فهرس الكتاب

الصفحة 2252 من 2431

النهار

أولًا: المعنى اللغوي

النهار مفرد، وجمعها أنهر ونُهْرٌ، ونهر والنهر هو الأخدود الواسع، وما يجري في الأخدود، ونهر أي زجر من الماء، وأنهر الدم: أي جعل الدم يجري جريان الماء في النهر، ومن المعاني أيضًا الضياء، والسعة في الرزق والمقام والمكان، والمقصود بالنهار الضياء الواسع ممتد ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والنهار ضد الليل، يقال: طرفي النهار: أي: أوله وآخره 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي

ذكر العلماء عدة تعريفات اصطلاحية لا تخرج في مضامينها عن التعريفات اللغوية لكلمة النهار، ومن هذه التعريفات ما يأتي:

قال الألوسي: النهار هو «ما بين طلوع الفجر الى غروب الشمس» 2.

وقال ابن باديس: النهار «هو الوقت الذي يتجلى على جانب الكرة المقابل للشمس فتضيؤه بنورها» 3.

وبعد النظر في التعريفين السابقين، يمكن القول بأن التعريف الأدق للنهار بحسب الأصل هو الفترة الزمنية المبدوءة بطلوع الشمس، والمنتهية بغروبها، أما بحسب الشرع فهو: الفترة الممتدة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس 4.

وردت كلمة (النهار) في القرآن الكريم (57) مرة 5.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

التعريف ... 54 ... {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [لقمان:29]

التنكير ... 3 ... {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) } [نوح:5]

وجاء (النهار) في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: ضد الليل، وهو الوقت ما بين طلوع الفجر -أو الشمس- إلى غروب الشمس 6.

اليوم

اليوم لغة

يوم مفرد، جمعها أيام، ويعني المدة من وقت طلوع الفجر إلى غروب الشمس 7.

اليوم اصطلاحًا

هو مدة زمانية يختلف مقدارها بحسب مراد المتكلم 8.

الصلة بين النهار واليوم

أن اليوم يطلق على فترة النهار فقط، ويطلق على مجموع فترتي النهار والليل.

الضياء

الضياء لغة

أصلها ضوء قلبت الواو إلى ياء لمناسبة الكسرة قبلها 9، والضوء هو الإنارة الناجمة عن مصدر ذاتي الإشعاع 10.

الضياء اصطلاحًا

هو الإشعاع الشمسي الذي يؤثر في العين فيمكن المبصر من الرؤية 11.

وقال الراغب: «الضوء ما انتشر من الأجسام النيرة» 12.

الصلة بين النهار والضياء

أن الضياء يطلق على الأشعة المنبثقة من الشمس، فتسبب الرؤية، أما النهار فهو الفترة الزمنية التي تضيء خلالها أشعة الشمس القِسْمَ الذي يواجهها من الكرة الأرضية.

الصباح

الصباح لغة

هو أول النهار، والصباح مفرد، والجمع أصباحٌ، ويقابل الصباح في الأزمنة المساء 13.

الصباح اصطلاحًا

هو أول النهار، ويحدد بالفترة التي تسبق أو تَلِيَ شروق الشمس مباشرة 14.

الصلة بين النهار والصباح

أن الصباح جزء من النهار، فهو أول النهار، بينما يمتد النهار لفترة أطول، فهو يبدأ بالصباح، ثم يمر بالظهيرة، ثم العصر، ثم يمتد إلى آخر النهار.

من حكمة الله تعالى البالغة أن ساق لعباده الآيات الباهرة الدالة دلالة قطعية على وجود الخالق -جل وعلا- وعظمته، ومن هذه الآيات المتعددة والمتنوعة، آيتا الليل والنهار 15.

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12] .

ومما لا ينكره عاقل ما لليل والنهار من أهمية بالغة في حياة المخلوقات، فبالليل يكون السكون، وبالنهار يكون السعي، وبهما معًا يكون الحساب الدقيق للأوقات، ومعرفة الأيام والأشهر والسنين، ولولاهما لما ضبطت المواعيد، ولعمت الفوضى، ولاضطربت أحوال الخلق.

ونظرًا لما تقدم فقد جاءت العديد من آيات القرآن الكريم مقرنةً بين الليل والنهار، ولعل الحِكَمَ من ذلك ما يأتي:

1.الاستدلال على ربوبية الله تعالى، واستحقاقه الألوهية.

قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?164?) [البقرة: 164] .

يذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة جملة من الأدلة المشاهدة المحسوسة، والتي بدورها تبرز وتثبت لكل عاقل يستعمل عقله في التفكر والتدبر والربط والاستنتاج؛ أن الربوبية له تعالى وحده دون سواه 16.

ومن خلال النظر في الآية السابقة يلاحظ ما يأتي:

2.إظهار فضل الله تعالى على عباده.

قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ?33?وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ? وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ? إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ?34?) [إبراهيم: 33 - 34] .

يبين الله تعالى لعباده أنه أنعم عليهم بأن وفر لهم كافة مستلزماتهم، والتي منها الشمس والقمر، والليل والنهار، ثم أكد سبحانه أنه على الرغم من كل ما أنعم به على عباده إلا أنهم يقابلون هذه النعم بالجحود والنكران 17.

3.الحث على عمل الصالحات.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] .

يبين الله تعالى لعباده أنه سخر لهم نعمتي الليل والنهار، وجعلهما متعاقبين، بغية تيسير أداء العبادات الدورية، كالصلوات الخمس، والأذكار، وغيرها من العبادات المتنوعة ذات الصلة بالليل والنهار 18.

مما لا شك فيه أن الله تعالى عندما خلق هذا الكون الفسيح أودع فيه من الآيات والأسرار ما يبهر العقول ويقودها إلى معرفة من أوجد تلك الآيات، وأودع تلك الأسرار، ومن هذه الآيات الكونية آية النهار التي قال الله تعالى في شأنها: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12] .

والآية تدل على أن النهار من أعظم ما أنعم الله تعالى به على عباده، كما تدعو إلى التفكر في هذه النعمة العظيمة، وتفصيل ذلك كما سيتم ذكره في النقاط الآتية:

أولًا: النهار نعمة إلهية:

مما لا شك فيه أن الله تعالى قد أغدق على عباده بالنعم الظاهرة والباطنة.

قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] .

ومن المعلوم أن من بين هذه النعم نعمة النهار، وتتجلى هذه النعمة من خلال آثارها الجليلة، والتي منها ما يأتي:

1.أن النهار آية من آيات الله تعالى التي تهدي إلى الإيمان.

قال تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ?3?وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ?4?وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?5?) [الجاثية: 3 - 5] .

تشير هذه الآيات الكريمات إلى الدلالات الواضحة التي أودعها الله تعالى في هذا الكون الفسيح، والتي تقود أصحاب العقول النيرة إلى الإيمان بالله تعالى وحده 19، ومن ضمن الدلالات الكونية التي ذكرتها الآيات الكريمات آية النهار.

2.أن النهار يشتمل على مواقيت للعبادة.

قال تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى? غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ? إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [الإسراء:78] .

يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بإقامة الصلوات ويخص بالذكر صلاة الفجر، ثم يعلل ذلك التخصيص بأن صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار 20.

وقال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى? وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) [البقرة:238] .

يأمر الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية بالمحافظة على الصلوات عمومًا، والصلاة الوسطى أي صلاة العصر خصوصًا، وذلك لما لها من أهمية بالغة 21، وقد علل الحق جل وعلا تشديده على المحافظة على الصلاة بأنها ماحية للذنوب والخطايا.

قال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ? إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ? ذَ?لِكَ ذِكْرَى? لِلذَّاكِرِينَ) [هود: 114] .

3.أن النهار هام للدعوة إلى الله تعالى.

قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَ?هٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ? أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [القصص:72] .

يمن الله تعالى على عباده بأنه لم يجعل النهار أبديًا دائمًا، ولو كان ذلك لحدثت اضطرابات واختلالات في النظام الذي اعتاده البشر، حيث إن النهار الذي ينفعهم للحصول على أرزاقهم لابد وأن يعقبه ليل يسكنون فيه، ويستجمعون فيه طاقاتهم وقواهم 22، ومما لاشك فيه أن هذه المنة الإلهية بالطريقة التي عرضها القرآن الكريم تشكل مادة دعوية تخدم الدعاة في دعوتهم إلى الله تعالى.

4.أن النهار هام لقضيتي طلب الأرزاق، وحساب الأوقات.

قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12] .

يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أهمية الليل والنهار للاستدلال على وجود الله تعالى وعظمته 23، وبتحليل الآية الكريمة يظهر أن جملتي {لِتَبْتَغُوا} ، {وَلِتَعْلَمُوا} في محل نصب مفعول لأجله، فيكون المعنى: أن الله تعالى قد جعل النهار مضيئًا لسببين، الأول: حتى يتمكن الناس من طلب الأرزاق، الثاني: حتى يعلم الناس الأوقات 24.

ثانيًا: التفكر في آية النهار:

حثَّ القرآن الكريم على إعمال العقول في كل أمر يحتاج إلى التفكير والتأمل والتدبر، وذلك يدل على أن القرآن الكريم يتفق مع العلم اتفاقًا كاملًا؛ وذلك لأن الذي نَزَّلَ القرآنَ والذي أَوْدَعَ في الكون أسرار العلوم والمعارف هو اللهُ تعالى، ولا يمكن أن تتعارض أمور مردها إلى الله تعالى.

ومن الآيات التي دعا القرآن الكريم إلى تدبرها آيات النهار.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} [يونس:67] .

يبين الله تعالى لعباده أنه هو الذي جعل لهم الليل ليسكنوا فيه مما كانوا فيه في النهار من التعب والمشقة، وهو الذي جعل لهم النهار مبصرًا، ليسعوا إلى طلب أرزاقهم، ثم يدعوهم جل وعلا إلى التفكر في عظمة هاتين الآيتين العظيمتين لعلهم يهتدون إلى وجوب إفراده بكل صور العبادة 25.

ويلاحظ من الآية السابقة أن التفكر في آيتي الليل والنهار يقود أصحاب العقول السليمة إلى وجوب الاعتراف بوحدانية الله تعالى.

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

يبين الله تعالى لعباده أنه أكرمهم بأن جعل لهم الأرض منبسطة ليسيروا فيها، وجعل لهم فيها جبالًا وأنهارًا، كما جعل فيها أصنافًا متعددة من الثمرات الطيبة، وسخر الليل في عقب النهار فتكون الراحة بعد المشقة، ثم يؤكد الله تعالى على أن علة ذلك الإكرام هو حث أصحاب العقول على التفكر في صاحب الجود والكرم الذي أكرمهم بكل ما يتنعمون به 26.

ويتضح من الآية السابقة أن التفكر فيما أنعم به الله تعالى على عباده يقود الإنسان إلى معرفة الله تعالى حق المعرفة، وقد جاء عن أحد رعاة الإبل قوله: «البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، ألا تدل على العليم الخبير» 27.

ويستفاد من الآيتين السابقتين أنه ينبغي على الدعاة أن يوظفوا آيات الله تعالى الكونية في دعواتهم الناس إلى الهدى.

ثالثًا: علاقة النهار بالليل:

قال تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} [فاطر:13] .

يبرهن الله تعالى من خلال هذه الآية الكريمة على أحقيته وحده دون سواه بالعبادة، وذلك من خلال عرضه جل وعلا للآيات الكونية الباهرة المتمثلة في إدخال أجزاء من الليل في أجزاء من النهار والعكس، والمتمثلة كذلك في تسخير الشمس والقمر اللذين يدوران في مدارين محددين لهما 28.

ويتبين من الآية السابقة أن علاقة الليل بالنهار هي علاقة ولوج حيث تتداخل أجزاء من النهار في أجزاء من الليل فجرًا، وتتداخل أجزاء من الليل في أجزاء من النهار عند أول الليل.

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

يبرز الله تعالى لعباده في هذه الآية ما يدعوهم إلى التفكر والتدبر في عظيم الصنعة للاستدلال على عظم الصانع جل وعلا، فالله تعالى هو الذي بسط الأرض، وجعل فيها الجبال الرواسي، وأجرى فيها الأنهار الغنية بالخيرات النافعة للإنسان والحيوان، كما أنعم على عباده بالثمرات المغذية والمطببة، كما ألبس الليل ضوء النهار، وألبس النهار ظلمة الليل 29.

ويفهم من هذه الآية الكريمة أن علاقة الليل بالنهار هي علاقة استبدال، فضوء الشمس بالنهار يزيل ظلمة الليل، وعتمة الليل تغطي ضوء النهار 30.

وقال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} [يس: 37] .

يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن من العلامات الدالة على عظمته جل وعلا انسلاخ النهار من الليل حين يحل الظلام 31.

ويظهر من هذه الآية الكريمة أن علاقة الليل بالنهار علاقة انفصال وانتزاع، حيث ينتزع النهار من الليل حين تشرق الشمس 32.

وقال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} [الزمر: 5] .

يذكر الله تعالى في هذه الاية الكريمة أنه خلق السماوات والأرض، وأنه الذي يلف عتمة الليل بضوء النهار، ويلف ضياء النهار بعتمة الليل، وأنه الذي سخر الشمس والقمر وجعلهما يدوران في مدارين خاصين بهما لا يزيغان عنه حتى يأذن الله تعالى، ثم يقرر سبحانه أنه العزيز القادر على كل شيء، وأنه الغفار الذي لم يعاجل العصاة من عباده بالعقوبة، وبانتزاع ما في بديع صنعه من الخيرات والرحمات 33.

ويلاحظ من الآية السابقة أن علاقة الليل بالنهار هي علاقة لف وإخفاء، فالليل وإن طالت مدته شتاءًا أو قصرت صيفًا فلا يبدده إلا ضوء النهار، والنهار مهما طال صيفًا، أو قصر شتاءً فلا يغطيه إلا عتمة الليل 34.

وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12] .

يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل الليل والنهار آيتين دالتين على عظمته وقدرته، ثم حدد الله تعالى أثر النهار على الليل حيث بين أن ضوء النهار يمحو ويبدد عتمة الليل، فيرى الناس دروبهم، ويطلبون أرزاقهم، ويضبطون أوقاتهم، ثم يبين الله تعالى أنه قد وضح للناس كل ما يحتاجون إلى توضيحه 35.

ويتضح من الآية السابقة أن علاقة الليل بالنهار هي علا قة محو، حيث يمحو ضوء النهار عتمة الليل فيبصر الناس ما حولهم من الأشياء 36.

رابعًا: اختتام آيات النهار بصفات الله والدعوة للتفكر:

خلق الله تعالى الجن والإنس ليعبدوه.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .

ولتحقيق هذه الغاية العظيمة، فقد أعان الله تعالى عباده على الوصول إليه بالمعرفة الحقة، وذلك من خلال آثاره التي تركها في كل ما يحيط بهم من الأشياء، ومن هذه الآثار خلق النهار الذي لا يغفل عن أهميته أحد من الخلق، ومع ذلك فإن القرآن الكريم لم يترك مقامًا ينبغي فيه التذكير بهذه النعمة العظيمة إلا ويذكر بها العباد ويرشدهم إلى ضرورة التفكر في هذه النعمة، وفي عظمة خالقها جل وعلا.

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] .

يؤكد الله تعالى على ربوبيته، من خلال بيانه أنه الذي خلق السماوات والأرض، وأنه الذي جعل الليل والنهار، وأنه الذي سخر الشمس والقمر والنجوم بأمره جل وعلا، ثم ختم الله تعالى الآية ببيان أنه المتفرد بالخلق، وأنه صاحب الأمر النافذ في جميع خلقه، وأنه رب العالمين جميعًا 37.

ويلاحظ من الآية السابقة أن الله تعالى قد ختم الآية السابقة بذكر صفة من صفاته، وهي صفة الربوبية؛ وذلك لتقرير أنه سبحانه المتفضل بخلق كل ما ذكر من النعم في هذه الآية الكريمة بواسطة أمره الذي هو جزء من كلامه جل وعلا، وهذا من شأنه أن يقود الناس إلى طريق الهدى والرشاد المتمثل في الإيمان بالله تعالى وحده.

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

يبين الله تعالى في هذه الآية أنه الذي بسط الأرض طولًا وعرضًا، وجعل فيها الجبال الرواسي للأرض، والأنهار الجارية، وأنه الذي جعل في الأرض من جميع صنوف الثمار الطيبة، وجعل فيها الأزواج المختلفة من المخلوقات، وجعل فيها كذلك الليل والنهار، ثم ختم الله تعالى هذه الآية بالتأكيد على فاعلية تلك الآلاء عند أصحاب الفكر السليم في التعريف بخالقها جل وعلا 38.

ويلاحظ من الآية السابقة أن دعوة الله تعالى عباده إلى التفكر في ما أنعم به عليهم، إنما يأتي في سياق هداية الله تعالى عباده إلى طريق الحق والإيمان.

وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج:61] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت