أولا: المعنى اللغوي:
( «كره» الكاف والراء والهاء أصلٌ صحيحٌ واحد، يدل على خلاف الرضا والمحبة) 1.
(وقيل: الكره: المشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراهٍ، والكره: ما يناله من ذاته وهو يعافه) 2، (المكروه جمع مكاره، والمرأة مستكرهة أي: غصبت نفسها فأكرهت على ذلك، وحمل أمرا وهو له كاره، هو نقيض الحب، شيء كريه ومكروه وأكرهه عليه فتكارهه وتكره الأمر كرهه وأكرهته حملته على أمر هو له كاره وجمع المكروه مكاره وامرأة مستكرهة غصبت نفسها فأكرهت على ذلك وكره إليه الأمر تكريها صيره كريها إليه، نقيض حببه إليه، وما كان كريها ولقد كره كراهة، وأمر كريه: مكروه. ووجه كره وكريه: قبيح) .3
وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إسباغ الوضوء على المكاره) 4، جمع مكره وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه.
ومن خلال ما سبق تبين أن الكره يتمركز معناه اللغوي حول خلاف المحبة والرضا، والمشقة.
ثانيا: المعنى الاصطلاحي:
هو نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه 5.
والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني نفار النفس عن الشيء الذي ترغب فيه، وهذا مرتبط بالمعنى اللغوي وهو عدم المحبة والرضا، فلا تنفر النفس عن شيء إلا لعدم محبتها ورضاها.
ووردت مادة (كره) في القرآن الكريم (41) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 17 ... {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) } [محمد:9]
الفعل المضارع ... 6 ... {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة:216]
المصدر ... 10 ... {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف:15]
اسم الفاعل ... 7 ... {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) } [المؤمنون:70]
اسم المفعول ... 1 ... {كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) } [الإسراء:38]
الكره في اللغة بمعنى: المشقة، يدل على خلاف الرضا والمحبة 7.
البغض:
البغض لغة:
البغض والبغضة نقيض الحب، والتباغض ضد التحاب ورجل بغيض، وقد بغض بغاضة وبغض فهو بغيض ورجل مبغض يبغض كثيرا، ويقال هو محبوب غير مبغض، وقد بغض إليه الأمر وما أبغضه إلي ولا يقال ما أبغضني له ولا ما أبغضه لي 8.
البغض اصطلاحًا:
البغض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه، وهو ضد الحب، فإن الحب انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه 9.
الصلة بين الكره والبغض:
البغض من الألفاظ المقاربة لمعنى الكره، ولكن البغض أوسع، ويعبر عن شدة الكراهية، وتستعمل الكراهة فيما لا يستعمل في البغض 10.
الإباء:
الإباء لغة:
مصدر من أبى يأبى، أي: امتنع، أبى الشيء يأباه إباء وإباءة 11.
الإباء اصطلاحًا:
شدة الامتناع 12.
الصلة بين الكره والإباء:
الإباء بمعنى شدة الامتناع، وهو من المعاني المقاربة للكره، فمن يكره شيئًا يأباه، فيمتنع عنه بشدة، ولكن من يأبى شيئا فليس من الضرورة أن يكرهه، كمن يمتنع عن أكل شيء معين، ولكن لا يكرهه 13.
الإكراه:
الإكراه لغةً:
يقال: أكرهته، أي: حملته على أمرٍ هو له كارهٌ، والكره (بالفتح) : المشقة، وبالضم: القهر، وقيل العكس، وأكرهته على الأمر إكراهًا: حملته عليه قهرًا. يقال: فعلته كرهًا «بالفتح» أي إكراهًا» 14.
الإكراه اصطلاحًا:
الإكراه حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد الشديد 15.
الصلة بين الكره والإكراه:
الإكراه من الألفاظ المقاربة للكره، فالكره والإكراه بمعنى: الإجبار على فعل الشيء، ولكن إن كان الإجبار من الغير فيكون إكراها، وإن كان من الداخل فيكون كرها.
الحب:
الحب لغة:
(الحاء والباء، أصول ثلاثة، أحدهما اللزوم والثبات، والآخر الحبة من الشيء ذي الحب، والثالث وصف القصر) 16.
الحب اصطلاحًا:
(انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه) 17.
الصلة بين الحب والكره:
الحب من الألفاظ المقابلة للكره، فهما نقيضان، فالحب انجذاب النفس إلى الشيء المرغوب، والكره نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه.
إن لله تعالى أسماء وصفات ثبتت في القرآن الكريم أو في سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ والكره أحد هذه الصفات التي أثبتها الله في أكثر من آية، وكذلك أثبتها رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، فعلينا أن نثبت ما أثبته الله ورسوله بلا تعطيل ولا تثميل ولا تأويل، في دائرة قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] .
