إنّ ثمة حقيقة لا شك فيها؛ وهي أن الساحة الإسلامية تشهد فوضى فقهية تطاول فيها بعض أدعياء العلم وأنصاف المثقفين على الفتوى، فراحوا يخوضون فيها بدون ورع أو تثبّت، بل تجرؤوا على المسائل الكبار التي لو عرضت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر 41.
والعجيب أنّ بعض الناس عندما تراجعه في بعض تلك الفتاوى والآراء، يبادرك بضرورة اتساع الصدر للرأي المخالف؛ لأنه ما زال العلماء يختلفون ولا ينكر بعضهم على بعض! وهذا حق لا شك فيه لو أنّه صادر عمن يحق له الفتوى والاجتهاد من أهل العلم الراسخين، أما وإنه صادر في أغلب الأحوال عن غير أهله؛ فكيف يراد منا أن نعذر فيه المخالف؟! ونحسب أن بعض المفتين في هذا الزمان أحق بالسجن من السّرّاق! 42.
والأخطر من هذا أن بعض محاضن الصحوة الإسلامية لم تسلم من هذه الفوضى الفقهية والمنهجية، وإذا كان المربون وروّاد العمل الدعوي يتحدثون في وقت مضى عن الموازنة بين العزائم والرّخص؛ فإن بعض المعاصرين تجاوزوا الرّخص إلى الوقوع في بعض المنكرات الواضحات بحجة الواقعية، وتغيّر الزمان، وعموم البلوى، وضرورة تقديم المصالح الدعوية، وإعادة قراءة مقاصد الشريعة، ونحوها من المعاذير الباردة التي أوجدت مناخًا دعويًّا مهيّأ للتفلت من القيود الشرعية، ولا نبالغ إذا قلنا: إن بعض الدعاة أصبحوا لا يتورعون عن ممارسة بعض المناورات السياسية والحزبية، ويقع أحيانًا فيما تقع فيه بعض التجمعات الحزبية العلمانية!
الثاني: التثبت في نقل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
التثبت في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ضروري، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) 43.
وروى مسلم في صحيحه: أنّ بشير العدوي جاء إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فجعل يحدّث ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فجعل ابن عباس رضي الله عنهما لا يأذن (أي: لا يصغي) لحديثه، ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله ولا تسمع! فقال ابن عباس: إنّا كنا مرّة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذاننا؛ فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف 44.
وهذا النص يفيد أنّ العلماء والأئمة كانوا يتثبّتون أشدّ التثبّت في تلقّي العلم، ويتحرّون في نقلته ورواته، وبخاصة بعد أن ظهرت الفتن وكثر الابتداع؛ ولهذا قال محمد بن سيرين: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد؛ فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم؛ فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع ولا يؤخذ حديثهم» 45.
ولأهمية التثبت في النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان السلف يحتاطون ولا يأخذون برواية الضعيف، فعن ابن أبي الزناد: «أدركت بالمدينة مائة مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله» 46.
وقد كان للصحابة رضي الله عنهم منهج واضح في تلقي الأخبار والروايات، فقد كانوا إذا بلغهم الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاطون في قبوله بطلب الشهادة أو اليمين؛ لمزيد من التأكيد والتثبت.
فعن قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله تعالى شيء، وما علمت لك في سنة نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثل ما قال المغيرة ابن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله تعالى شيء، وما كان القضاء الذي قضي به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في الفرائض، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها 47.
وعن أسماء بن الحكم قال: سمعت عليًّا يقول: كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته 48.
ومن هنا نشأ علم الجرح والتعديل، وعلم التصحيح والتضعيف، ومعرفة ما صح وما لم يصح من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وشنّ العلماء حملة ضارية على رواة الأحاديث الموضوعة؛ لما في ذلك من كذب صريح على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن من الإثم العظيم تساهل الناس اليوم في نقل ورواية الأحاديث الموضوعة في أبواب الترغيب والترهيب، والوعظ، وغير ذلك، وهؤلاء سيكون خصمهم يوم القيامة النبي صلى الله عليه وسلم الذي توعّدهم بقوله: (من حدّث عني بحديث يرى أنه كذب، فإنه أحد الكاذبين) 49.
وما أجمل كلام ابن العربي حين يقول: «على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع دينارًا معيبًا، وإنما يختارون السالم الطيب؛ كذلك في الدين لا يؤخذ من الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما صح سنده؛ لئلا يدخل في خبر الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران المبين» 50.
لا يخفى على أحد أهمية الأمن للفرد والمجتمع والدولة، بل وللعالم أجمع؛ وذلك لما يتحقق في الحياة الآمنة من استقرار وهدوء، ونهضة إنسانية في جميع المجالات الحيوية.
ومن ضمن مقاييس قوة الدولة اليوم هو مدى ما يتحقق فيها من الأمن والأمان للقاطنين والمقيمين فيها.
كما أن الأمن أصبح في العصر الحاضر مطلبًا مهمًّا، وضرورة ملحة، ومبتغى عزيزًا في ظل الظروف القلقة والأحداث الدامية، والعواصف المدمرة التي تشهدها كثير من الدول والمجتمعات العالمية.
ومن هنا تنبع أهمية التثبت في المجال الأمني، وقد أنكر الله سبحانه وتعالى على من نشر كل خبر جاءه في أمن أو خوف دون التثبت ومراجعة أهل الاستنباط بذلك الخبر فقال: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] .
يقول الشيخ السعدي: «هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطًا للمؤمنين وسرورًا لهم وتحرزًا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة. وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولّى من هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيقدم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه؟» 51.
وقد ورد من الأسباب التي نزلت لأجلها الآية ما يوضح أهمية التثبت في الناحية الأمنية، وعدم الاستعجال بإذاعة الأخبار التي تضر بأمن واستقرار الأفراد والمجتمعات، فقد ذكر أنها نزلت في أهل النفاق أو ضعفاء الإيمان، كانوا إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف من الأعداء، أذاعوا بالحديث، حتى يبلغ عدوهم أمرهم 52.
ولذلك قال الزمخشري حول هذه الآية: «هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم تكن فيهم خبرة بالأحوال ولا استبطان للأمور، كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أمن وسلامة أو خوف وخلل {أَذَاعُوا بِهِ} وكانت إذاعتهم مفسدة، ولو ردوا ذلك الخبر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإلى أولى الأمر منهم- وهم كبراء الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يؤمرون منهم- {لَعَلِمَهُ} علم تدبير ما أخبروا به {الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} الذين يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايدها» 53.
ففي الآية إنكار على من يبادر إلى نقل الأمور قبل التحقق منها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها أساس من الصحة.
فنفهم من الآية أنه قد يذاع الخبر عن اضطرابات أمنية من مصادر غير موثوقة إلى الجهلة أو المنافقين، أو ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالقضايا العامة، فيبادرون إلى إذاعته ونشره، وترويجه بين الناس، وهذا أمر منكر يضر بالمصلحة العامة، وتحصل به المفسدة.
«ولا يخفى أنه ينبغي التنبه للآثار السيئة لعدم التثبت على مستوى الأمن الخاص والعام، وأنه يجب تفويت الفرص على مروجي الإشاعات في محاولاتهم اختراق أمن المجتمعات الإسلامية، والعبث في مقوماتها، ومحاولة البعض الفتك بنفسية الأفراد والمجتمعات، وجعلهم فريسة سهلة للآراء والأفكار والدعاوى السيئة؛ لكي يقوموا بتنفيذ أغراضهم وأهدافهم، وينفثوا سمومهم الخبيثة في المجتمعات الآمنة، والسعي لترويج مناهجهم المنحرفة وأفكارهم الفاسدة» 54.
ثالثًا: المجال الاجتماعي:
«ينفرد المجتمع الإسلامي عن سائر المجتمعات الأخرى أنه مجتمع انبثق من العقيدة الإسلامية، فالعلاقة الاجتماعية التي تربط أفراده تقوم على أساس العقيدة الإسلامية» 55.
والمجتمع في نظر الإسلام لا يقوم على الروابط المادية فقط، بل هنالك ما هو أهم، وهو الروابط الإيمانية والأخلاقية والأدبية، وهذا ما يفسر لنا قيمة المجتمع المسلم وتميزه عن غيره من المجتمعات، بل إن الإسلام ذهب إلى أبعد من ذلك، حينما «عمل على إقامة ذلك المجتمع الفاضل في كل أنحاء الأرض؛ لأنه دين يخاطب الإنسانية كلها» 56.
«والإسلام يربي أبناءه وأفراد مجتمعه على التحلي بمعاني الإيمان، وما يفرضه عليه من التزام ومسئولية تجاه نفسه أولًا، وتجاه المجتمع الكبير الذي يعيش فيه ثانيًا» 57.
ومن لوازم تلك المسئولية وجوب التثبت فيما يخص العلاقات الاجتماعية من زواج وطلاق، وما يحدث بين الجيران من علاقات سلبية، وما يحدث في المجتمع من مجريات الحياة المتنوعة.
ومن لوازم تلك المسئولية أيضًا: عدم القيام بإيذاء المجتمع بأي نوع من أنواع الإيذاء الحسي والمعنوي، ولعل عدم التثبت وما يجره من نشر الشائعات في العلاقات الاجتماعية من أخطر أنواع الإيذاء الاجتماعي.
وقد ندبت الشريعة الإسلامية إلى كل ما يكفل على المسلمين وحدتهم، ويحقق مقاصدهم، ويحفظ اجتماعهم من الإشاعات المغرضة الفاسدة الناتجة عن عدم التثبت.
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 10] .
وحذرت من كل ما من شأنه أن يشيع الفاحشة في المجتمع ويقطع أوصاله ونسيجه فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19] .
ولعل من أخطر الأمثلة على تأثير عدم التثبت على العلاقات في المجتمع المسلم، ما حدث في قصة الإفك التي رميت بها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وفي هذه الحادثة التي هزت كيان المجتمع الإسلامي حينئذ هزًّا عنيفًا العديد من الدروس والفوائد التي ينبغي لكل فرد في المجتمع المسلم أن يقف عندها ويستفيد منها، ويحذر كل الحذر من عدم التثبت والإشاعات المغرضة.
وهذه القصة يتضح فيها كيف كان تأثير عدم التثبت على علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، وعلى علاقة الذين خاضوا في الإفك برسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكذلك على علاقة المجتمع الإسلامي ببعضه في ذلك الوقت.
ولعل ما يفسر ذلك ما جاء في الحديث: (فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي) ، فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا، ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة - وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية - فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل، فخفضهم حتى سكتوا) 58.
والمتأمل في أحداث واقعة الإفك يجد «أن مروج شائعة الإفك هذه، والتي هزت كيان المجتمع الإسلامي حينئذ هزًّا عنيفًا، قد اختلق موضوعها وأقامه على أساس جانب ضئيل جدًّا من الحقيقة، وهو رؤية الناس لابن المعطل يقود بعيره وعليه عائشة رضي الله عنها، ثم عالج هذا القدر الضئيل جدًّا من الحقيقة بالمبالغة، وجسّمه بطريقة انفعالية، ومزجه بجوانب من شطحاته الخيالية، وصاغه صياغة خبيثة يسهل على الذين يوجه إليهم الشائعة استيعابها وترديدها» 59.
فحادثة الإفك كادت تفتك بالمجتمع الإسلامي بأسره، لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم عالج هذه القضية بتأنٍّ، وتروٍّ، وتثبّت.
ومن الأمثلة أيضًا على تأثير عدم التثبت على العلاقات الاجتماعية في المجتمع: ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] .
فقد كان جماع قبائل الأنصار بطنين: الأوس والخزرج، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء، حتى منّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي صلى الله عليه وسلم، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم وألّف بينهم بالإسلام. فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحادثان ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكّرهما بأيامهم والعداوة التي كانت بينهم حتى استبا، ثم اقتتلا، فنادى هذا قومه وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح وصفّ بعضهم لبعض، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وهؤلاء ليسكنهم حتى رجعوا، فأنزل الله في ذلك القرآن {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100] 60.
ونلاحظ أن التسرع وعدم التثبت كانا سببين رئيسين في اقتتال المسلمين، ورفع السلاح على بعضهم البعض، فلما تيقنوا أنها نزعة شيطان تعانقوا وألقوا السلاح.
رابعًا: المجال السياسي:
تعد مجالات السياسة وجوانبها المتعددة ومسائلها المتنوعة في الأحوال الداخلية، أو الإقليمية، أو الدولية من أهم المجالات التي يجب التثبت فيها؛ حيث تعد مجالًا خصبًا لانتشار الإشاعات ونموها، وبخاصة في أوقات نشوب الحروب وحدوث الأزمات والتوترات، وفتور العلاقات، وتوالي وقوع الحوادث، مع ما يحيط بتلك الحوادث والوقائع من غموض وأهمية.
وقد كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على التثبت في علاقاته السياسية، ممتثلًا في ذلك أمر القرآن بوجوب التثبت، فلما بلغه صلى الله عليه وسلم أن يهود بني قريظة نقضوا عهدهم الذي عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم، بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير، فقال: «انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فألحنوا لي لحنا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس» 61.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتسرع في قتال بني قريظة، ولم يأخذ بما بلغه، حتى يتثبت عن طريق من يرسلهم هو صلى الله عليه وسلم.
ومن نماذج التثبت الجليلة في العلاقات السياسية: ما حدث من النجاشي عندما أرسلت قريش عمرو بن العاص وعبدالله بن ربيعة إلى الحبشة بعد هجرة المسلمين إليها، وكانا يحملان الهدايا إلى النجاشي وبطارقته، فقابلا النجاشي فقالا له: أيها الملك، إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم لتردهم إليهم، فهم أعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. فقالت بطارقته حوله -وقد تسلموا الهدايا مسبقًا- صدقا أيها الملك، قومهم أعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليردوهم إلى بلادهم وقومهم.
فغضب النجاشي ثم قال: لا لعمر الله، إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
ثم أرسل النجاشي إليهم، فتكلم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
فلما سمع النجاشي منهم، والتقى بهم مرة أخرى على أثر وشاية من عمرو بن العاص، وسمع منهم ثانية، قال النجاشي لهم: اذهبوا، فأنتم شيوم 62 بأرضي، من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ثم قال: من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا 63 من ذهب وأني آذيت رجلا منكم، ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله من الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه، فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقام المسلمون عنده بخير دار مع خير جار 64.
فالنجاشي لم يسارع ويأخذ بكلام عمرو بن العاص ومن معه، وإنما تأنى وأرسل إلى المسلمين واستمع منهم، وتثبت من حالهم.
ويكون التثبت آكد في المجال السياسي حينما يتعلق الأمر بأولياء الأمور والحكام وقادة البلاد، فيجب التثبت مما ينسب إليهم، ويحكى عنهم، من تجريح، واختلاق الأكاذيب، والافتراءات عليهم، ومحاولة تنفير الناس منهم، أو تعميق الفجوة فيما بينهم وبين مواطنيهم.