فهرس الكتاب

الصفحة 2140 من 2431

ويحتمل أن فرقة من قوم شعيب أهلكت بالرجفة وفرقة بالظلة ويحتمل أن الظلة والرجفة كانتا في حين واحد، وروي أن الله تعالى بعث شعيبا إلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، وقيل هما طائفتان وقيل واحدة وكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن فدعاهم فكذبوه فجرت بينهم هذه المقاولة المتقدمة، فلما عتوا وطالت بهم المدة فتح الله عليهم بابا من أبواب جهنم فأهلكهم الحر منه فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها فتنادوا، عليكم الظلة، فلما اجتمعوا تحت الظلة، وهي تلك السحابة انطبقت عليهم فأهلكتهم» 87.

وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله سبحانه وتعالى جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم مدة سبعة أيام، لا يكنهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها شررا من نار ولهبا ووهجا عظيما، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 88.

قال الحافظ ابن كثير: «ذكر تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي (الأعراف) ذكر أنهم {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) } [الأعراف:91] .

وذلك لأنهم قالوا: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف:88] .

فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة وفي سورة هود قال: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود:94] .

ذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) } [هود:87] .

قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم فقال: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} وههنا قالوا: فأسقط علينا كسفا من السماء الآية، على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه فأخذهم عذاب يوم الظلة 89.

ومن هنا يعلم أن هناك سببا مشتركا في عقاب الأمم المتقدمة وإهلاكهم، وهو الكفر بالله كفر تحد وعناد، مع الإفساد، في الأرض بالمعاصي الكبائر.

فقوم مدين: «رفضوا دعوة نبيهم شعيب عليه السلام الذي قال لهم: إن الله تعالى واحد فاعبدوه، والحشر كائن، فارجوه، والفساد بالكفر والظلم والمعصية محرم فلا تقربوه، فكذبوه فيما دعاهم إليه وأخبرهم به» 90. فعاقبهم الله كما ذكر هنا، وفي الأعراف بالرجفة، وفي هود بالصيحة، والأمر واحد، فإن الصيحة كانت سببا للرجفة، أي زلزلة الأرض، إما بسبب صيحة جبريل، وإما بسبب رجفة الأفئدة التي ارتجفت منها، ولما كانت الصيحة عظيمة أحدثت الزلزلة في الأرض، فأصبحوا جاثمين ميتين في ديارهم.

وأما ثمود قوم صالح عليه السلام فكذبوا رسولهم، وأعلنوا كفرهم، وهددوا نبيهم بالطرد والإخراج من بلدهم، وعقروا الناقة التي أرسلها الله إليهم معجزة لنبيهم صالح، وكان عقابهم كعقاب أهل مدين بالصيحة أو الزلزلة أو الطاغية، وبقيت آثار ثمود وعاد بالحجر والأحقاف شاهدة على ظلمهم، وآية بينة مؤثرة للمعتبرين المتعظين 91.

أما عاد قوم هود عليه السلام فقد أهلكهم الله تعالى بظلمهم حين فقالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} [فصلت:15] ؟ فأنكروا وجود الإله الخالق القادر، وعتوا وبغوا وتعالوا على الناس، فدمر الله ديارهم بمن فيها: {بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا} [الحاقة:6 - 7] .

وفي إسناد الأخذ إلى الرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة تهويل لما أنزله الله بالكافرين المكذبين رسلهم وكيف كان عقابهم، ومبالغة في تصوير المعنى الذي لا يخفى أثره في النفوس 92.

إن من حكم اقتران مدين وثمود في السياق القرآني هو: في التشابه في الجنس حيث إنهم من العرب وفي أنهم متجاورون في البلدان وفي التشابه في الهلاك، واللعنة والمصير الواحد.

قال تعالى في قصة قوم شعيب عليه السلام: {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) } [هود:89 - 95] .

وقال تعالى في قصة قوم صالح عليه السلام: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) } [هود:66 - 68] . 93.

وأوجه التشابه بينهم فيما يأتي:

1.التشابه في الجنس والكفر، وقطع الطريق.

إن الله تعالى قرن بين ثمود قوم صالح، ومدين قوم شعيب لأنهم كانوا من جنس واحد وهو أنهم من العرب، وكانوا جيرانهم في البلدان، ويشبهونهم في الكفر وقطع الطريق.

قال الإمام ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) } [هود:95] .

أي: كأن لم يعيشوا في دارهم قبل ذلك، ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود، وكانوا جيرانهم قريبا منهم في الدار، وشبيها بهم في الكفر، وقطع الطريق وكانوا عربا مثلهم» 94.

2.التشابه في الهلاك والسحق والبعد.

قال تعالى في قصة قوم شعيب عليه السلام: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) } [هود:94 - 95] .

وقال تعالى في قصة قوم صالح عليه السلام: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) } [هود:66 - 68] .

وأما قوله: {كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} فهو تشبيه: البعد الذي هو انقراض مدين بانقراض ثمود، ووجه الشبه: التماثل في سبب عقابهم بالاستئصال، وهو عذاب الصيحة، ويجوز أن يكون المقصود من التشبيه: الاستطراد بذم ثمود لأنهم كانوا أشد جرأة في مناوأة رسل الله، فلما تهيأ المقام لاختتام الكلام في قصص الأمم البائدة ناسب أن يعاد ذكر أشدها كفرا وعنادا فشبه هلاك مدين بهلاكهم لأن هذه تربية لقوم نبي في حضرته، وتلك صاعقة كانت عذاب خزى لمشركين ظالمين معاندين أنجى الله نبي كل منهما ومؤمنيهما قبلها 95.

روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لم يعذب الله تعالى أمتين بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب أخذتهم من فوقهم 96.

والبعد أكثر ما يقال في الهلاك، نحو: {بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود:95] .

وكذلك يكون البعد بمعنى اللعنة، فيكون أبعده الله في معنى لعنه الله، ومنه قوله تعالى: {أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} ، وقوله تعالى: {فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون:41] .

وقوله تعالى {فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:44] .

وقوله سبحانه: {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} [سبأ:8] .

أي: الضلال الذي يصعب الرجوع منه إلى الهدى تشبيها بمن ضل عن محجة الطريق بعدا متناهيا، فلا يكاد يرجى له العود إليها، وقوله عز وجل: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} [هود:89] .

أي: تقاربونهم في الضلال، فلا يبعد أن يأتيكم ما أتاهم من العذاب 97، والظاهر من السياق الكريم أن المراد الزمن وبعد المسافة، وهكذا قال قتادة: (إنما كانوا حديثي عهد قريب بعد نوح وثمود) .

وقال الطبري: «ويحتمل وما دار قوم لوط منكم ببعيد، ولا مانع من إرادة ذلك كله» 98.

3.التشابه في المصير.

قال تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) } [الأعراف:92] .

أي: أهلك الذين كذبوا شعيبا فلم يؤمنوا به، فأبادهم، فصارت قريتهم منهم خاوية خلاء كأن لم يغنوا فيها، أي: الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها، أي: لم يعيشوا ولم ينزلوا ولم يقيموا ولم ينعموا، وأصله من قولهم: غنية بالمكان إذا أقمت به والمغاني: المنازل 99.

قال الماوردي عند تفسير قوله عز وجل: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} «فيه أربعة تأويلات:

أحدها: كأنهم لم يقيموا فيها، قاله ابن قتيبة.

والثاني: كأن لم يعيشوا فيها، قاله الأخفش.

والثالث: كأن لم ينعموا فيها، قاله قتادة.

والرابع: كأن لم يعمروا فيها، قاله ابن عباس» 100.

تناول القرآن الكريم قصة موسى في مدين من خلال المحاور الآتية:

أولًا: خروج موسى عليه السلام إلى مدين وأسبابه:

ذكر القرآن الكريم قصة خروج موسى عليه السلام من مصر إلى مدين هاربا من فرعون وملائه بسبب قتل القبطي، وذلك في قوله تعالى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) } [القصص:15 - 21] .

يقول تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام لما قتل ذلك القبطي، إنه أصبح في المدينة خائفا من معرة ما فعل يترقب، أي: ينتظر ويتوقع ما يكون من ذلك الأمر، ثم إنهم طلبوه وبعثوا وراءه ليحضروه لذلك، فخرج موسى من مدينة فرعون خائفا من قتله النفس أن يقتل به بعد ما أخبره ذلك الرجل بما تمالئ عليه فرعون ودولته في أمره، وخرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قبله بل كان في رفاهية ونعمة ورئاسة، فخرج منها خائفا يترقب أي: يتلفت، {قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: من فرعون وملئه 101.

واتجه موسى عليه السلام جهة مدين تاركا مدينة فرعون؛ لأنه كما وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم عليه السلام، وهو كان من بني إسرائيل من ولد يعقوب بن إبراهيم 102.

خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه منفردا حافيا لا شيء معه، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر، ولما رأى حاله وعدم معرفته بالطريق وخلوه من الزاد وغيره، فأسند أمره إلى الله تعالى وقال: {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} [القصص:22] .

فقد كان عارفا بالله تعالى عالما بالحكمة والعلم الذي آتاه الله تعالى، وتوجه ناحية مدين، ولم تكن في سلطان فرعون، وبينها وبين مصر مسيرة ثمان أيام وكان موسى لا يعرف إليها الطريق 103.