وردت صفة الكره في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:
1. (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَ?كِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) [التوبة:46] .
2. (كُلُّ ذَ?لِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ?38?) [الإسراء:38] .
3. (وَلَ?كِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ?) [الحجرات:7] .
وهناك أحاديث عدة أثبتت صفة الكره نذكر منها:
عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) 18.
وكتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم فكتب إليه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال) 19.
وانطلاقًا من قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] .
فإننا نثبت لله عز وجل صفة الكره كما يليق بجلاله وعظمته، إثباتا لما أثبته لنفسه، ولما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وهذا هو مذهب السلف الصالح.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:(ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] .
فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون في أسماء الله وآياته ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه) 20.
ومثل هذه الصفات التي هي في الحادث انفعالات نفسية كالمحبة والرحمة والرضا والغضب والكراهة، فالسلف يجرونها على ظاهرها مع تنزيه الله تعالى عن انفعالات المخلوقين، فيقولون: إن لله تعالى محبة تليق بشأنه ليست انفعالا نفسيا كمحبة الناس، والخلف يؤولون ما ورد من النصوص في ذلك فيرجعونه إلى القدرة أو إلى الإرادة فيقولون: الرحمة هي الإحسان بالفعل أو إرادة الإحسان، ومنهم من لا يسمي هذا تأويلا بل يقولون: إن الرحمة تدل على الانفعال الذي هو رقة القلب المخصوصة على الفعل الذي يترتب على ذلك الانفعال، وقالوا: إن هذه الألفاظ إذا أطلقت على البارئ تعالى يراد بها غايتها التي هي أفعال دون مباديها التي هي انفعالات، ولما كان العقل والنقل متفقين على تنزيه الله تعالى عن مشابهة البشر تعين أن نجمع بين النصوص فنقول: إن لله تعالى قدرة حقيقة ولكنها ليست كقدرة البشر، وإن له رحمة ليست كرحمة البشر، وهكذا نقول في جميع ما أطلق عليه تعالى جمعا بين النصوص، ولا ندعي أن إطلاق بعضها حقيقي وإطلاق البعض الآخر مجازي، فكما أن القدرة شأن من شئونه لا يعرف كنهه ولا يجهل أثره، كذلك الرحمة شأن من شئونه لا يعرف كنهه ولا يخفى أثره، وهذا هو مذهب السلف فهم لا يقولون إن هذه الألفاظ لا يفهم لها معنى بالمرة، ولا يقولون إنها على ظاهرها، بمعنى أن رحمة الله كرحمة الإنسان ويده كيده، وإن ظن ذلك في الحنابلة بعض الجاهلين، ومحققو الصوفية لا يفرقون بين صفات الله تعالى، ولا يجعلون بعضها محكما إطلاق اللفظ عليه حقيقي، وبعضها متشابها إطلاقه عليه مجازي، بل كل ما أطلق عليه تعالى فهو مجاز 21.
إن أساس التفريق بين الكره الطبعي والكره العقلي أو الشرعي كان في مفردات القرآن للراغب ومن بعده جاء عالة عليه، وذلك حينما قال: على ضربين -الكره-:
أحدهما: ما يعاف من حيث الطبع.
والثاني: ما يعاف من حيث العقل أو الشرع.
ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء الواحد إني أريده وأكرهه بمعنى إني أريده من حيث الطبع وأكرهه من حيث الشرع، أو أريده من حيث العقل أو الشرع وأكرهه من حيث الطبع 22.
فالكره الطبعي هو النفور الطبعي الجبلي عن الشيء، فكما أن الإنسان يحب أشياء بطبعه، كذلك يكره أشياء بطبعه، والله عز وجل هو الذي جبل البشر على الحب الطبعي والكره الطبعي، فلا تكتسب اكتسابا كالكره العقلي أو الشرعي، إذ العقل أو الشرع هو الذي يحدد ما يضره في الدنيا والآخرة، وذلك مثل كره الرجل القيام من نومه لصلاة الفجر أو قيام الليل، وكرهه الجهاد للتعرض للقتل أو الجرح أو القطع أو الضرب أو السجن، وكرهه إخراج شيء من ماله للغير، وكرهه الامتناع عن الطعام والشراب والجماع، فهذه الأمور كلها يكرهها الإنسان بطبعه، ولكن بما أن الله أمر بها فيتحول هذا الكره إلى عكسهن إرضاء لله عز وجل، لذلك عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وحفت الجنة بالمكاره) 23.
والكره الطبعي غير محاسب عليه الإنسان، أما العقلي أو الشرعي فمنه الكره المحمود والمذموم، فالذي لأجل الله هو كره محمود والذي لأجل الدنيا فهو كره مذموم، وسنفرق بإذن الله بينهما مع الأمثلة في مبحث خاص.
ومن خلال النظر والتدبر في الآيات التي تحدثت عن الكره، رأيت أنها فرقت بين الكره الطبعي والكره العقلي أو الشرعي:
أولا: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) } [البقرة:216] .
الكره هنا كره طبعي؛ فالقتال مطبوع على كرهه وعدم حبه، وذلك لما فيه من المشقة على الجسم بما يحتمل تعرضه للجرح وبتر الأعضاء، والمشقة على النفس بذهابها، والمشقة بمفارقة الأهل والمال، فالنفس بطبعها تكرهه، ومع ذلك فالمسلم يحب حكم الله ولا يكرهه، وهذا أيضا مثل كره الزوجة من أن يتزوج عليها زوجها امرأة غيرها، وهي مع ذلك تحب حكم الله بالتعدد ولا تكرهه.
يقول د. صلاح الخالدي: تكليف القتال شاق على النفس، وقد تكرهه بعض النفوس وبخاصة ضعاف الإيمان، وقد تتباطأ وتتثاقل بعض النفوس وتتخلى عنه، ولكن النفس المؤمنة تنفر إليه وتقوم به رغم مشقته وصعوبته، فوصف القتال بالكره أي: أنه ثقيل وشاق لكنه مطلوب مراد من قبل المجاهدين الصادقين 24.
وقال الزجاج: ومعنى كراهيتهم القتال أنهم إنما كرهوه على جنس غلظه عليهم ومشقته لا أن المؤمنين يكرهون فرض الله؛ لأن الله تعالى لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والصلاح 25.
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم مدارج السالكين: وليس من شرط الرضى ألا يحس بالألم والمكاره، بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه، ولهذا أشكل على بعض الناس الرضى بالمكروه، وطعنوا فيه: وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة، وإنما هو الصبر، وإلا فكيف يجتمع الرضى والكراهة؟ وهما ضدان، والصواب: أنه لا تناقض بينهما، وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضى، كرضى المريض بشرب الدواء الكريه، ورضى الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضى المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح وغيرها 26.
ويعرض سيد قطب في ظلال القرآن لحكمة الله من إيجاب القتال رغم مشقته وثقله إلى حكمة تهون هذه المشقة، فيقول: إن القتال في سبيل الله فريضة شاقة و لكنها فريضة واجبة الأداء، واجبة الأداء لأن فيها خيرا كثيرا للفرد المسلم وللجماعة المسلمة وللبشرية كلها وللحق والخير والصلاح، والإسلام يحسب حساب الفطرة فلا ينكر مشقة هذه الفريضة، ولا يهون من أمرها، ولا ينكر على النفس البشرية إحساسها الفطري بكراهيتها وثقلها ولكنه يعالج الأمر من جانب آخر ويسلط عليه نورا جديدا، إنه يقرر أن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه المذاق، ولكن وراءه حكمة تهون مشقته، وتسيغ مرارته 27.
لذا فثمة فرق بين من يكره القتال في سبيل الله ومن يقول القتال في سبيل الله هو أمر كريه، فالأول كره طبعي؛ فهو يكره ما يلحق بالقتال من الجرح والقطع والقتل، وهذه الكراهة كراهة طبعية جبلية، غير محاسب عليه، أما الثاني فالكره شرعي غير طبعي، لأنه يكره أمر الله عز وجل بغض النظر عن وجود أذى أو عدمه.
وفي قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} [البقرة:216] .
وكذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء:19] .
قاعدة إيمانية عظيمة في هدايتها وآثارها، مرتبطة بركن من أركان الإيمان الستة الذي لا يكتمل إيمان مسلم إلا به، ألا هو الإيمان بالقدر خيره وشره، فالمؤمن لا يجزع ولا يفزع إذا أصابه شر من المصائب أو الأحزان، فربما هي منحة بلباس المحنة، فلا يدري أحدنا ما الخير الذي سيأتي الله لنا، والعكس صحيح فأحدنا يبحث عن الخير ويطلبه بإصرار، ظنا بأن الخير في هذا الأمر لا في غيره، ولكن تكون الحقيقة مخالفة.
ومثل هذا من القرآن الكريم حينما ألقت أم موسى ولدها في البحر بأمر من الله عز وجل، وفي هذا الأمر شر ظاهر فهو البحر الذي لا يأمن الكبير على نفسه فما ظنك بطفل رضيع، ولكن الله يعلم أين الخير، فحفظ الله موسى في البحر ليبعده عن ظلم فرعون وجنوده.
ثانيًا: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } [الأحقاف:15] .
إن حمل المرأة بجنينها شاق صعب يضعف جسمها وقد يصيبها بالأمراض، وقد يودي بحياتها، وقل هذا في آلام المخاض وأوجاع الطلق ومشقة الوضع، لكن ألا ترغب المرأة في الحمل والإنجاب؟ ألا تتلذذ به وتستعذبه وتشتاق إليه، لهذا عبر القرآن عن حملها ووضعها بأنه كره أي: أنه فيه مشقة وصعوبة، وثقل، فيه آلام وأوجاع وأخطار، لكنه مع ذلك مرغوب عند المرأة ومطلوب ومراد 28.
فكره المرأة للحمل والولادة لما فيه من التعب والمشقة، هو كره طبعي مجبولة عليه المرأة، ومع ذلك فإنها تحب الإنجاب والأطفال، وهذا حب طبعي، وقد يجتمع الحب الطبعي مع الكره الطبعي.
ويصور سيد قطب العناء الذي تعانيه الأم في صورة حسية فيقول: وتركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} ، لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه!
ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة، إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم، وهي مزودة بخاصية أكالة، تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله فيتوارد دم الأم إلى موضعها، حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائمًا في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات وتمتصه لتحيا به وتنمو.
وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم، دائمة الامتصاص لمادة الحياة، والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص، لتصب هذا كله دما نقيا غنيا لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول!
ثم الوضع، وهو عملية شاقة، ممزقة، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة، ثمرة التلبية للفطرة، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش، وتمتد، بينما هي تذوي وتموت!
ثم الرضاع والرعاية، حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية، وهي مع هذا وذلك فرحة سعيدة رحيمة ودود، لا تمل أبدا ولا تكره تعب هذا الوليد، وأكبر ما تتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو 29.
وفي آية أخرى يقول تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) } [لقمان:14] .
فهنا حمل المرأة وهنا على وهن، وفي الآية الأولى: حملته كرها ووضعته كرها، والسر في ذلك هو أن في فترة الحمل تضعف المرأة وتزداد ضعفا كلما حملت أكثر من حمل، فاختار لفظة: {وَهْنًا} بمعنى: ضعفا، أما: {كُرْهًا} بمعنى: المشقة والتعب وهذا ليس خاصا في فترة الحمل فقط ولكن في الحمل والولادة، فالمشقة مرتبطة بالأم طول فترة الحمل، وفي وقت الولادة.
ومن مفهوم هاتين الآيتين فقد فهم العلماء أن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر، وذلك حينما تنقص العامين من الثلاثين شهرا، يبقى ستة أشهر، فقالوا هي أقل مدة للحمل فإذا ولد الطفل قبل هذه الفترة فلن يبقى على قيد الحياة.
وقد اختلف القراء في لفظة: «كرها» بالفتح أو بالضم، الواردة في الآيات: 216، من سور البقرة، والآية: 19، من سورة النساء، والآية: 15، من سورة الأحقاف، فنقل ابن منظور هذا الخلاف عن أحمد بن يحيى، فقال:
1.قرأ نافع وأهل المدينة في: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ) [البقرة:216] .بالضم في هذا الحرف خاصة وسائر القرآن بالفتح.
2.عاصم وابن ذكوان بضم «كره» التي في البقرة، واللذين في الأحقاف (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا) [الأحقاف:15] . ويقرأ سائرهن بالفتح.
3.والأعمش وحمزة والكسائي، وكذا خلف، يضمون ما ضمه عاصم أي: التي في البقرة واللذين في الأحقاف، ويزيدون التي في النساء: (ھلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) [النساء:19] . بالضم، وما سواها بالفتح.
4.أهل الحجاز يقرؤون جميع ما في القرآن بالفتح، إلا ما ورد في البقرة خاصة فهو على الضم 30.
وفي توجيه هذه القراءات الواردة في «كرها» يقول العلامة ابن زنجلة: (قرأ حمزة والكسائي: «أن ترثوا النساء كرها» بالضم، وقرأ الباقون بالنصب، واختلف الناس في الضم والفتح، قال ابن عباس: من قرأ: كرها بالضم أي: بمشقة، ومن قرأ: كرها بالفتح أي: إجبارا أي: أجبر عليه، جعل ابن عباس الكره فعل الإنسان والكره ما أكره عليه صاحبه، تقول كرهت الشيء كرها وأكرهت على الشيء كرها، قال أبو عمرو: والكره ما كرهته والكره ما استكرهت عليه، ويحتج في ذلك بقول الله جل وعز: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} ، وقال الأخفش: هما لغتان مثل: الضعف والضعف والفقر والفقر، وقال قوم: الكره المصدر تقول كرهته كرها مثل شربته شربا، والكره اسم ذلك الشيء) 31.
ثالثًا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) } [الحجرات:12] .
الآية الكريمة تشبه الغيبة بأكل لحم الإنسان لأخيه الإنسان المكروه أكله طبعا، وذلك لاجتماع الكره الطبعي بينهما، فمن يغتاب أخيه كمن أكل لحمه ميتا، (فيه تنبيه على أن لحم الأخ شيء جبلت الأنفس على كراهته وإن تعاطته) 32.