أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (س ر ر) تدل على إخفاء الشيء. وما كان من خالصه ومستقره 1.
السرُّ: مَا أَسْرَرْت. والسَّريرةُ: عمل السِّرّ من خَيْر أَو شَرّ 2.
والإسرار خلاف الإعلان، وهو: اسم لما يكتمه الإنسان ويخفيه 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف الراغب الأصفهاني السّر بقوله هو: «الحديث المكتّم في النفس» 4، وهو خلاف الإعلان، ويستعمل في الأعيان والمعاني 5.
ففي الأعيان جاء قوله تعالى: {قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [يوسف: 19] .
وفي المعاني كقوله تعالى: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77] .
ويمكن تعريف السر بأنه: اسم لما يكتم ويخفى من الأعيان والمعاني من العقائد والنيات والأقوال والأعمال وغيرها 6.
وردت مادة (سرر) في القرآن الكريم (44) مرة، يخص موضوعنا منها (32) مرة 7.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 10 ... {فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) } [المائدة:52]
الفعل المضارع ... 7 ... {وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [التغابن:4]
فعل الأمر ... 1 ... {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) } [الملك:13]
المصدر ... 2 ... {ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) } [نوح:9]
الاسم ... 12 ... {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) } [طه:7]
وجاء السرّ في القرآن على وجهين 8:
الأول: النكاح: ومنه قوله تعالى: {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة:235] أي: نكاحًا.
الثّاني: ضد العلانية: ومنه قوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه:7] .
النجوى:
النجوى لغة هي:
إسرار الحديث إلى الغير، وما يتفرد به الجماعة والاثنان سرًّا كان أو ظاهرًا، وتطلق على القوم المتناجين، ويستوي فيه المفرد، والجمع 9.
النجوى اصطلاحًا هي:
المسارة بالحديث في خفاء، ولا يخرج معناها في اصطلاح القرآن الكريم عن معانيها في اللغة 10.
الصلة بين النجوى والسر:
النجوى تكون في الحديث وإخفاؤه عن الناس، والسر يشمل الكلام وغيره 11.
الإخفاء:
الإخفاء لغة:
الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته وكتمته، ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها، وهو من الأضداد 12.
والإخفاء اصطلاحًا هو:
لا يختلف عن معناه اللغوي، الذي يدل على الستر وتغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها 13.
الصلة بين الإخفاء والسر:
السر هو: اسم لما يكتمه الإنسان ويخفيه على جهة العزيمة، وأما الإخفاء فهو: السر الذي لم يبلغ حد العزيمة 14.
الكتمان:
الكتمان لغة:
الإخفاء والستر 15، يقال: كتمت الحديث كتمًا وكتمانًا، أي: سترته، قال الله تعالى: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42] 16.
الكتمان اصطلاحًا هو:
لا يختلف عن معناه اللغوي الدال على إخفاء الشيء حتى لا يرى ولا يعلم 17.
الصلة بين الكتمان والسر:
فرّق أبو هلال العسكري بين السر والكتمان بقوله: إن السر أعم من الكتمان؛ لأن الكتمان يختص بالمعاني غالبًا، كالإسرار والإخبار؛ ولأن الكتمان لا يستعمل إلا فيهما في الغالب 18، لقوله تعالى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} [البقرة: 228] .
فقد نهى الله تعالى النساء عن كتمان ما في الأرحام، والسر يختص بالأعيان غالبًا؛ لأن الأصل في السر تغطية الشيء بغطاء، ثم استعمل في غيرها تجوزًا 19.
يستوي في علم الله تعالى السر والعلانية، والصغير والكبير، والغيب والشهادة، قال تعالى: {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 8 - 10] .
وهذه الآية أبلغ آية في استواء علم الله بالسر والجهر، سواء من أسر القول ومن جهر به، و من هو مستخف بالليل، أي: من هو مستتر بالليل، والليل أستر من النهار، ومن هو سارب بالنهار، أي: من هو ظاهر بالنهار في طريقه، متصرف في حوائجه 20.
وتعد صفة العلم إحدى الصفات الذاتية لله جل ذكره؛ لأن الله هو العليم الذي أحاط علمه بالعالم العلوي، والسفلي، ولا يخلو عن علمه مكان، ولا زمان ويعلم الغيب، والشهادة، والظواهر، والبواطن، والجلي، والخفي، قال الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231] .
والنصوص في ذكر إحاطة علم الله، وتفصيل دقائق معلوماته كثيرة جدًا، لا يمكن حصرها، وإحصاؤها، وأنه سبحانه لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، وأنه لا يغفل، ولا ينسى، وأن عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، قال الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] .
وقد جعل الله تعالى العلم بالسر دليلًا على أولهيته سبحانه، كما في قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] .
قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهة التي لا تنبغي لغيره، المستحق عليكم إخلاص الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي يعدل به كفاركم من سواه، هو الله الذي هو في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم، فلا يخفى عليه شيء، والذي يستحق عليكم الحمد، ويجب عليكم إخلاص العبادة له، هو هذا الذي صفته، لا من لا يقدر لكم على ضر ولا نفع، ولا يعمل شيئًا، ولا يدفع عن نفسه سوءًا أريد به» 21.
كما قد جعل الله تعالى العلم بالسر دليلًا على أن القرآن من عنده سبحانه وتعالى: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 6] .
ولما كان السر يغلب على الأعمال المذمومة، فقد بيَّن الله تعالى أنه يعلم السر والجهر للمؤمنين والكافرين والمنافقين وجميع المخلوقين، وأنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، كما في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [التغابن: 4] .
وقوله تعالى: {أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 77] 22.
كما أن الله تعالى يعلم إسرار من يسر بمودة الكفار: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] 23.
وذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 25، 26] 24.
كما أن الله يعلم السر مهما تخفى به صاحبه واستخدم من وسائل التخفي والكتمان في ذلك، كما في قوله: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5] 25، بل قد بيَّن تعالى أنه يعلم ما هو أخفى من السر: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 7 - 8] .
والسر في هذه الآية فيه ستة تأويلات:
أحدها: أن (السر) ما حدَّث به العبد غيره في السر، (وأخفى) من السر، مما أضمره في نفسه، ولم يحدِّث به غيره، قاله ابن عباس.
الثاني: أن السر ما أضمره العبد في نفسه، وأخفى منه مالم يكن ولا أضمره أحد في نفسه، قاله قتادة وسعيد بن جبير.
الثالث: يعلم أسرار عباده، وأخفى سر نفسه عن خلقه، قاله ابن زيد.
الرابع: أن السر ما أسره الناس، وأخفى: الوسوسة، قاله مجاهد.
الخامس: أن السر ما أسره من علمه وعمله السالف، وأخفى: وما يعلمه من عمله المستأنف، وهذا معنى قول الكلبي.
السادس: السر: العزيمة، وما هو أخفى هو: الهم الذي دون العزيمة.
والصحيح من هذه المعاني هو القول الأول، أي: أنه تعالى يعلم السر، وأخفى من السر، في الأحوال التي يجهر فيها القائل بالقول لإسماع مخاطبه، أي: فهو لا يحتاج إلى الجهر؛ لأنه يعلم السر وأخفى، وهذا أسلوب متبع عند البلغاء شائع في كلامهم بأساليب كثيرة 26.
وقد رجح الإمام ابن جرير الطبري هذا القول بقوله: «والصواب من القول في ذلك، قول من قال: معناه: يعلم السر وأخفى من السر؛ لأن ذلك هو الظاهر من الكلام.
والصواب من القول في معنى أخفى من السر أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد، ولم يعلموه مما هو كائن ولم يكن؛ لأن ما ظهر وكان فغير سر، وأن ما لم يكن وهو غير كائن فلا شيء، وأن ما لم يكن وهو كائن فهو أخفى من السر؛ لأن ذلك لا يعلمه إلا الله، ثم من أعلمه ذلك من عباده» 27.
ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [التوبة: 78] ؛ لأن السر: ما حدَّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى: ما تكلموا به فيما بينهم 28.
وفي الآية تهديد ووعيد للمنافقين الذي يسرون الكفر ويعلنون الإيمان مع علمهم بأنه تعالى يعلم ذلك من حالهم، كما يعلم الظاهر، وأنه يعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر؛ لأن الله علام الغيوب، والذي تقتضي ذاته تعالى العلم بجميع الأشياء، فكيف يمكن إخفاء السر والنجوى منه 29.
ثم أمر الله تعالى المشركين بأن يسروا القول أو يجهروا، وأن ذلك عنده سواء؛ لأن الله عليم بذات الصدور، وأنه يعلم تفاصيل خلقه، قال تعالى: {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 13 - 14] 30.
ثم قال تعالى مخبرًا عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7] .
أي: مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم ورسله أيضًا، مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه لهم، كما قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [التوبة: 78] .
وقال سبحانه: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80] .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره الآية: «ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه أيضًا مع علمه بهم محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة؛ لأن الله بكل شيء عليم» 31.