قال سيد قطب -واصفا حال موسى- في ظلال قوله تعالى: {وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} «ونلمح شخصية موسى عليه السلام فريدا وحيدا مطاردا في الطرق الصحراوية في اتجاه مدين في جنوبي الشام وشمالي الحجاز. مسافات شاسعة، وأبعاد مترامية، لا زاد ولا استعداد، فقد خرج من المدينة خائفا يترقب، وخرج منزعجا بنذارة الرجل الناصح، لم يتلبث، ولم يتزود ولم يتخذ دليلا. ونلمح إلى جانب هذا نفسه متوجهة إلى ربه، مستسلمة له، متطلعة إلى هداه: «عسى ربي أن يهديني سواء السبيل» 104.

وكانت هذه هجرة نبوية تشبه هجرة إبراهيم الخليل عليه السلام إذ قال: {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} [العنكبوت:26] .

وقد ألهم الله موسى عليه السلام أن يقصد بلاد مدين إذ يجد فيها نبيئا يبصره بآداب النبوءة، ولم يكن موسى يعلم إلى أين يتوجه ولا من سيجد في وجهته كما دل عليه قوله {عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ} 105.

ثانيًا: موسى عليه السلام عند ماء مدين وقصته مع الفتاتين:

بين القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام عند ماء مدين، وقصته مع الفتاتين في الآيات الآتية:

قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) } [القصص:23 - 25] .

وجد موسى جماعة كثيرة من الناس على ماء مدين وهم يصفون حال المجتمع الذي يعيشون فيه، يشرب الأقوياء أولًا من الماء الصافي ويسقون أنعامهم ومواشيهم، ثم يشرب الضعيف بقية الماء وهذا شأن الضعيف مع القوي دائما 106.

ووجد في مكان أسفل من مكانهم امرأتين تمنعان غنمهما من ورود الماء مع الرعاة الآخرين، لئلا يؤذيا وتختلط أغنامهما مع غيرها، فلما رآهما موسى عليه السلام رق لهما ورحمهما، فسألهما: ما شأنكما وما خبركما لا تردان الماء مع هؤلاء؟ قالتا: لا نسقي غنمنا، أي: لا نتمكن من سقي الغنم إلا بعد فراغ هؤلاء القوم من السقي، وأبونا شيخ كبير هرم لا يستطيع الرعي والسقي بنفسه، مما ألجأنا إلى الحال التي ترى، وفي هذا اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطاف لموسى في إعانتهما.

فسقى لهما غنمهما لأجلهما من بئر مغطى بصخرة، لا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، ثم انزوى إلى ظل شجرة للراحة، فناجى ربه قائلا: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} أي: إني لمحتاج إلى الخير القليل أو الكثير وهو الطعام، لدفع غائلة الجوع، وفي الآية دلالة على أنه: سقى لهما في حر من الشمس، وعلى كمال قوة موسى عليه السلام، وعلى أنه رغم نعومة عيشه في بلاط فرعون كان مخشوشنًا جلدًا صابرًا.

ويؤيد هذا ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة بسنده عن عمر بن الخطاب: رضي الله عنه «أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم» 107.

ثم فرج الله عن موسى عليه السلام بعد الشدة التي عاناها والرحلة الطويلة التي قطعها: فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا أي: لما رجعت المرأتان سريعا بالغنم إلى أبيهما استغرب وسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى عليه السلام، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها، فجاءت إحداهما تمشي مشي الحرائر، مستحية، متخمرة بخمارها، ساترة وجهها بثوبها، ليست جريئة على الرجال، فقالت في أدب وحياء: إن أبي يطلبك ليكافئك على إحسانك لنا، ويعطيك أجر سقيك لغنمنا 108.

ولما وصل موسى عليه السلام إلى الشيخ الكبير، وأخبره عن قصته مع فرعون وقومه في كفرهم وطغيانهم، وظلمهم بني إسرائيل، وتآمرهم على قتله وسبب خروجه من بلده مصر، أمنه ودفع عنه الخوف، وقال له: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} أي: لا تخف واطمئن وطب نفسا، فإنك نجوت من سطوة الظالمين، وخرجت من مملكتهم، ولا سلطان لهم في بلادنا، فاطمأن موسى وهدأت نفسه من القلق والخوف، وبدأ موسى عليه السلام حياة جديدة في مجتمع جديد 109.

ثالثًا: مكث موسى عليه السلام في مدين سنين وأسبابه:

بين القرآن الكريم المدة التي مكث فيها موسى أنها ثمان أو عشر سنين وسبب ذلك في قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) } [القصص:26 - 28] .

ولكن بينت السنة المدة التي مكث فيها موسى في مدين في ما رواه سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري، حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت، فسألت ابن عباس، فقال: «قضى أكثرهما، وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل» 110.

وقال وهب بن منبه: لبث موسى عليه السلام عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت