فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 2431

وقال ابن رجب رحمه الله: «العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا، وعند الموت، وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل.

فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه الله، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به، فصار مخذولا، وهو كذلك في أمور الدنيا؛ لأنه عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه جميعا إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله فهو المخذول» 20.

1.أولًا: الاستعانة المشروعة

الاستعانة منها ما هو مشروع، وما هو ممنوع، والاستعانة المشروعة منها استعانة بالله، واستعانة بالأعمال الصالحة التي شرعها الله، والتي أمر الله عباده بالاستعانة بها، والحديث هنا عن صور الاستعانة المشروعة:

الاستعانة بالله واجبة في كل وقت وحين، وليس لصورها حصر ولا عدد، والحديث هنا عن أهم صور الاستعانة بالله:

إن من أعلى أبواب الاستعانة، الاستعانة بالله تعالى على طاعته، من أداء الواجبات والقيام بفروض الله تعالى.

ولو نظر كل منا في حاله في أمور دينه لوجد أنه يحتاج إلى عون الله تعالى، فلا يستطيع أحد القيام بحق الله تعالى إلا بالاستعانة به على ذلك. قال شيخ الإسلام: «وكل عملٍ لا يعين الله العبد عليه فإنه لا يكون ولا يقع، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا يدوم ولا ينفع، فلذلك أمر العبد أن يقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ?5?) [الفاتحة: 5] ، في كل صلاة» 21.

فكل الطاعات التي يقوم بها المسلم هي محض الفضل الإلهي الذي من الله به عليه.

قال تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى? مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [النور: 21] .

فكل صلاة نصليها هي بمدد منه، وكذلك كل ذكر نذكره، وكل صالح نقوله، وكل خير نفعله، (وَلَ?كِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات: 7]

فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها، في الدنيا وعند الموت وبعده، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه.

وقد أرشد الله عباده إلى الاستعانة به في كل أمورهم، ومنها الطاعات، فقال سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] .

وإطلاق الاستعانة من غير متعلق بذكر المستعان عليه من الأمور دال على أنه يستعين الله تعالى في كل أمور حياته، فلم يذكر المستعان عليه من الأعمال؛ ليشمل الطلب كل ما تتجه إليه نفس الإنسان من الأعمال الدينية والدنيوية.

فـ «بعد تقرير الاتجاه إلى الله وحده بالعبادة والاستعانة، يبدأ في التطبيق العملي لها بالتوجه إلى الله.

وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل، ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته .. فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته. والتوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين. وهذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه. فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين» 22.

وقد حقق الأنبياء والرسل درجة الاستعانة بالله في أمور دينهم على أفضل صورة وأحسن مثال، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام يقول: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) [إبراهيم: 35] .

إنه يعلن أن الذي يعصم من عبادة الأوثان هو الله، فيلجأ إليه طالبًا منه المعونة على اجتنابها وعدم عبادتها.

وها هو يوسف عليه السلام يستعين بربه على كيد النسوة فيقول: (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [يوسف: 33] .

فقد استجار بربه واستعان به ليصرف عنه السوء.

ونبينا صلى الله عليه وسلم أفضل المستعينين، وسيد المتوكلين على ربه، كانت حياته كلها استعانة بالله في طاعاته وشؤون دنياه، يرشد صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه فيقول له: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعنَ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» 23.

إن هذا التعليم النبوي كما أنه يشي بحاجة العبادة والطاعة إلى العون والمدد الإلهي، فهو يحمل في ثناياه الإعلان عن العجز والضعف البشري أمام القيام بشيء من حق الله تعالى. إن العبد مهما بلغ من قوة، ومهما اجتمع له من نشاط فهو عاجز عن مواصلة الطريق إلى الله إلا بالعون الذي يتنزل عليه من ربه، فلا يغتر بجهده، ولا يدلي بعمله.

إن أعظم الكرامة أن يأتيك مدد ربك، الذي يدفعك لمزيد القرب منه، فتدخل في عبادته -ليس نشيطًا فحسب- بل مشتاقًا لها تجد أنسك فيها.

أما حين لا يكون عون الله، وإنما يوكل العبد إلى نفسه، فإنه يوكل إلى ضعف وعجز وخور ومهانة.

حين لا يعان العبد فإنه يقعد به العجز والكسل عن الكمالات، وتتطامن نفسه إلى الدون، ولا يكون منه شيء نافع، بل تذهب أيامه ولياليه دون شيء يذكر.

نحتاج العون من الله على الذكر وإلا أصاب الألسن خرس عما ينفع، نحتاج العون من الله على الشكر وإلا بطرت النعم ثم محقت، نحتاج العون من الله على حسن العبادة وإلا تحولت عبادتنا إلى صورة لا معنى لها، وإلى مظهر بلا مخبر، فصارت وبالًا على العبد لا له.

إن العبد حين لا يعان على الذكر تغلفه الغفلة، فيترك القرآن أيامًا لا يتلوه، وربما أتى إلى المسجد مبكرًا- لحاجة- فعجزت يده أن تمتد للمصحف الذي لا يبعد عنه غير متر واحد، ويعجز لسانه أو يغفل عن تسبيحٍ هو من أخف الأعمال وأيسرها على اللسان وأثقلها في الميزان، في حين لا يعجز عن ترديد الأغاني، ولا ينقطع صوته عن الحديث في المجالس بما لا فائدة منه!.

وحين لا يعان العبد على الشكر فإنه لا يرى النعم، ولا يحس بقيمتها؛ فلذلك يبطرها، فلا عين تحفظ عن حرام، ولا لسان يحفظ عن رديء الكلام، ولا رجل تمشي إلى صلاة، ولا يدٌ تمتد بالصدقة أو ترفع للدعاء.

وحين لا يعان على حسن العبادة فإنه يأتيه ما يشغله عن تحسينها والعناية بها، فينشغل ذهنه بما يوهنه، فإن قام إلى الصلاة نقرها نقر الغراب، والتفت فيها التفات الثعلب، وانتهى منها لا يدري ما قرأ، فخرج من صلاته لم يكتب له منها إلا ما عقل، واقتصرت نفسه على الفريضة- على ضعف فيها- فإن صلى نافلة لعظيم الفضل واجتماع الناس عليها- كالتراويح- فإنه يعجز عن الاستمرار إلى آخر الشهر، أو يطلب من يأتي بها على عجل.

فالعبد يحتاج إلى عون الله وفضله؛ لأداء حقه على الوجه الذي يرضيه، ولا يكون ذلك إلا بالاعتماد على الله في جميع طاعاته، والشعور بالحاجة والفقر له، وأن الأمر منوط بتوفيق الله أو الخذلان، والشعور بالضعف والحاجة والفقر (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ? وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُے) [فاطر: 15] .

قال ابن القيم: « (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ) [الحجر: 21] ، متضمن لكنز من الكنوز؛ وهو أن كل شيء لا يطلب إلا ممن عنده خزائنه، ومفاتيح تلك الخزائن بيديه، وأن طلبه من غيره طلب ممن ليس عنده ولا يقدر عليه» 24.

والخلاصة: أن أعلى الناس قدرًا في أمر الاستعانة هو من يستعين بالله على عبادته، على طاعته؛ لأنه يعلم أنه لا يقدر على الطاعة إلا بتوفيق الله سبحانه وتعالى.

جميع العباد فقراء إلى الله الغني الحميد، فهو الذي بيده ملكوت كل شيء، وخزائن العالم بأسرها بيديه، والعبد لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولو ترك لنفسه لحظة ضاع وهلك؛ ولهذا فالعبد في كل لحظة بحاجة إلى ربه ومولاه.

في حاجة إلى الاعتماد على الله في جميع شؤون الحياة، فالله عز وجل هو الذي خلقنا من العدم، وتولى سبحانه وتعالى نشأتنا والقيام على شؤوننا، وأعطانا ما أعطانا من الأسباب التي تمكننا من العيش في الحياة.

هذه الأسباب من سمع، وبصر، وعقل، وأجهزة وأعضاء، لا يوجد لديها قدرة ذاتية للقيام بوظائفها، فالله عز وجل هو الذي يمدها بهذه القدرة لحظة بلحظة (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) [يونس: 22] .

وقال سبحانه: (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى?) [النجم: 43] .

وهذه هي الحقيقة، فهو سبحانه الذي أضحك وأبكى، وأقام وأقعد، وهو الذي حرك وسكن، ولا غنى لأحد عن الله طرفة عين.

فالحقيقة التي لا مراء فيها أننا جميعًا من الله خلقًا وإيجادًا، وبالله رعاية وإعدادًا وإمدادًا، فلا حول ولا قوة إلا بالله سبحانه (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: 53] .

وتأسيسًا على ما سبق فالعباد في حاجة إلى عون ربهم على كل شؤون حياتهم الدنيوية، وقد أمر الله عباده بالتوجه إليه، والاستعانة به في أمورهم الحياتية، مبينًا أن ذلك بيده، وليس بيد غيره، فقال في الحديث القدسي: (يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) 25.

ويظهر من الحديث ضرورة افتقار العبد إلى ربه ومولاه، ووجوب استعانته به في جميع شؤونه الحياتية، وأنه لولا الله لهلك جميع العباد، كما يدل الحديث على أن الله يحب من العباد أن يسألوه مصالح دينهم ودنياهم.

وفي سورة الفاتحة إرشاد إلى استعانة العباد بربهم في جميع شؤونهم، حيث قال سبحانه: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] .

والمعنى: لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين، فقد توليتنا برعايتك وغمرتنا برحمتك، فنحن نخصك بطلب الإعانة على طاعتك وعلى أمورنا كلها الدينية والدنيوية، ولا نتوجه بهذا الطلب إلى أحد سواك، فأنت المستحق للعبادة، وأنت القدير على كل شيء، والعليم ببواطن الأمور وظواهرها، لا تخفى عليك طوية، ولا تتوارى عنك نية.

فآية الفاتحة أرشدت إلى الاستعانة بالله في جميع الأمور الدينية والدنيوية، ويظهر ذلك من إعادة الضمير (وَإِيَّاكَ) مع الفعل الثاني (نَسْتَعِينُ) يفيد أن كلا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات، فلا يستلزم كل منهما الآخر؛ ذلك بأن الاستعانة بالله تعالى يجب أن تكون عامة في كل شيء.

والخلاصة: أن «التوكل على الله والاستعانة به خلق جليل يضطر إليه العبد في أموره كلها، دينيها ودنيويها؛ لأنه وإن كان الله تعالى قد أعطى العبد قدرة وإرادة تقع بها أفعاله الاختيارية، ولم يجبره على شيء منها، فإنه لا حول له ولا قوة إلا بالله، فإذا اعتمد بقلبه اعتمادًا كليًا قويًا على ربه في تحصيل وتكميل ما يريد فعله من أمور دينه ودنياه، ووثق به أعانه وقوى إرادته وقدرته، ويسر له الأمر الذي قصده، وصرف عنه الموانع أو خففها، وتضاعفت قوة العبد وازدادت قدرته؛ لأنه استمد من قوة الله التي لا تنفد ولا تبيد» 26.

من الأمور المسلمة أن النصر بيد الله.

قال تعالى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [آل عمران: 126] .

والإنسان المسلم في مواجهته مع الظالمين في حاجة إلى عون الله على هؤلاء الطغاة، بأن ينصره ويسدده ويثبته على عقيدته.

وقد اشتمل القرآن على نماذج من الاستعانة بالله على مواجهة الظالمين، منها:

ما أرشد إليه موسى عليه السلام قومه في مواجهتهم مع فرعون وقومه: فلما قال الملأ من قوم فرعون: (أَتَذَرُ مُوسَى? وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ? قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَہ) [الأعراف: 127] .

وأرشدهم موسى عليه السلام فقال: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ? إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128] .

فههنا أمرهم موسى بشيئين وبشرهم بشيئين: أما اللذان أمر موسى عليه السلام بهما، فالأول: الاستعانة بالله تعالى. والثاني: الصبر على بلاء الله.

وإنما أمرهم أولًا بالاستعانة بالله لأن من عرف أنه لا مدبر في العالم إلا الله تعالى، انشرح صدره بنور معرفة الله تعالى، وحينئذ يسهل عليه أنواع البلاء، ولأنه يرى عند نزول البلاء أنه إنما حصل بقضاء تعالى وتقديره، واستعداده بمشاهدة قضاء الله خفف عليه أنواع البلاء.

وأما اللذان بشر بهما:

فالأول: قوله: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) وهذا إطماع من موسى عليه السلام قومه في أن يورثهم الله تعالى أرض فرعون بعد إهلاكه.

والثاني: قوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) فقيل: المراد أمر الآخرة فقط، وقيل: المراد أمر الدنيا فقط، وهو: الفتح والظفر والنصر على الأعداء، وقيل: المراد مجموع الأمرين.

وقوله: (لِلْمُتَّقِينَ) إشارة إلى أن كل من اتقى الله تعالى وخافه فالله يعينه في الدنيا والآخرة 27.

فالآيات ترشد إلى أنه ليس لأصحاب الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين، وإلا ولي واحد، وهو الولي القوي المتين. وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه.

ومن نماذج الاستعانة أيضًا: قصة مؤمن آل فرعون، فقد ذكر الله سبحانه قوله لقومه: (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ? وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [غافر: 44] .

فبعد أن نصحهم بطاعة الله، والإيمان به والدار الآخرة، وخوفهم وحذرهم، لم يطيعوه، فقال لهم: «فستذكرون أني نصحت لكم وذكرتكم، وسوف تندمون حيث لا ينفع الندم، وألجأ إلى الله، وأعتصم به، وأتوكل عليه. إن الله سبحانه وتعالى بصير بأحوال العباد، وما يستحقونه من جزاء، لا يخفى عليه شيء منها» 28.

وكانت نتيجة استعانته بالله، ما ذكره ربنا سبحانه في قوله: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ? وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر: 45] .

فهذا بيان للعاقبة الطيبة التي أكرمه الله سبحانه بها، بعد صدوعه بكلمة الحق أمام فرعون وجنده. أي: فكانت نتيجة إيمان هذا الرجل، وجهره بكلمة الحق، ونصحه لقومه، واستعانته بالله؛ أن وقاه الله تعالى ما أراده الظالمون به من أذى وعدوان ومن مكر سيئ، ونزل وأحاط بفرعون وقومه سوء العذاب؛ بأن أغرقهم الله تعالى في اليم، وجعلهم عبرة لمن يعتبر.

ومن نماذج الاستعانة بالله في مواجهة الظالمين، ما ذكره ربنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم في دعوته قريشًا، فالله أمره أن يبلغهم: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ?108? فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ ?109? إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ ?110? وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [الأنبياء: 108 - 111] .

فبعد أن أورد سبحانه الحجج والبراهين، لإقناع الكافرين بأن رسالة الرسول حق، حتى لم يبق في القوس منزع، وبلغ الغاية التي ليس بعدها غاية، وبين أن هذا الرسول رحمة للعالمين، وهداية للناس أجمعين، وأن من اتبعه سلك سبيل الرشاد، ومن نأى عنه ضل وسار في طريق الغواية والعناد- أردف ذلك ما يكون إعذارا وإنذارا، في مجاهدتهم والإقدام على مناوأتهم، بعد أن أعيته الحيل، وضاقت به السبل، ولم تغنهم الآيات والنذر، فتمادوا في غوايتهم، ولجوا في عنادهم، وأصبح من العسير إقناعهم وهدايتهم.

وبعد هذا البلاغ والبيان أرشده بقوله: (قلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ ? وَرَبُّنَا الرَّحْمَ?نُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى? مَا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 112] .

أي: نسأل ربنا الرحمن، ونستعين به على ما تصفون، من قولكم سنظهر عليكم، وسيضمحل دينكم، فنحن في هذا، لا نعجب بأنفسنا، ولا نتكل على حولنا وقوتنا، وإنما نستعين بالرحمن، الذي ناصية كل مخلوق بيده، ونرجوه أن يتم ما استعناه به.

«وتعريف (الْمُسْتَعَانُ) لإفادة القصر، أي لا أستعين بغيره على ما تصفون، إذ لا ينصرنا غير ربنا» 29.

وإنما ختم الله هذه السورة بقوله: (( قلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ) لأنه عليه السلام كان قد بلغ في البيان الغاية لهم، وبلغوا النهاية في أذيته وتكذيبه، فكان قصارى أمره تعالى بذلك تسلية له وتعريفًا أن المقصود مصلحتهم، فإذا أبوا إلا التمادي في كفرهم، فعليك بالانقطاع إلى ربك ليحكم بينك وبينهم بالحق، إما بتعجيل العقاب بالجهاد أو بغيره، وإما بتأخير ذلك، فإن أمرهم -وإن تأخر- قريب 30.

والخلاصة: أن عقيدة المؤمن الصادق الإيمان لها محوران في مواجهة الأزمات مع الكفار:

المحور الأول: هو تفويض الأمر إلى الله وتوقع الفرج من عنده، وهذا ما أمر به الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (( قلَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ) أي احكم بيني وبين هؤلاء المكذبين وانصرني عليهم.

المحور الثاني: هو الاستعانة بالله القوي الغالب، وهذا ما ختمت به السورة: (وَرَبُّنَا الرَّحْمَ?نُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى? مَا تَصِفُونَ) أي ما تصفونه من الكفر والتكذيب، والطمع في الغلبة على أهل الإيمان.

من صور الاستعانة المشروعة، الاستعانة بالأعمال الصالحة التي شرعها الله، وإذا تأملنا القرآن وجدنا أن الله أمر عباده بالاستعانة ببعض الأعمال الصالحة، ومنها الصبر والصلاة، فقال: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: 45] .

وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153] .

فالصبر والصلاة هما الزاد الذي يمد المؤمن بالقوة التي تعينه على احتمال تكاليف العبادة، ومشقة الجهاد ومدافعة شهوات النفس وأهوائها. وهناك أمور يتأكد عندها أهمية الاستعانة بالصبر والصلاة، منها:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153] .

بعد هذه الآية ذكر الله أعظم شيء يستعان عليه بذلك، وهو القتل في سبيل دعوة الحق وحمايته، فقال: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ? بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَ?كِن لَّا تَشْعُرُونَ) [البقرة: 154] .

أي: استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه، وعلى سائر ما يشق عليكم من مصائب الحياة، بالصبر وتوطين النفس على احتمال المكاره، وبالصلاة التي تكبر بها الثقة بالله عز اسمه، وتصغر بمناجاته فيها كل المشاق.

وإنما خص الصبر والصلاة بالذكر، لأن الصبر أشد الأعمال الباطنة على البدن، والصلاة أشد الأعمال الظاهرة عليه، إذ فيها خضوع واستسلام لله، وتوجه بالقلب إليه، واستشعار لعظمة الخالق.

وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هذا الأمر الإلهي، فقد ورد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة 31.

وورد أن ابن عباس رضي الله عنهما «نعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ، فصلى ركعتين، أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) » 32

قال تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة: 45] .

والخطاب هنا لبني إسرائيل لما أعرضوا عن قبول رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فأرشدهم الله إلى علاج ذلك بالصبر والصلاة، أي استعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا، والدخول فيما تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التي تحجز أنفسكم من غشيان الموبقات، وبفريضة الصلاة التي تنهاكم عن الفحشاء والمنكر.

والخلاصة: أن الله خص الاستعانة بالصبر والصلاة لما فيهما من المعونة على العبادات، وتحمل المشاق.

ثانيًا: الاستعانة الممنوعة:

الاستعانة هي طلب العون من الله جل وعلا في الحصول على المطلوب والنجاة من المرهوب.

والاستعانة عبادة يجب صرفها لله حده، وهي التي يصحبها معانٍ تعبدية تقوم في قلب المستعين من المحبة والخوف والرجاء والرغب والرهب، فهذه عبادة لا يجوز صرفها لغير الله، ومن صرفها لغيره فهو مشرك. وقد قال الله تعالى فيما علمه عباده المؤمنين: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] .

وتقديم المعمول يفيد الحصر، فيستعان بالله وحده، ولا يستعان بغيره.

فإذا استعان الإنسان بغيره بهذه المعاني المذكورة فإنه يكون قد دخل في الاستعانة الممنوعة، وهذه الاستعانة الممنوعة لها صور عديدة، وهي:

الاستعانة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ممنوعة، كإجابة الدعاء وكشف البلاء، والهداية، والإغناء، ونحو ذلك، فالله تعالى هو المتفرد بذلك، والقرآن من أوله إلى آخره مليءٌ بالنصوص الدالة على أن الله وحده هو الذي بيده الخفض والرفع، والضر والنفع، والعطاء والمنع، والإعزاز والإذلال، والهداية والإضلال.

قال سبحانه وتعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ? وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?17?) [الأنعام: 17] .

والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا.

وقد أمر الله عباده أن يدعوه وحده، ولم يجعل بينه وبينهم واسطةً في الدعاء، فقال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [غافر: 60] .

وبين تعالى ضلال من دعا غيره فقال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ?5? وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ?6?) [الأحقاف: 5 - 6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت