فهرس الكتاب

الصفحة 1404 من 2431

إن الصدق في النية والقول والعمل، يجعل العمل صالحًا، والعمل الصالح له من الثمار الدنيوية كما أن له من الأجر العظيم في الآخرة، ولنا الموعظة الحسنة في حديث الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار أنه قال بعضهم لبعض: إنه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلا الصدق، فليدع كل رجل منكم بما يعلم أنه صدق فيه فتوسل أحدهم بعفته، وآخر بأمانته، وآخر ببره بوالديه ففرج الله عنهم 63.

فهؤلاء الرجال الثلاثة دعوا الله بأصدق أعمالهم وأخلصها لله في أحلك الظروف عندما أغلق عليهم باب الكهف، وكادوا يشرفون على الموت، فأنجاهم الله تبارك وتعالى بصالح أعمالهم.

وكذلك ظهرت النجاة بالصدق في قصة الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، عندما خاض المنافقون في عرضها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه) فنزلت براءتها من فوق سبع سموات، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) } [النور:11] .

ثم خرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله تعالى من القرآن في ذلك 64.

وأعجب من ذلك قصة إبراهيم الخليل عليه السلام حين صدق الله في تنفيذ الرؤيا بذبح ولده فلذة كبده، فإنه لما صدق مع الله، وشرع في تنفيذ الأمر، كان الفرج وكانت العطايا والخيرات من الله تعالى للمخلصين الصادقين، وصور القرآن الكريم هذه الحادثة.

قال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) } [الصافات: 104 - 107] .

حصول البركة في البيع والشراء: إن من فوائد الصدق؛ أنه بركة في الرزق وسبب في نماء المال وكثرة الرزق -بإذن الله- حيث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (البيعان بالخيار، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) 65.

فالبيعان يعني البائع والمشتري، لهما الخيار، ويسمى خيار المجلس في البيع قبل أن يفترقا، فإن صدقا كل منهما صدق الآخر، فإن الله عز وجل يبارك للبائع في المال الذي أخذه، وللمشتري في السلعة التي اشتراها من ماله الحلال الطيب، ولو افترضنا أن كلًا منهما كذب على الآخر، فإنه تمحق بركة بيعهما كما أرشد إليه الحديث بمفهوم المخالفة.

وجاءت السنة النبوية توضح وتأمر بالعمل والسعي والبيع والشراء لتحصيل الأرزاق، وأن الله تعالى يبارك في التجارة إذا كانت قائمة على الصدق وفيما أحل الله سبحانه وتعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمةٍ من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه خيرٌ له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) 66.

ثانيًا: الآثار الأخروية للصدق:

1.الفوز بمرتبة الصديقية التي تلي مرتبة النبوة.

قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء:69] .

2.الصدق ينجي العبد من أهوال يوم القيامة.

فقد أخبر الله تعالى أنه لا ينفع العبد وينجيه من العذاب إلا صدقه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم في يوم القيامة.

قال تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) } [المائدة:119] .

3.الصدق يورث منازل الأبرار والشهداء.

الصدق يورث منازل الشهداء والصالحين ويجعله بعد منزلة النبيين.

قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء:69] .

وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) 67.

4.دخول الجنة.

إن من أعظم ثمار الصدق أنه يهدي إلى البر ثم إلى الجنة، كما جاء في حديث ابن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا) 68.

وجاء عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم) 69.

فيجب علينا نحن معشر المسلمين التحلي بالصدق، فإن الصدق طريق إلى كل خير في الدنيا، وطريق إلى الفوز والفلاح في الآخرة، كما أنه طريق إلى تحقيق الأمن في المجتمع والمحبة داخل الأسرة المسلمة، وطريق إلى تحقيق الاستقرار والنماء الاجتماعي، والأخلاقي والاقتصادي في المجتمع المسلم، وهو طريق إلى السعادة في الدارين.

ولنحذر من آفة الكذب؛ لأن الكذب طريق إلى كل شر وبلاء، وفتنة واقتتال ومرض يضعف الأمة، كما أنه طريق إلى الشقاء والتعاسة في الدارين، ومن عهده الناس بالكذب مرة واحدة سقطت مكانته بينهم، وقلت الثقة بحديثه.

وقبل الختام نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الصادقين، ويحشرنا في زمرة الصديقين، وأن يرزق ألسنتنا قول الصدق في كل حين.

موضوعات ذات صلة:

الإخلاص، التقوى، الزور، الكذب، الوفاء

1 انظر: لسان العرب، 3/ 420 - 421، تاج العروس، الزبيدي، 5/ 26.

2 أدب الدنيا والدين، ص 322.

3 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 404 - 406، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الصاد ص 693 - 696.

4 انظر: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، مكي بن أبي طالب، 2/ 310 - 311.

5 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 168، المصباح المنير، الفيومي 2/ 528.

6 التعريفات ص 74.

7 انظر: مدارج السالكين، ابن القيم 2/ 24.

8 أخرجه أحمد في مسنده، 14/ 512، رقم 8952.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 464، رقم 2349.

9 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، 8/ 25، رقم 6094.

10 جامع البيان، الطبري، 5/ 226 - 227.

11 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 230.

12 المصدر السابق 4/ 234.

13 فتح القدير، الشوكاني، 1/ 172.

14 معالم التنزيل، البغوي، 2/ 123.

15 انظر: محاسن التأويل، القاسمي، 12/ 258.

16 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء، 4/ 2026، رقم 2628.

17 صحيح البخاري، كتاب الدعوات باب فضل ذكر الله سبحانه وتعالى، 8/ 86، رقم 6408.

18 انظر: تفسير تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 664.

19 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 24/ 86.

20 أخرجه أحمد في مسنده، 37/ 417.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 234، رقم 1018.

21 أخرجه الترمذي، كتاب صفة القيامة، الباب باب، 4/ 668.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 637، رقم 3378.

22 انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 1/ 615، السيرة النبوية، ابن كثير، 2/ 396.

23 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في المزاح، رقم 4998، 7/ 348.

وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد، رقم 268.

24 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/ 183.

25 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 522.

26 انظر: تهذيب سيرة ابن هشام، ص 102، فقه السيرة، البوطي، ص 147.

27 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التجارات، باب التوقي في التجارة، 3/ 517، رقم 1210.

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

28 انظر: إحياء علوم الدين، 4/ 387.

29 انظر: جامع البيان، الطبري، 19/ 364، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 7/ 105، التفسير الواضح، 19/ 50.

30 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي ووفاته، 6/ 10، رقم 4437.

31 أخرجه أحمد في مسنده، 24/ 247، رقم 15492.

وصححه الألباني في صحيحه الأدب المفرد، 1/ 243، رقم 699.

32 انظر: معالم التنزيل، البغوي، 4/ 318.

33 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 19/ 156.

34 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة، 3/ 1517، رقم 1909.

35 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع باب ما يمحق الكذب، 3/ 59، رقم 2082.

36 أخرجه أحمد في مسنده، 37/ 417.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 234، رقم 1018.

37 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، 8/ 25، رقم 6094.

38 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 664.

39 مدارج السالكين، 2/ 24.

40 روح المعاني، الألوسي، 4/ 43.

41 المنار، محمد رشيد رضا، 11/ 58.

42 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب إنما الأعمال بالنيات، 3/ 1515، رقم 155.

43 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء، 3/ 1513، رقم 1905.

44 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام، باب ما يكره من ثناء السلطان وإذا خرج قال غير ذلك، 9/ 71، رقم 7179.

45 انظر: فتح الباري، ابن حجر، 10/ 475.

46 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور، 3/ 172، رقم 2654.

47 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، 1/ 16، رقم 33.

48 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة، 2/ 80، رقم 1291.

49 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، 3/ 183، رقم 2692.

50 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في إصلاح ذات البين، 4/ 331، رقم 1939.

وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1286، رقم 7723.

51 المعجم الأوسط، 1/ 275، رقم 897.

52 خلق المسلم، محمد الغزالي، ص 45.

53 انظر: من توجيهات الإسلام، ص 191.

54 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول البي من غشنا فلس منا، 1/ 99، رقم 102.

55 انظر: تفسير محاسن التأويل، 3/ 465.

56 في ظلال القرآن، 1/ 418.

57 انظر: أيسر التفاسير، أبو بكر الجزائري، 4/ 487.

58 انظر: صفوة التفاسير، الصابوني، 1/ 117، 118.

59 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في رفع الحديث من المجلس، 4/ 265، رقم 4860.

وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، رقم 6322.

60 انظر: منهج القرآن في تربية المجتمع، ص 229.

61 سبق تخرجه.

62 أخرجه أحمد في مسنده، 11/ 233، رقم 6652.

وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، 2/ 361، رقم 733.

63 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث الغار، 4/ 174، رقم 3465.

64 انظر: فقه السيرة، البوطي، ص 280 - 281.

65 سبق تخريجه.

66 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المساقاة، باب بيع الحطب والكلأ، 3/ 113، رقم 2373.

67 أخرج مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب طلب الشهادة، 3/ 1517، رقم 1909.

68 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ، 8/ 25، رقم 6094.

69 سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت