فهرس الكتاب

الصفحة 983 من 2431

قال السعدي رحمه الله: «وهذه الأنعام التي امتن الله بها على عباده، وجعلها كلها حلالًا طيبًا، فصلها بأنها: ثمانية أزواج ذكر وأنثى، اثنين من الضأن، واثنين من المعز كذلك، فهذه أربعة، كلها داخلة فيما أحل الله، لا فرق بين شيء منها، فقل لهؤلاء المتكلفين، الذين يحرمون منها شيئًا دون شيء، أو يحرمون بعضها على الإناث دون الذكور، ملزمًا لهم بعدم وجود الفرق بين ما أباحوا منها وحرموا، ومن المعلوم أنهم لا يمكنهم أن يقولوا قولًا سائغًا في العقل، إلا واحدًا من هذه الأمور الثلاثة، وهم لا يقولون بشيء منها، إنما يقولون: إن بعض الأنعام التي يصطلحون عليها اصطلاحات من عند أنفسهم، حرام على الإناث دون الذكور، أو محرمة في وقت من الأوقات، أو نحو ذلك من الأقوال، التي يعلم علمًا لا شك فيه أن مصدرها من الجهل المركب، والعقول المختلة المنحرفة، والآراء الفاسدة، وأن الله، ما أنزل -بما قالوه- من سلطان، ولا لهم عليه حجة ولا برهان، ثم ذكر في الإبل والبقر مثل ذلك، فلما بين بطلان قولهم وفساده، قال لهم قولًا لا حيلة لهم في الخروج من تبعته، إلا في اتباع شرع الله» 65.

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [الأنعام: 144] .

قال المراغي رحمه الله: «ومن البقر والغنم دون غيرهما مما أحل لهم من حيوان البر والبحر حرمنا عليهم شحومهما الزائدة التي تنتزع بسهولة لعدم اختلاطها بلحم ولا عظم، ولم نحرم عليهم ما حملت الظهور، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، والسبب في تخصيص البقر والغنم بهذا الحكم أن القرابين عندهم لا تكون إلا منهما» 66.

وذكرت لفظة بقرة أربع مرات، وكلها في سورة البقرة، ثلاثة مواضع منها جاءت متتالية في قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ? ? * ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? * ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 67 - 69] .

وموضع منها في قوله تعالى: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [البقرة: 71] .

والمواضع الأربعة وردت في قصة ذبح البقرة التي جاءت بعد ذكر بعض جرائم اليهود، من نقض الميثاق، والاعتداء في السبت، والتمرد في تطبيق التوراة، فهي استمرار في تعداد مساوئهم، وهي مخالفتهم الأنبياء، ومعاندة الرسل عليهم السّلام، والتلكؤ في امتثال أوامر اللّه تعالى 67.

والمعنى: واذكروا وقت قول موسى لقومه الذين هم أسلافكم: إن اللّه يأمركم أن تذبحوا بقرة -أي: بقرة كانت- فلم يسرعوا إلى الامتثال، ولكن شدّدوا فشدد اللّه عليهم، وقالوا: أتهزأ بنا يا موسى؟ قال: معاذ اللّه أن أكون من الذين يهزئون في موضع الجد.

فلما رأوه جادًّا قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما سنها؟ فقال لهم: إنها بقرة ليست صغيرة ولا كبيرة، بل وسط بين هذا وذاك، فافعلوا ما تؤمرون به، ولا تشددوا فيشدد اللّه عليكم.

ولكنهم قالوا: ادع لنا ما لونها؟ فأخبرهم أنها صفراء شديدة الصفرة تجلب السرور لمن يشاهدها.

فلم يكتفوا بذلك، بل طالبوا بأوصاف تميزها أكثر، ولكنهم أحسوا بأنهم تشددوا وجاوزوا الحد المعقول، فقالوا معتذرين: إن البقر كثير متشابه علينا، وهذه الأوصاف السابقة تنطبق على كثير، وإنا إن شاء اللّه لمهتدون إلى المطلوب.

فأجابهم اللّه أن البقرة المطلوبة لم يسبق لها عمل في حرث الأرض ولا سقيها، سليمة من العيوب ليس فيها لون مخالف، قالوا: الآن جئت بالبيان الواضح فطلبوها فلم يجدوها إلا عند يتيم صغير بارّ بأمه، فساوموه، فاشتط حتى اشتروها بملء جلدها ذهبًا، وما كان امتثالهم قريب الحصول.

واذكروا إذ قتلتم -والخطاب لليهود المعاصرين؛ لأنهم أبناء السابقين، ومعتزون بنسبهم وراضون عن فعلهم- واذكروا وقت قتل آبائكم نفسًا حرم اللّه قتلها، ثم تخاصموا، وتجادلوا، وأنكروا على اللّه فعلهم، كما ينكرون اليوم ما عندهم من أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، واللّه مظهر ما تكتمونه 68.

وأما لفظة بقرات بالجمع وردت مرتين في قصة يوسف في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 43] .

وفي قوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [يوسف: 43] .

والمعنى أن الملك قال ليوسف الصديق: أفتنا في هذه الرؤيا، لعلي أرجع إلى أهل مصر فيعلمون تأويل الرؤيا، وقيل: لعلهم يعلمون منزلتك في العلم، فقال يوسف: أمّا البقرات السمان والسنبلات الخضر: فسبع سنين مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات: فالسنون المجدبة 69.

ولفظة عجل ذكرت في القرآن الكريم عشر مرات، منها ستة مواضع بلفظة (العجل) في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ) [البقرة: 51] .

وفي قوله: (ک ک ک ک گ گ گ گ ? ?) [البقرة: 54] .

وقوله: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?¨ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 92 - 93] .

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 153] .

وقوله: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ?) [الأعراف: 152] .

ومعنى الآيات السابقة: أن اليهود كفروا بالنعم التي أنعم اللّه بها عليهم، والتي كانت في أرض الميعاد، وكفروا أيضًا بالآيات الواضحات، والدلائل القاطعات التي جاء بها موسى، والتي تدل على أنه رسول اللّه، وأنه لا إله إلا اللّه، والآيات البينات: هي التي حدثت قبل الميعاد الذي نزلت فيه التوراة، وهي تسع، كما قال تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے) [الإسراء: 101] .

وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفرق البحر، والسّنون.

ولم تزدهم تلك الآيات إلا توغلًا في الشرك والوثنية، ولم يشكروا نعم اللّه عليهم، وقابلوها باتخاذ العجل إلهًا يعبدونه من دون اللّه، والعجل: هو الذي صنعه لهم السامري من حليّهم، وجعلوه إلهًا وعبدوه. وهذا دليل على قسوة قلوبهم، وفساد عقولهم، فلا أمل في هدايتهم، وهو ظلم، ووضع للشيء في غير موضعه اللائق به، وأي ظلم أعظم من الإشراك باللّه؟

واذكر يا محمد وقت أن أخذ عليهم الميثاق بأن يعملوا بما في التوراة ويأخذوا بما فيها بقوة، فخالفوا الميثاق وأعرضوا عنه، حتى رفع الطور عليهم إرهابًا لهم، فقبلوه، ثم خالفوه وكأنهم قالوا: سمعنا وعصينا، ثم أوغلوا في المخالفة، ووقعوا في الشرك، واتخذوا العجل إلهًا، وخالط حبه قلوبهم، وتمكن الحب الشديد لعبادة العجل في نفوسهم، بسبب ما كانوا عليه من الوثنية في مصر، قل يا محمد لليهود الحاضرين، بعد أن علموا أحوال رؤسائهم السالفين: إن كان إيمانكم بالتوراة يدعوكم إلى هذا، فبئس هذا الإيمان الذي يوجه إلى هذه الأعمال التي تفعلونها، مثل عبادة العجل، وقتل الأنبياء، ونقض الميثاق 70.

إنّ الذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل إلهًا ومعبودًا بعد غيبة رسولهم موسى عليه السّلام، وبقوا على تأليهه، واستمروا على عبادته كالسامري وأتباعه، سيصيبهم عذاب شديد من ربهم، وأن اللّه تعالى لن يقبل توبتهم حتى يقتتلوا، ويقتل بعضهم بعضًا: وسينالهم أيضًا ذلة وصغار في الحياة الدنيا، بخروجهم من ديارهم وتشردهم، وهوانهم على الناس واحتقارهم لهم، وتهالكهم على حب الدنيا، فهم الماديون المنبوذون المكروهون في كل أمة 71.

ومنها: موضعان بلفظة (عجلًا) في قوله تعالى: (ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ) [الأعراف: 148] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? پ) [طه: 88] .

والمعنى: أن بني إسرائيل بعد خروج موسى إلى جبل الطور لمناجاة ربه على حسب الموعد الذي وعده اللّه به اتخذوا من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم عجلًا، أي: تمثالًا بصورة العجل وصوته، ثم عبدوه، وكان بقاء حلي القبط في أيدي بني إسرائيل بعد أن أغرق اللّه القبط، وأهلك قوم فرعون.

وقد جمع السامري تلك الحلي، وكان رجلًا مطاعًا فيهم، وصاغ لهم عجلًا، واتخذوه إلهًا لهم، ثم عبدوه، وإنما نسب إليهم جميعًا؛ لأنه عمل برأي جمهورهم، ولم ينكر عليه أحد، فصاروا مجمعين عليه، مريدين لاتخاذه، راضين به، وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلهًا يعبدونه، كما لغيرهم من المصريين والشعوب التي مروا بها في فلسطين آلهة 72.

ومنها: موضعان بلفظة (بعجل) ، قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 69] .

وقوله: (? ? ? ? ? ?) [الذاريات: 26] .

ذكر تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أن إبراهيم عليه السلام لما سلم على رسل الملائكة، وكان يظنهم ضيوفًا من الآدميين، أسرع إليهم بالإتيان بالقرى، وهو لحم عجل حنيذ، أي: منضج بالنار، وأنهم لما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة، فقالوا: لا تخف وأخبروه بخبرهم، وبينت أنه راغ إلى أهله، أي: مال إليهم، فجاء بذلك العجل، وبين أنه سمين، وأنه قربه إليهم، وعرض عليهم الأكل برفق فقال لهم: (? ?) ، وأنه أوجس منهم خيفة 73.

ويؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء من آداب الضيافة 74:

3.الغنم والمعز.

أما الغنم فورد ذكرها في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:

الأول: قوله تعالى: {وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} [الأنعام: 146] .

والثاني: قوله تعالى: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18] .

والمعنى: لما سئل موسى عما في يمينه قال: إنها عصاي أعتمد عليها إذا أعييت، أو وقفت على رأس القطيع، وأخبط الورق بها على رؤوس غنمي، ولي فيها حاجات أخر مثل: أنه كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته، وعرض الزندين على شعبيتها، وألقى عليها الكساء، واستظل به، وإذا قصر الرشاء 75 وصله بها، وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها، وكأنه عليه السلام فهم أن المقصود من السؤال أن يذكر حقيقتها ما يرى من منافعها حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة ووجد منها خصائص أخرى خارقة للعادة، مثل: أن تشتعل شعبتاه بالليل كالشمع، وتصيران دلوًا عند الاستقاء، وتطول بطول البئر، وتحارب عنه إذا ظهر عدو، وينبع الماء بركزها، وينضب بنزعها، وتورق وتثمر إذا اشتهى ثمرة فركزها على أن ذلك آيات باهرة، ومعجزات قاهرة أحدثها الله تصديقًا له في دعواه، وليست من خواصها، فذكر حقيقتها ومنافعها مفصلًا ومجملًا على معنى أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه 76.

والثالث: قوله: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} [الأنبياء: 78] .

أي: واذكر هذين النبيين الكريمين داود وسليمان مثنيًا مبجلًا إذ آتاهما الله العلم الواسع، والحكم بين العباد، فإذ تحاكم إليهما صاحب حرث، نفشت فيه غنم القوم الآخرين، أي: رعت ليلًا فأكلت ما في أشجاره، ورعت زرعه، فقضى فيه داود عليه السلام، بأن الغنم تكون لصاحب الحرث، نظرًا إلى تفريط أصحابها، فعاقبهم بهذه العقوبة، وحكم فيها سليمان بحكم موافق للصواب، بأن أصحاب الغنم يدفعون غنمهم إلى صاحب الحرث فينتفع بدرها، وصوفها، ويقومون على بستان صاحب الحرث، حتى يعود إلى حاله الأولى، فإذا عاد إلى حاله، ترادا ورجع كل منهما بما له، وكان هذا من كمال فهمه وفطنته عليه السلام 77.

وجاء ذكر نعجة ثلاث مرات، ونعاج مرة واحدة، وكلها في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 23 - 24] .

في الواقع تتلخص الحادثة: أن داوود كان ملكًا له سلطان، وله أتباع وخدم، وله مصالح مادية مع الناس، وهذا كله يوجد له أعداء، واتفق أن جماعة من الأعداء طمعوا في أن ينالوا من نبي اللّه داوود عليه السلام، وكان له يوم يخلو فيه للعبادة، وانتهزوا الفرصة، وتسوروا عليه المحراب، فلما دخلوا عليه ووجدوا عنده ما يمنعهم من ذلك، اختلقوا كذبًا وزورًا سببًا لدخولهم فقالوا: نحن خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق، ولا تجر، واهدنا إلى سواء السبيل، ويجوز أن يكونا متخاصمين حقيقة، ولما دخلوا على داوود بلا إذن، وتوجس منهم خيفة، وظن بهم الظنون، وهم بذلك أن يصيبهم بسوء كانت هذه الواقعة فتنة، وابتلاء لداود، ثم إنه استغفر ربه مما هم به من الانتقام، وتاب عما دار بخلده من ظن، وخر راكعًا، فتاب اللّه عليه وغفر له، وأما قصتهما كما أخبر فهي: إن هذا أخي في الدين، والصحبة له تسع وتسعون نعجة -هي الواحدة من الغنم أو بقر الوحش- ولي نعجة واحدة، فقال صاحب الغنم الكثيرة: أعطنى نعجتك أكفلها لك، وأضمها لغنمي، وغلبه في المخاصمة، والمجادلة، فقال داوود متسرعًا قبل أن يسمع جواب الخصم الثاني: إنه ظلمك بضم نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرًا من الشركاء ليبغي بعضهم على بعض حبًّا في الدنيا، وشحًّا في النفوس، وأما الذين آمنوا، وعملوا الصالحات فلا يبغى بعضهم على بعض، وقليل ما هم، وظن داود أنه فتن بهذه الحادثة فاستغفر ربه مما ألم به وتاب، وخر راكعًا وصلى للّه قائمًا وساجدًا وأناب، فغفر له ربه ذنبه، وإن لداوود عند ربه لقربى، ومنزلة كريمة، وحسن مآب، أليس وصف داوود بعد القصة بأن له زلفى، وحسن مآب يدل على أنه عبد صالح أواب يستحيل عليه الإلمام بمعصية تغضب اللّه، كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأنبياء معصومون من الخطأ 78.

وأما المعز فقد ورد ذكره في قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143] .

والمتأمل في الأنعام التي سبق ذكرها من الإبل، والبقر، والغنم، والمعز يجد أن الله عزّ وجلّ خلقها لمنافع العباد، فسبحان الله الذي سخرها للإنسان، يأكل من لحومها، ويفترش من أوبارها، ويلبس من أصوافها، ويشرب من ألبانها، ومع أن هذه الأنعام نسلها قليل إلا أن الله سبحانه جعل فيها البركة، فهي مع قلتها، وكثرة من يأكلها من البشر، والسباع إلا أنها أكثر الحيوانات كثرة، ونماءً، ومنافع، وبركة، ويكون من أنواعها القطيع، وهذا مما يدل على قدرة الله تعالى.

ثانيًا: الحيوانات المركوبة:

إنّ من نعم الله على الإنسان تسخير الحيوانات، وذكرت منها في المطلب السابق الحيوانات المأكولة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، وفي هذا المطلب سأعرض إلى الحيوانات المركوبة، وهي:

1.الخيل.

ورد ذكر لفظة (الخيل) في القرآن الكريم خمسة مواضع:

الأول: قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] .

في هذه الآية أمر اللّه المؤمنين بالاستعداد للحرب التي لا بد منها لدفع العدوان، وحفظ الأنفس، والحق، والفضيلة، ويكون ذلك بأمرين:

الأول: إعداد المستطاع من القوة، ويختلف هذا باختلاف الزمان، والمكان، فالواجب على المسلمين في هذا العصر ربط الخيل، وصنع المعدات الحربية البرية والبحرية، ويجب عليهم تعلم الفنون، وقد استعمل الصحابة المنجنيق مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، وغيرها.

والأمر الثاني: مرابطة الفرسان في ثغور البلاد وحدودها، إذ هي مداخل الأعداء، ومواضع مهاجمتهم للبلاد.

والحكمة في هذا أن يكون للأمة جند دائم مستعد للدفاع عنها إذا فاجأها العدو على غرّة، وقوام ذلك الفرسان لسرعة حركتهم، وقدرتهم على القتال، وإيصال الأخبار من الثغور إلى العواصم، وسائر الأرجاء، ومن أجل هذا عظم الشارع أمر الخيل، وأمر بإكرامها، ولا يزال للفرسان نصيب كبير في الحرب في هذا العصر الذي ارتقت فيه الفنون العسكرية في الدول الحربية 79.

الثاني: في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] .

ومعنى الخيل المسومة: فالخيل جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم، والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلًا لخيلائها في مشيها، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالًا، وسمي الخيال خيالًا، والتخيل تخيلًا، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة، واختلفوا في معنى: (المسوّمة) على ثلاثة أقوال، الأول: أنها الراعية، والقول الثاني: المسومة: المعلمة، والقول الثالث: وهو قول مجاهد وعكرمة: إنها الخيل المطهمة الحسان، قال القفال: المطهمة: المرأة الجميلة 80.

الثالث: قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .

قال ابن كثر في تفسير هذه الآية: «هذا صنف آخر ممّا خلق تبارك وتعالى لعباده يمتنّ به عليهم، وهو، الخيل، والبغال، والحمير الّتي جعلها للرّكوب، والزّينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها» 81.

والمتأمل في الآية السابقة يجد أن سبحانه وتعالى ذكر الخيل قبل البغال والحمير؛ لأن المنافع فيها أكثر.

الرابع: قوله تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر: 6] .

وهذه الآية وردت فيما ردّه اللّه تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، وصيّره إليه من أموال يهود بني النضير، فهو للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لم يحصل فيه قتال، ولا حرب، ولا تجشم مشقة، ولم يركبوا لتحصيله خيلًا، ولا إبلًا، وإنما كانت من المدينة على ميلين، وافتتحت ديارهم صلحًا، وأخذت أموالهم بعد جلائهم عنها، ولذا لم تقسم بين الغانمين، وإنما جعل اللّه أموال بني النضير لرسوله صلى الله عليه وسلم خاصة لهذا السبب، يصرفه على مصالحه كيف يشاء 82.

الخامس: قوله تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء: 64] .

قيل: إن معنى الخيل في هذه الآية ليس على الحقيقة، وإنما على سبيل المجاز، والمعنى: اسع سعيك، وابلغ جهدك.

وقيل: على الحقيقة، وأن له خيلًا ورجلًا من الجن، وقيل: المراد فرسان الناس، ورجالتهم المتصرفون في الباطل، فإنهم كلهم أعوان لإبليس على غيرهم 83.

2.البغال.

وهي من الحيوانات المركوبة، وذكرت لفظة البغال مرة واحدة في القرآن الكريم في الآية السابقة من سورة النحل، وسبق الكلام عن تفسيرها.

3.الحمير.

جاء ذكر لفظة الحمار في القرآن الكريم خمسة مواضع: ثلاثة منها بلفظ الجمع.

الأول: في قوله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .

والثاني: في قوله: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19] .

والآية فيها دلالة على أن صوت الحمار من أبشع الأصوات، وأفظعها، فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار، الذي قد علمت خسته وبلادته 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت