال جماعة من أهل التفسير أن الأمر كان في أوله على آية الأنعام حتى جاءت آية النساء فنسختها 150.

وفي آية النساء إشارة إلى أن خطر الأقوال يتعدى قائلها إلى مستمعها ما لم ينكر بأن يكره أو يعرض. والجمع إشارة إلى المسؤولية المترتبة التي تستلزم الجمع للحساب. واستدل ابن العربي 151 بآية الأنعام على صحة القول بوجوب الخروج من أرض البدعة مثل التي يسب فيها السلف، وهو قول مالك 152.

إن من أعظم ما يسأل عنه الإنسان من الأقوال في القرآن الكريم الافتراء؛ وهو الكذب المختلق.

قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} [النحل: 56] .

وفي الآية يخبر الله سبحانه وتعالى عن قبائح فعال المشركين وافترائهم عليه سبحانه بأن شرعوا دينًا لم يأذن به، وجعلوا له سبحانه أندادًا من الأصنام والأوثان، ثم إنهم بعد ذلك يجعلون نصيبًا مما رزقهم الله قرابين لهذه الطواغيت التي ائتفكوها، بل {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) } [الأنعام: 136] .

كل ذلك من باب الافتراء والزعم والادعاء المجانب للعلم المتابع للهوى والشيطان، فأقسم الله سبحانه بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه تبكيتًا وتوبيخًا، وليقابلنهم بشر ما عملوا جزاء وفاقًا 153.

وهذه الآية تدل على أن أشنع الأقوال ما أسس للإشراك بالله، وأن الكلام في مسائل الألوهية والربوبية والأسماء والصفات عن جهل وهوى مرداة ومهلكة. ومن هذا الباب وصف الكفار الملائكة بأنهم بنات الله.

قال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) } [الزخرف: 19] .

فجعل كلامهم في هذا الباب من باب الشهادات، وتوعدهم بالسؤال والحساب عن شهادتهم التي أتوا بها عن غير وجه حق، إذ لم يشهدوا خلق الملائكة ولم يحضروا ذلك، فكيف يقررون صفتهم وهم يدفعون كلام الله ولا يقبلونه، وهم لم يشهدوا خلق الملائكة؟، فذلك الذي استحقوا به سؤال التبكيت والتوبيخ.

ومن الافتراء زعم الكفار أنهم يحملون أوزار من صبأ عن إيمانه، واتبع ما هم عليه من تكذيب البعث بعد الممات والكفر بالثواب والعقاب، وقرر كذبهم وافتراءهم، وتوعدهم وهددهم بالسؤال عن أقوالهم التي هي محض الكذب.

قال سبحانه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) } [العنكبوت: 12 - 13] .

وهذا السؤال عن الأقوال هو في جانب الوعد الباطل الذي لا يمكن ولا يستطاع؛ لأنه لا يملك صاحبه الحكم به.

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من قول الزور أشد التحذير؛ فقال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر) ثلاثًا؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) ، وجلس وكان متكئًا، فقال: (ألا وقول الزور) ، قال -الراوي وهو أبي بكرة رضي الله عنه-: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت 154.

فالسنة قد أيدت معنى المسؤولية عن الأقوال، بل وأكدت أن أعظم ما يدخل الناس النار هو الأقوال. فعن معاذ بن جبلٍ قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعملٍ يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: (لقد سألتني عن عظيمٍ، وإنه ليسيرٌ على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) . ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير؛ الصوم جنةٌ والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل) . قال ثم تلا {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} حتى بلغ {يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16 - 17] .

ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه) . قلت: بلى يا رسول الله. قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) . ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) . قلت: بلى يا نبي الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: (كف عليك هذا؟) . فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم- أو على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) 155.

صرح القرآن بالسؤال عن الأعمال في غير ما آية؛ فقال سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 93] .

وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله تعالى أنه لو شاء سبحانه لصير الناس كلهم جميعًا جماعة واحدة، وأهل ملة واحدة لا يختلفون ولا يفترقون، ولكنه خالف بينهم بحكمته وعلمه، فجعلكم أهل ملل شتى، وَفَّقَ فريقًا منهم للإيمان به والعمل بطاعته، فكانوا مؤمنين، وخذل أقوامًا فحرمهم توفيقه، فكانوا كافرين، وأنه سبحانه سيسأل الجميع يوم القيامة عما عملوا في الدنيا فيما أمرهم به ونهاهم عنه، فيجازيهم بما عملوا: المطيع بطاعته، والعاصي بمعصيته 156.

وقال سبحانه: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .

فهو سبحانه سائل جميع من في السماوات والأرض من عباده ومحاسبهم؛ لأنه فوقهم بالملك والقدرة والقهر، ولا يسأل سبحانه عن قضائه وقدره، وجميع من في السماوات والأرض مسئولون عن أفعالهم، ومحاسبون على أعمالهم وهم في سلطانه لا يخرجون عنه 157.

ومع هذا التقرير للسؤال عن الأقوال والأعمال، فإنه لا بد من التنبيه على أن الله سبحانه لا يؤاخذ الإنسان على ما صدر منه على سبيل الخطأ أو الإكراه أو النسيان من أقوال وأفعال، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) 158.

كما استثنى اللغو في الأيمان. قال سبحانه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) } [البقرة: 225] .

وحديث النفس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم) 159.

سادسًا: نعيم الدنيا:

قال سبحانه: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) } [التكاثر: 8] .

أي: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه، من أين وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا عملتم به؟ 160.

وقال: اختلف أهل التأويل في ذلك النعيم ما هو؟

فقال بعضهم: هو الأمن والصحة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم ليسألون يومئذ عما أنعم الله به عليهم مما وهب لهم من السمع والبصر وصحة البدن. وفيم استعملوها، كما قال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .

وقال آخرون هو العافية، وقال آخرون: بل عنى بذلك ما يطعمه الإنسان أو يشربه 161.

وقال ابن كثير: أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك 162.

وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا 163.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) 164.

ومن الغبن أن لا يقوم الإنسان بواجب هاتين النعمتين وهو الشكر، والاستفادة منهما في التزود ليوم المعاد.

والذي يظهر أن هذه الآية الواردة في السؤال عن النعيم مرتبطة بما قبلها من الآيات في السورة.

قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) } [التكاثر: 1 - 8] .

فالله سبحانه يخبر أن التكاثر والمنافسة والحرص على الاستزادة من الأموال والأولاد والنعم التي يظن الإنسان في الدنيا أنها النعيم، يلهي عن الاستعداد ليوم المعاد، حيث النعيم الحقيقي المقيم، حتى إذا جاء الموت والإنسان غير مستعد للآخرة وهو في شغل وغفلة عنها، أتاه الخبر اليقين في قبره عن مآله في الجحيم ورآه جزاء وفاقًا لسوء صنيعه، ثم يوم القيامة يَصْلَى سعيرًا، ويسأل حينئذ تبكيتًا وتوبيخًا عن النعيم الذي حازه: هل هو نعيم؟

فالسؤال إذًا يكون بمعنى: هل رأيت نعيمًا قط؟

أي: يكون عن ذوق النعيم نفسه، لا عن شكر النعم التي في الدنيا، وفي الحديث عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط، هل مر بك نعيمٌ قط فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط، هل مر بك شدةٌ قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيت شدةً قط) 165.

والمعنى: إن الإنسان إذا رأى الجحيم عيانًا، وتيقن مقعده في النار لم ير ما كان فيه من نعيم الدنيا شيئًا -قليلًا كان أو كثيرًا-، وبدا له من سيئات عمله ما يتلاشى معه أي نعيم ذاقه، وأي نعم حازها في الدنيا.

سابعًا: الولاية العامة والخاصة:

إن القرآن الكريم لم يجعل مسئوليات العباد منحصرة في ذواتهم، بل جعل بعضهم قائمًا على تولي أمور بعض، وجعل هذه الولاية مسؤوليات معهود بها يقوم بها البعض لصلاح حال آخرين. كما في الحديث: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) 166.

قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته 167.

وبهذا فإنه لا يكاد يخلو إنسان مكلف من مسؤولية عن ولاية. والولاية إما أن تكون مسؤولية أمر يتعلق بالجماعة المسلمة عمومًا فهي ولاية عامة، وإما أن تكون مسؤولية عن فرد، أو مجموعة مخصوصة فهي ولاية خاصة.

أما الولاية العامة فهي التي تقوم على مصالح العامة، وهي الإمامة والإمارة، فتشمل الحكام وأولي العلم والأمراء والوزراء وغيرهم.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره في قوله سبحانه {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] : هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة، يتناول النبي صلى الله عليه وسلم وأمراءه ومن بعدهم 168.

وفي قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] .

قال القرطبي: وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق 169.

وتشمل المسؤولية عن الولاية العامة قسمة الأموال، ورد الظلامات، والعدل في الحكومات 170.

وقد ذهب جمع من المفسرين على أن الآية عامة في جميع الناس، فهي كما تتناول الولاة، تتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى 171.

ومن أهم أركان المسؤولية عن الولاية العامة: العدل والإحاطة بالنصح وعدم غش الرعية؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز و جل -وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) 172.

وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من والٍ يلي رعيةً من المسلمين فيموت وهو غاشٌّ لهم إلا حرم الله عليه الجنة) 173.

وفي رواية مسلم: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) 174.

في آية النساء السابقة دليل عظيم وبينة واضحة على المسؤولية عن الولاية العامة، فالأمر -كما تقرر سلفًا- هو منشأ ومبدأ المسؤولية، والله سبحانه صرح بالأمر في هذه الآية بقوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ} ، وكما أن المسؤولية مترتبة على أهل الولايات عن رعاية مصالح الرعية، فكذلك المسؤولية مترتبة على الرعية عن طاعتهم كما في الآية الثانية.

وقد قرر سبحانه لتأكيد المسؤولية أنه سبحانه سميع بصير، لا يخفى عليه شيء من أمر ما أوجب من أداء الأمانات والحكم بالعدل.

وأما الولاية الخاصة فهي التي تتعلق بواجب رعاية مخصوصة، مثل رعاية الأولاد والأهل.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] .

وفي هذه الآية الأمر بوقاية الإنسان نفسه وأهله النار، فأمر سبحانه المؤمنين وأوجب عليهم وقاية أنفسهم، وما يدخل في حكم النفس من الأولاد، ووقاية أهليهم بوصيتهم وتعليمهم الحلال والحرام وتجنيبهم المعاصي والآثام، وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الفطر إذا وجب. قال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه وولده وأهله وعبيده وإمائه 175.

وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع) 176.

وقد روى مسلم أن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا أوتر يقول: (قومي فأوتري يا عائشة) 177.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأةً قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) 178.

ومنه قوله صلي الله عليه وسلم: (أيقظوا صواحب الحجر) 179180.

ومثل الآية السابقة آية سورة طه؛ قال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) } [طه: 132] .

ومن الولاية الخاصة ترشيد الولي لنفقة السفيه من ماله، وقيامه على رعاية اليتيم وماله وأدائه له عند رشده.

قال سبحانه: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5] .

وقال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } [البقرة: 220] .

وقال عز من قائل: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) } [النساء: 2] .

والعمدة في المسؤولية عن الولايات الخاصة والعامة حديث عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته) . قال: وحسبت أن قد قال: (والرجل راعٍ في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته) 181.

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه أحفظ ذلك أم ضيع حتى يسأل الرجل على أهل بيته) 182.

ولأن الولاية العامة والخاصة تتعلق بمصالح المجتمع والأمة المسلمة والضعفاء، فإن الله سبحانه جعل مسؤوليتها في غاية العظمة، وجعل لمن يرعاها حق رعايتها الجزاء الأوفى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) 183.

وحذر أشد التحذير من عدم رعايتها وأداء ما على الإنسان فيها.

قال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .

فحذر سبحانه من سبيلين يؤديان لتضييع الأمانة ورعاية الولاية وهما: الظلم الذي يؤدي إليه الميل والعدوان، والجهل بما فيها وما في ضدها. ومن تحذير السنة حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال:(يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) 184.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته) 185.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ويلٌ للأمراء، وويلٌ للعرفاء، وويلٌ للأمناء، ليتمنين أقوامٌ يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقةً بالثريا، يدلدلون بين السماء والأرض، وأنهم لم يلوا عملا) 186.

وبهذا يتضح عظم شأن الولاية بوجه عام، وأنها من المسؤوليات الجسيمة العظيمة، إذ يترتب على التفريط والتعدي فيها أشد الندم وأعظم الخسران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت