والصفة الرابعة من صفاتهم هي قوله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} والتعفف: ترك الشيء والتنزه عن طلبه بقهر النفس والتغلب عليها. يقال: عف عن الشيء يعف إذا كف عنه. والحسبان بمعنى الظن، أي: يظنهم الجاهل بحالهم أو الذي لا فراسة عنده يظنهم أغنياء من أجل تجملهم وتعففهم عن السؤال، أما صاحب الفراسة الصادقة والبصيرة النافذة فإنه يرحمهم ويعطف عليهم؛ لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره.
الصفة الخامسة من صفاتهم فهي قوله تعالى: {تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} ، والسيما والسيماء: العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من الوسم بمعنى العلامة. والمعنى: تعرف فقرهم وحاجتهم بما ترى في هيئتهم من آثار تشهد بقلة ذات يدهم.
قال الرازي: «إن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعًا في قلوب الخلق، وكل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم، وذلك له إدراكات روحانية لا علامات جسمانية» 47.
أما الصفة السادسة من صفاتهم فهي قوله تعالى: {لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} والإلحاف كما يرى الزمخشري هو الإلحاح بأن لا يفارق السائل المسئول إلا بشيء يعطاه 48.
والذي عليه المحققون من العلماء أن النفي منصب على السؤال وعلى الإلحاف، أي: أنهم لا يسألون أصلًا تعففا منهم؛ لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس في سماتهم؛ لأن سؤالهم كان يغنيه عن ذلك 49.
وإنما جاء النفي بهذه الطريقة التي يوهم ظاهرها أن النفي متجه إلى الإلحاف وحده للموازنة بينهم وبين غيرهم، فإن غيرهم إذا كان يسأل الناس إلحافًا فهم لا يسألون مطلقًا لا بإلحاف ولا بدونه، والنفي بهذه الطريقة فيه تعريض بالملحفين وثناء على المتعففين. هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال وتذم الملحفين فيه.
ومن ذلك ما جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولا التمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم: لا يسئلون الناس إلحافًا) 50.
وخلاصة ما سبق أن هؤلاء الفقراء ليسوا من الطفيليين الذين يعيشون عالة على كسب غيرهم، وإنما هم أزهد الناس فيما في أيدي الناس، وقد بذلوا أنفسهم وخرجوا عن ديارهم وأموالهم في سبيل المبدأ والعقيدة، ومن أجل هذا فهم -على فقرهم وحاجتهم- متجملون بالتعفف والقناعة والصبر، حتى ليحسبهم من لا نفاذ لبصره في حقائق الأمور أنهم أغنياء لا حاجة بهم إلى شيء من مال أو متاع، وقد يكون أحدهم طاويًا لأيام لم يذق طعامًا.
ولكن البصير الذي يتفرس في وجوههم فينفذ إلى دخيلة أمرهم يجد منهم ما يخفيه تعففهم وتجملهم من ضر الجوع وأذى المسغبة، ومن هنا كان واجبا على المحسن أن يتحسس حاجة المحتاجين، وأن يتعرف على ذوي الحاجة المتسترين الذين يمنعهم الحياء والتعفف عن أن يسألوا، فهؤلاء هم أحق الناس بالعون والإحسان! 51.
ثالثًا: وعد المتعففين بالتوسعة عليهم:
إذا التزم المسلم بعفته وطهارته فإن له عظيم الأجر ووافر الثواب عند الله.
قال تعالى: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32] .
الضمير في {يَكُونُوا} يعود إلى المذكورين في الآية من {الْأَيَامَى} ، ويشير من طرف خفي إلى العبيد والإماء، أي: إن يكن هؤلاء المذكورون صالحين للزواج وراغبين فيه طلبًا للتعفف ولكن يمنعهم خوف الفقر والحاجة وعدم القدرة على حمل أعباء الزوجية وما تجيء به من ذرية إن يكن هذا صارفًا لهم عن التزوج فليتزوجوا، والله سبحانه وتعالى يعدهم سعة الرزق ودفع الضر الذي يتوقعونه من الزواج ما دامت نيتهم قائمة على طلب مرضاة الله وحفظ الفروج بهذا الزواج 52.
قال الطبري: إن يكن هؤلاء الذين تنكحونهم من أيامى رجالكم ونسائكم وعبيدكم وإمائكم أهل فاقة وفقر فإن الله يغنيهم من فضله، فلا يمنعنكم فقرهم من إنكاحهم 53.
فوعد الله للمتزوج من هؤلاء إن كان فقيرًا أن يغنيه الله، فإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حرًا، وتوسعة المال على مولاه إن كان عبدًا، فلا عذر للولي ولا للمولى أن يرد خطبته في هذه الأحوال. وإغناء الله إياهم توفيق ما يتعاطونه من أسباب الرزق التي اعتادوها مما يرتبط به سعيهم الخاص من مقارنة الأسباب العامة أو الخاصة التي تفيد سعيهم نجاحًا وتجارتهم رباحًا.
والمعنى: أن الله تكفل لهم أن يكفيهم مؤنة ما يزيده التزوج من نفقاتهم. وصفة الله (الواسع) مشتقة من فعل وسع باعتبار أنه وصف مجازي؛ لأن الموصوف بالسعة هو إحسانه.
قال الغزالي في شرح الأسماء الحسنى: مشتق من السعة، والسعة تضاف مرة إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف أخرى إلى الإحسان وبسط النعم وكيف ما قدر وعلى أي شيء نزل، فالواسع المطلق هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إن نظر إلى علمه فلا ساحل لبحر معلوماته، بل تنفد البحار لو كانت مدادًا لكلماته، وإن نظر إلى إحسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته، وكل سعة وإن عظمت فتنتهي إلى طرف، والذي لا ينتهي إلى طرف فهو أحق باسم السعة، والله سبحانه وتعالى هو الواسع المطلق 54.
والذي يؤخذ من استقراء القرآن وصف الواسع المطلق إنما يراد به سعة الفضل والنعمة. وذكر عليم بعد واسع إشارة إلى أنه يعطي فضله على مقتضى ما علمه من الحكمة في مقدار الإعطاء 55.
وهذا وعد كريم من الله سبحانه لا بد أن يتحقق؛ وذلك لأمرين:
أولهما: أنه وعد من الله، والله سبحانه وتعالى لا يخلف وعده.
وثانيهما: أن هذا الوعد يحمل معه أسباب الغنى 56.
وقد نصت السنة النبوية على ذلك الوعد، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثةٌ حقٌ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف) 57.
قال ابن كثير: «فأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث: (تزوجوا فقراء يغنكم الله) فلا أصل له، ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه» 58.
عرض القرآن الكريم إلى نماذج من المتعففين اختاروا طريق العفة وآثروا العفة رغم المشاق التي فيها، ومن تلك النماذج:
أولًا: يوسف عليه السلام:
لقد أوتي يوسف عليه السلام نصف الجمال، فكان بهي الطلعة، جميل الوجه، جذاب الشخصية، حسن القامة والهيئة، ففتنت به امرأة عزيز مصر، وغازلته ولاطفته للوصول إلى غرض معين، ولكن الله عصم نبيه يوسف من الوقوع في الفاحشة، ونجاه من الافتراء وسوء الاتهام، وحماه من تلفيق التهمة، وأبعده عن مظان السوء، والتصقت التهمة بامرأة العزيز، وثبت الخطأ عليها. وهذا ما عبر عنه القرآن المجيد بصورة قاطعة وبرهان حسي عقلي 59.
قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) } [يوسف: 23 - 30] .
أخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف عليه السلام في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه 60، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب أن {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 23] ، وهو غلامها وتحت تدبيرها، والمسكن واحد، فيتيسر إيقاع الأمر المكروه من غير إشعار أحد ولا إحساس بشر، والمراودة: طلب الفعل، والمراد هاهنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها 61.
وأكثر استعمال هذه اللفظة إنما هو في هذا المعنى الذي هو بين الرجال والنساء، ويشبه أن يكون من راد يرود إذا تقدم لاختبار الأرض والمراعي، فكان المراود يختبر أبدًا بأقواله وتلطفه حال المراود من الإجابة أو الامتناع 62.
وزادت المصيبة بأن {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ} وصار المحل خاليًا، وهما آمنان من دخول أحد عليهما، بسبب تغليق الأبواب، وقد دعته إلى نفسها {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إلي، ومع هذا فهو غريب، لا يحتشم مثله ما يحتشمه إذا كان في وطنه وبين معارفه، وهو أسير تحت يدها، وهي سيدته، وفيها من الجمال ما يدعو إلى ما هنالك، وهو شاب عزب، وقد توعدته إن لم يفعل ما تأمره به بالسجن أو العذاب الأليم.
وهنا يرسم يوسف عليه السلام معالم العفة والحياء ويعلن موقفه الرفض للوقوع في الفحشاء، فلم يبال بزينة امرأة العزيز وسفورها، ولم يلتفت إلى منصبها وجمالها، إنما استحضر مراقبة الله واطلاعه، فرد عليها: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] 63.
فقد صبر عن معصية الله مع وجود الداعي القوي فيه، لأنه قد هم فيها هما تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأى من برهان ربه -هو ما معه من العلم والإيمان الموجب لترك كل ما حرم الله- ما أوجب له البعد والانكفاف عن هذه المعصية الكبيرة 64، ومع هذه الدواعي كلها آثر مرضاة الله وخوفه 65، وبعد أن رآها مصرة على غيها وشهوتها ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص ويهرب من الفتنة 66 بعدما أعلن براءته وعفته.
ولشدة حرص امرأة العزيز على الفاحشة تبعت يوسف وأمسكت بقميصه فتمزق، وفي اللحظة نفسها دخل العزيز عليهما في تلك الصورة الغامضة، فرأى أمرًا شق عليه، وقبل أن يسأل أو يستفسر سبقته امرأته بمكر ودهاء، فادعت أن يوسف راودها عن نفسها وطلب منها الفاحشة، وظهرت لزوجها بمظهر العفيفة المظلومة وقالت: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25] .
ولم تقل «من فعل بأهلك سوءا» تبرئة لها، وتبرئة له أيضًا من الفعل، وإنما النزاع في الإرادة والمراودة {إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ، فقال بارًا صادقًا: {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} ، وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه 67، فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما ولم يعلم أيهما.
ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمن الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام، فانبعث شاهد من أهل بيتها يشهد بقرينة من وجدت معه فهو الصادق، فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [يوسف: 26] ؛ لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها المراود لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها فشقت قميصه من هذا الجانب.
{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) } [يوسف: 27] ؛ لأن ذلك يدل على هروبه منها، وأنها هي التي طلبته فشقت قميصه من هذا الجانب 68.
وحينما تفقد العزيز قميص يوسف وجده ممزقًا من خلفه، فأيقن ببراءة يوسف وعفته، وعلم ما دبرته زوجته من المكر والخديعة والقذف، فصوب إصبع الاتهام إليها وقال: {إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ} [يوسف: 28] .
وحتى لا يفتضح الأمر ويهتك بيت العزيز أمر يوسف عليه السلام بالإعراض عن هذه القضية وكتمانها، ثم أمر زوجته بالتوبة والرجوع عن الخطأ 69 {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) } [يوسف: 29] .
شاع ذلك الحديث في مصر حتى تحدث بذلك النساء 70 يلمنها، فجعلن يلمنها ويقلن: {امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا} [يوسف: 30] .
أي: هذا أمر مستقبح، هي امرأة كبيرة القدر، وزوجها كبير القدر، ومع هذا لم تزل تراود فتاها الذي تحت يدها وفي خدمتها عن نفسه! ومع هذا فإن حبه قد بلغ من قلبها مبلغًا عظيمًا 71!
قال الواحدي: قد دخل حبه في شغاف قلبها، وهو موضع الدم الذي يكون داخل القلب {إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} عن طريق الرشد بحبها إياه {فَلَمَّا سَمِعَتْ} امرأة العزيز {بِمَكْرِهِنَّ} مقالتهن، وسميت مكرًا لأنهن قصدن بهذه المقالة أن تريهن يوسف ليقوم لها العذر في حبه إذا رأين جماله، وكن مشتهين ذلك؛ لأن يوسف وصف لهن بالجمال 72.
لم يكن أمامها إلا أن تبحث عن مخرج يخفف من وطأة فضيحتها ويسد منافذ ملامة النسوة لها، فدبرت مكيدة جديدة تضع بها حدًا لانتقادها، لقد كانت تدرك أكثر من غيرها جمال يوسف وتأثيره على أولئك النسوة، ولذلك: {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31] . فقالت: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) } [يوسف: 32] 73.
فلامتهن في لومهن لها، وأخبرتهن أنه مع جماله الظاهر جميل الباطن، فقد استعصم وأبى الخيانة والفاحشة، وأن كمال جماله هذا هو الذي يزيدها شغفًا وحبًا وتعلقًا به، فلا تقوى على تركه! ثم قالت: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] .
وهنا يقف يوسف عليه السلام شاهدا بعفته على إيمانه، وثابتا على حيائه ويقينه، يرسم للتاريخ معالم العفة وآفاقها وطرقها وأسبابها.
فلجأ إلى الله بقلبه خاشعًا متضرعًا: {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) } [يوسف: 33] .
وهذا يدل على أن النسوة جعلن يشرن على يوسف عليه السلام بمطاوعة سيدته، فاعترف لبارئه بضعف الحيلة والخوف من سوء المنقلب، وتضرع يسأله الثبات والفرج، ولو أدى ذلك إلى سجنه وحبسه، فحبس الذات عن الذوات أهون عليه من حبس الفؤاد بالفاحشة عن رب الأرض والسماوات.
وكثر كلام الناس من جديد على ما يدور في خاطر امرأة العزيز نحو يوسف، فما كان من العزيز إلا أن أدخل يوسف السجن ظلمًا وعدوانًا، ليعلم الناس عفاف زوجته وخيانة يوسف كما زعم! كتمانًا للقصة ألا تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها، فكان السجن آية عفته وطهارته!
عاش يوسف عليه السلام في سجنه برعاية الرحمن عابدًا ساجدًا شاكرًا حامدًا، يدعو إلى الله على نور وبصيرة!
{وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) } [يوسف: 36] .
انتهز عليه السلام اعتراف رفيقيه في السجن بإحسانه وصحة دعوته وجميل استقامته وحاجتهما إلى تأويل ما رأياه في المنام، فبادر إلى دعوتهما إلى التوحيد ومعاني الإسلام وسعة علمه الذي علمه الله إياه {قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38) } [يوسف: 37 - 38] .
وبعد أن قدر لهما دعوة التوحيد أول رؤياهما فقال: {أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ} [يوسف: 41] .
وكان عليه السلام قد طلب من السقاء الذي كان معه في السجن أن يذكره عند الملك، ولكن السقاء نسي الطلب وتشاغل عنه، ويشاء الله جل وعلا أن ينصر يوسف العفيف، وأن يعزه ويرفع شأنه، ويذل من اتبع شهوته وهواه، فلقد رأى الملك فيما يرى النائم رؤيا قضت منامه وبعثت فيه من القلق والفزع ما دفعه إلى إحضار العلماء والكهنة والعرافين يستفتيهم في شأنها!
فعرض عليهم رؤياه فقالوا: {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) } [يوسف: 44] .
وفي تلك اللحظة تذكر السقاء شأن يوسف وسعة علمه في التأويل وما عايشه من صدق تأويله، وتذكر طلب ذكره عند الملك، فذكره بما يعلمه عنه من الخير والإحسان والصدق والعلم، فأرسل الملك ساقيه إلى السجن ليستفتي في شأن الرؤيا يوسف عليه السلام، فذهب السقاء على الفور.
فشرع يوسف عليه السلام في تأويلها على الفور {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) } [يوسف: 47 - 49] .
رجع السقاء إلى ديوان الملك وأخبره بما تلقاه من يوسف عليه السلام من التأويل، فلما سمع الملك كلامه عجب لذلك عجبًا عظيمًا، وانتابه ذهول من علمه عليه السلام، فبعث إليه بالمجيء إلى قصره، لكن وزيره رجع يخبره خبرًا غريبًا: فقد أبى عليه السلام الخروج من السجن إلا إذا نظر الملك في مسألة النسوة اللاتي قطعن أيديهن وما حدث مع امرأة العزيز، ولماذا أدخله إلى السجن العزيز؟ فقال للوزير: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] .
وهنا تجلت آثار العفة والطهارة، ويفتضح أمر اتباع الشهوة والهوى، فقد استدعى الملك امرأة العزيز ومعها النسوة، وحقق في الأمر معهن، ويوسف عليه السلام لا يزال في سجنه، فاعترفت امرأة العزيز على نفسها أمام الملأ، وشهدت ليوسف عليه السلام بالصدق والطهارة والاستقامة، قالت: {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 51] .
فقال الملك: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54] .