وقد أخبر الله تعالى أنه يعلم السر والنجوى، وأن هناك من رسله من يكتب ذلك؛ ليعلموا أن علم الله بما يسرون علم يترتب عليه أثر فيهم، وهو مؤاخذتهم بما يسرون؛ لأن كتابة الأعمال تؤذن بأنها ستحسب لهم يوم الجزاء، والرسل: هم الحفظة من الملائكة؛ لأنهم مرسلون لتقصي أعمال الناس، ولذلك قال: {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} ، كقوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] أي: رقيب 32.
كما هدد الله وتوعد من ينكر علمه بالسر والعلن، كما في قوله تعالى: {لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23] .
وقوله: {فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [يس: 76] .
ولا جرم معناه: حق وواجب، ولا بد ولا محالة، أي: حقًّا أن الله يعلم سرهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو وعيد.
{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} يجوز أن يريد المستكبرين عن التوحيد يعني: المشركين، ويجوز أن يعم كل مستكبر، ويدخل هؤلاء تحت عمومه 33.
وقد وردت آيات تبين أن الله تعالى يستوي عنده السر والعلن بألفاظ أخرى بمعنى السر:
أولًا: بلفظ الكتمان، كما في قوله تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] .
وقوله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 72] .
{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [المائدة: 99] .
وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء: 110] .
وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [النور: 29] .
وغيرها من الآيات.
ثانيًا: بلفظ الإخفاء: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] .
وقوله تعالى: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} [الممتحنة: 1] .
وكذلك قوله تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 10] 34.
فالله سبحانه في كبريائه، وفي علوه، محيط بكل صغيرة وكبيرة في الوجود .. يتساوى لديه في ذلك بعيد الأمور وقريبها، خفيها وظاهرها، إذ لا قرب ولا بعد عند من احتوى الوجود كله، ولا خفاء ولا ظهور لدى من ملك الأمر جميعه؛ لأنه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] 35.
ثالثًا: بلفظ الإكنان: ففي التنزيل العزيز: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} [البقرة: 235] أي: أخفيتم.
ويترتب على أن الله بكل شيء عليم، وأنه يستوي في علمه السر والجهر: أن تظهر صفة المراقبة لله تعالى لدى العبد في السر والعلن، وذلك أن العبد إذا استشعر عظمة علم الله وسعته، وشموله لكل ما خلق الله سبحانه، وأنه يعلم السر والجهر، فإنه يعيش دائمًا يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويعمل على إصلاح سريرته وعلانيته في كل وقت وحين، كما يدفعه ذلك لأن يجتنب الكبائر والصغائر ويتقي الله في خلوته ووحدته، كما يفعل ذلك في حضرته وشهوده 36.
للإسرار المحمود ميادين نبينها فيما يأتي:
أولًا: الإسرار بالدعوة:
تعتبر الدعوة السرية أحد أطوار الدعوة الإسلامية ومبتدأها، في كل وقت وحين، وهي سنة المرسلين والأنبياء جميعًا، وكذلك الدعاة المصلحين، وقد جسد ذلك نبي الله نوح عليه السلام عندما قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 5 - 10] .
فقد ذكر أولًا أنه دعاهم بالليل والنهار، ثم ذكر أنه دعاهم جهارًا، ثم دعاهم في السر والعلن، أفرادًا وجماعات، والحاصل: أنه دعاهم ليلًا ونهارًا في السر، ثم دعاهم جهارًا 37.
قال الإمام ابن عطية: «الجهار دعاؤهم في المحافل ومواضع اجتماعهم، والإسرار دعاء كل واحد على حدته، فقد اتبع نوح صلى الله عليه وسلم كل الأساليب فجهر بالدعوة تارة، ثم زاوج بين الإعلان والإسرار تارة أخرى» 38.
ويتضح من خلال الآيات أن نوحًا عليه السلام لم يترك سبيلًا للدعوة إلا فعلها، فاستعمل طرقًا ثلاثة:
1.بدأهم بالمناصحة في السر، فعاملوه بما ذكر في الآية من سد الآذان، والاستغشاء بالثياب، والإصرار على الكفر، والاستعظام عن سماع الدعوة.
2.جاهرهم بالدعوة، وأعلنهم بها على وجه ظاهر لا خفاء فيه.
3.جمع بين الإعلان والإسرار بحسب الأحوال والظروف 39.
وما من نبي من الأنبياء إلا وجمع في دعوته بين السرية والجهرية، ومنهم سيد الخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقد بدأ دعوته بالسرية: فقد اتخذ صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم لتكون مقرًّا للدعوة السرية للدين الجديد، وقد استمرت هذه الدعوة ثلاث سنوات، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيًا هو والمسلمون في دار الأرقم حتى نزل قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] .
فجهر النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالدعوة وبلغوها لجميع الناس 40.