فهرس الكتاب

الصفحة 1503 من 2431

والحصر الوارد في آية الأنعام محمول على أنّه لم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرّمٌ غير هذه الأشياء، ثم نزلت سورة «المائدة» بالمدينة. وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة والخمر وغير ذلك، وكذلك فقد حرّم الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كلّ ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وعلى هذا فلا تعارض بين الآيتين، وليست آية الأنعام منسوخة بآية المائدة -وقد ذهب بعض المفسرين إلى القول بذلك-؛ بل كلتا الآيتين محكمتين 43.

ونلاحظ في الأطعمة المحرّمة أنّها إمّا محرمة لذاتها؛ كلحم الخنزير، والدم المسفوح، وكل ذي ناب من السباع وغيرها، وهذه المحرمات مستقذرة في ذاتها، وإمّا أن تكون تلك الأطعمة في الأصل حلالًا، ثم عرض عليها ما جعلها محرّمة؛ كالميتة، والمنخنقة، والموقوذة .. ، فهذه المحرمات إنّما حرّمت لما طرأ عليها من الموت دون تذكية شرعية.

ثالثًا: حكمة التحليل والتحريم:

إنّ ممّا لا شك فيه أنّ تحليل الله عز وجل لكثيرٍ من الأطعمة، وتحريمه لبعضها ينطوي على كثيرٍ من الحكم التي أرادها الله عز وجل؛ وقد يظهر للعباد بعض هذه الحكم، ويخفى عليهم بعضها، والذي يجب أن يقال أولًا: إنّ الله عز وجل يتصرّف في ملكه كيف شاء، ويشرع لعباده ما يريد، وهو سبحانه {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .

ولا ينبغي للعبد أن يقول: لم أحلّ الله هذا الطعام وحرّم ذاك؟ بل الواجب على العبد أن يسلم لأمر الله عز وجل وهو مطمئن البال، واثق بربّه العليم الحكيم سبحانه وتعالى، وبعد ذلك إن ظهر له شيء من حكم التحليل والتحريم فحسن، وإن لم يظهر له فإنّه لا يعترض على أمر الله عز وجل؛ بل يسلّم ويطيع.

والمسلم يعلم أولًا أنّ الله عز وجل يبتلى العباد ويختبرهم؛ يبتليهم بما شرع لهم من الأحكام، وبما فرض عليهم من الواجبات، يبتليهم بالحلال والحرام، يبتليهم بالأوامر والنواهي ليميز سبحانه المطيع من غيره، وليعلم الله -وهو سبحانه أعلم بعباده- من يسلّم ويستجيب لربّه ممن يعترض وينقلب على عقبيه، وقد أخبر الله عز وجل بهذه الحكمة من التشريع في الآيات التي أمر فيها المؤمنين بتحويل قبلتهم إلى المسجد الحرام، حيث قال سبحانه وتعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143] .

قال السعدي عن هذه الآية: «دلّت الآية على أنّه لا يعترض على أحكام الله عز وجل إلا سفيهٌ جاهلٌ معاندٌ؛ وأمّا الرشيد المؤمن العاقل فيتلقى أحكام ربّه بالقبول والانقياد والتسليم، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] .

وقال سبحانه: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [النور: 51] » 44.

ولا شكّ بأنّ فيما أحلّ الله عز وجل لعباده منافع جمّة، ومصالح عظيمة؛ ففي تغذي الإنسان على الطعام الحلال سلامة بدنه، وقوام صلبه، واستقامة صحته، ووفرة قوته، وتقويه على القيام بما أمره الله عز وجل من العبادة وعمارة الأرض.

وبتغذي الإنسان بالأطعمة الحلال يشعر العبد بنعم الله الوفيرة عليه، وبتلذذه بالطيبات تزيد محبته لمن خلق تلك الطيبات، وأحلّها للعباد، ولا شكّ بأنّ المؤمن كلما ازداد شعورًا بنعمة الله عز وجل عليه زاد لربّه شكرًا، وامتلأ قلبه محبّة للمنعم سبحانه وتعالى، وازداد علمًا ومعرفة بفضل الله عز وجل عليه، ولا شك أنّ ذلك كله من مقاصد الدين.

وإنّ الله عز وجل ما خلق الطيبات ليحرّمها على العباد؛ وما خلقها ليتخذها العباد وسيلة للمعصية والفساد؛ بل خلقها سبحانه ليتنعموا بها، ولتكون وسيلة يصلون بها إلى مرضاة ربّهم جل وعلا، وتحصيل النعيم الأكبر بالفوز بدار النعيم في الآخرة.

هذه بعض الحكم من تحليل الطيبات؛ أمّا عن حكم تحريم الخبائث فلا شكّ بأنّ في تحريم الله عز وجل لتلك الأطعمة المحرّمة نفعٌ للعباد، ومصلحة عظيمة لهم؛ فإنّ تلك الأطعمة المحرّمة إنّما هي ممّا تأباه الفطر السليمة، وتستقذره النفوس الرشيدة، ولا يمكن لعبدٍ عاقلٍ أن يجد في تلك المحرمات أمرًا طيبًا، أو فائدة مرجوّة؛ فالحرام ضررٌ محض، وفي اجتنابه السلامة والمعافاة.

ومن الحكم التفصيليّة لتحريم بعض الأطعمة والأشربة:

أولًا: الحفاظ على العقل الذي به تتم عبادة الله عز وجل، وعمارة الأرض؛ وذلك بتحريم كلّ ما يعطل العقل كالخمر والمسكرات والمخدرات.

ثانيًا: الحفاظ على النفس؛ وذلك بتحريم كلّ ما يحدث الضرر بها، أو يشكّل خطرًا عليها.

ثالثًا: حفظ المال بعدم إضاعته فيما لا نفع فيه.

رابعًا: الوقاية من الأمراض الناتجة عن تلك الأطعمة المحرمة؛ كالدم المسفوح الذي يعد أنسب مكان لانتشار الجراثيم ونموها.

خامسًا: من حكم تحريم لحم الخنزير أنّه قد اكتشف أنّ له قابلية كبرى لجميع الأمراض الميكروبية المعدية؛ أمّا الميتة فينحبس الدم فيها في الشرايين، مما يؤدي إلى التعفن وتجمع الجراثيم والميكروبات الضارة والسامة.

وهناك حكمٌ خاصة بتحريم أصناف معينة من الأطعمة ذكرها العلماء، ولا زال العلماء يكتشفون في الأطعمة المحرمة أضرارًا وأمراضًا خطيرة، وكلما اكتشفوا شيئًا علموا عظمة شرع الله عز وجل في تحريم تلك الخبائث.

والعبد المؤمن لا ينتظر العلماء وأهل الطب ليكشفوا له عن أسرار التحريم؛ لأنّه يعلم أنّ ذاك التحريم إنّما هو من عند العليم الحكيم، ولا يشرع لعباده إلا الشرع الحكيم، الذي فيه استقامة الحياة، والسعادة والسرور، يقول الشيخ القرضاوي: «وليس من اللازم أن يكون المسلم على علمٍ تفصيليٍّ بالخبث أو الضرر الذي حرّم الله من أجله شيئًا من الأشياء، وقد لا ينكشف خبث الشيء في عصره، ويتجلى في عصر لاحق، وعلى المؤمن أن يقول دائمًا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] .

ألا ترى أنّ الله حرّم لحم الخنزير فلم يفهم المسلم من علة لتحريمه غير أنّه مستقذر، ثم تقدم الزمن فكشف العلم فيه من الديدان والجراثيم القاتلة ما فيه، ولو لم يكشف العلم شيئًا في الخنزير، أو كشف ما هو أكثر من ذلك فإنّ المسلم سيظل على عقيدته بأنّه رجس» 45.

ولا بدّ من الإشارة -أخيرًا- إلى أنّ من رحمة الله عز وجل، وعظيم كرمه على عباده أنّه سبحانه إذا حرّم على العباد شيئًا عوضهم خيرًا منه، وأبدلهم ما هو أجلّ وأنفع 46، فيعلم العبد أنّ الله عز وجل ما يريد أن يحرم عباده؛ وإنّما شرع لهم ما تستقيم به حياتهم، وتسعد به أنفسهم، وفي الحلال كفاية للعباد عن الحرام، قال ابن القيم: «فما حرّم الله على عباده شيئًا إلا عوضهم خيرًا منه؛ كما حرّم عليهم الاستقسام بالأزلام، وعوضهم منه دعاء الاستخارة، وحرّم عليهم الرّبا، وعوضهم منه التجارة الرابحة .. ، وحرّم عليهم الحرير، وأعاضهم منه أنواع الملابس الفاخرة؛ من الصوف والكتان والقطن، وحرّم عليهم الزنا واللواط، وأعاضهم منهما بالنكاح والتسري بصنوف النساء الحسان، وحرّم عليهم شرب المسكر، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن .. ، وحرّم عليهم الخبائث من المطعومات، وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات، ومن تلمّح هذا وتأمّله هان عليه ترك الهوى المردي، واعتاض عنه بالنافع المجدي، وعرف حكمة الله ورحمته وتمام نعمته على عباده فيما أمرهم به ونهاهم عنه، وفيما أباحه لهم، وأنّه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجةً منه إليهم، ولا نهاهم عنه بخلًا منه تعالى عليهم؛ بل أمرهم بما أمرهم إحسانًا منه ورحمةً، ونهاهم عمّا نهاهم عنه صيانةً لهم وحميةً» 47.

[انظر: الأكل: أنواع المأكولات من حيث الطيب والخبث]

إنّ الحديث عن الإطعام ممّا لا ينبغي أن يغفل عنه في سياق الحديث عن الطعام في كتاب الله عز وجل؛ فلقد ذكر الإطعام في القرآن الكريم -مكيّه ومدنيّه- مرارًا، وبيّن الله عز وجل قيمة الإطعام وأهميته، وبيّن فضل المطعمين، وأنواع الإطعام، وفي ذلك تنبيه على أهمية الإطعام في دين الله عز وجل.

ومن تأمّل في الآيات التي تحدّثت عن الإطعام يجد أنّ الإطعام له مكانةٌ عظيمةٌ في الإسلام، فهو شعيرةٌ من شعائر الدين، وقربةٌ من أجلّ القربات إلى العلي الكبير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حينما سأله رجلٌ: أيّ الإسلام خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) 48.

لقد أخبر القرآن الكريم بأنّ إطعام الطعام للمساكين والفقراء والأسرى المحتاجين من خصال عباد الله المخلصين، فقال عز وجل مادحًا لهم، ومبينًا لفضلهم: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 6 - 9] .

وكيف لا يكون للإطعام تلك المكانة الرفيعة في دين الله عز وجل؟! وقد جعله الله سبحانه من الأمور التي بها يجوز العبد العقبة الكبرى يوم القيامة، فهو سبب للنجاة، وموصل للفلاح، قال الله عز وجل: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) } [البلد: 11 - 18] .

وإنّ ممّا يدلّ على أهمية الإطعام في الإسلام أنّ القرآن الكريم أخبر بأنّ عدم إطعام الفقراء والمساكين سيكون سببًا للوقوع في عذاب الله عز وجل يوم القيامة، قال الله عز وجل مخبرًا عن أصحاب النار: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ} [المدثر: 42 - 44] .

بل إنّ الله عز وجل قد ذمّ الذي لا يحضّ على طعام المسكين، فقال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: 1 - 3] .

فقد قرن الله عز وجل عدم الحضّ على طعام المسكين مع الكفر بالله، والتكذيب بالدين، والتهاون في الصلاة، ولا شكّ بأنّ في ذلك تشنيع على الذي لا يحضّ على طعام المسكين، فلا هو يطعم، ولا هو يحضّ غيره على الإطعام.

ولقد أكّد النبي صلى الله عليه وسلم على أهمية الإطعام، وعظيم أجره عند الله عز وجل، وقد قرنه مع فضائل الأعمال، فقال صلى الله عليه وسلم: (أيّها النّاس؛ أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) 49

وحذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من البخل بالطعام والشراب عن الفقراء والمساكين؛ من الأقارب والجيران وغيرهم، وبيّن أنّ ذلك ليس من شيم الإيمان، ولا من أخلاق الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن الذي يشبع و جاره جائع إلى جنبه) 50.

وفي النقاط الآتية بإذن الله تعالى بيان لأصناف المطعمين، وأنواع الإطعام وشروطه.

أولًا: أصناف المُطْعَمين:

لقد بيّن الله عز وجل أنّ في المجتمع أصنافًا من الناس يستحقون الإطعام، ويقدمون على غيرهم في ذلك؛ لأنّهم أشدّ حاجة للطعام، بسبب ما ابتلاهم الله عز وجل من فقرٍ أو يتمٍ أو حاجةٍ، ومعلومٌ أنّ العمل الصالح يكون أعظم إذا ما كان نفعه أكبر.

ومن تتبع آيات الكتاب العزيز يجد أنّ الله عز وجل وجّه المطعمين إلى توجيه إطعامهم إلى الأصناف الآتين من الناس:

1.المساكين.

وهم أكثر من أمر الله عز وجل بإطعامهم في القرآن الكريم، وأغلب الآيات التي ذكرت الإطعام إنّما جعلته للمساكين، والمساكين جمع مسكين، والمسكين هو الذي لا شيء له، وقيل: هو الذي له بعض الشيء؛ ولكن لا يسدّ حاجته، ولا يكفيه 51، وقد اختلف أهل اللغة والمفسرون والفقهاء في تحديد الفرق بين المسكين والفقير، ومن منهم أشدّ حاجة، فقال البعض: هما مترادفان 52، وقال بعضهم: الفقير أشدّ حاجة، وقال آخرون: المسكين أشدّ حاجة 53، والذي يعنينا هنا أنّ المسكين هو من كان في عوز وحاجة، ويدخل الفقير في هذه الصفة.

ولعلّ الحكمة في الإكثار من الوصية بإطعام المساكين أنّ هذا النوع من الناس في حاجة شديدة إلى العناية والرعاية؛ لأنّهم -في الغالب- يفضلون الاكتفاء بالقليل على إراقة ماء وجوههم بالسؤال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن المسكين: (ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان؛ ولكنّ المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن به فيتصدّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس) 5455.

وقد أخبر الله عز وجل أنّ في إطعام هؤلاء المساكين منفعة كبيرة للعبد يوم القيامة؛ إذ بهذا العمل الصالح تقتحم العقبة، وتنال الجنة، قال الله عز وجل: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11 - 16] .

والمسكين ذو المتربة هو صاحب الفقر الشديد؛ كأنّه لصق بالتراب لشدّة حاجته، وقال ابن عباس رضي الله عنه: هو المطروح في التراب لايقيه شيء 56.

وقد جعل الله عز وجل للمساكين حظًّا وافرًا من الإطعام، إذ إنّ كثيرًا من الكفارات إنّما هي طعامٌ يصرف للمساكين، ففي كفارة اليمين أمر الله عز وجل بإطعام عشرة مساكين: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} [المائدة: 89] .

ومن ظاهر من زوجته، ولم يستطع تحرير رقبة ولا صيام ستين يومًا فعليه إطعام ستين مسكينًا، قال سبحانه وتعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} [المجادلة: 3 - 4] .

وكذلك فقد جعل الله عز وجل فدية الإفطار في رمضان بسبب كبر سنٍّ، أو مرضٍ لا يرجى برؤه فدية طعام مسكين، قال تعالى: {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] .

ومن قتل صيد البر وهو محرم فعليه كفارة طعام مساكين، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} [المائدة: 95] .

2.اليتامى.

ولا يخفى حال اليتيم من ضعف وعوز، وفقدان للمعيل؛ فكانت الوصية باليتامى عظيمة في كتاب الله عز وجل، ومن الوصية بهم أنّ الله عز وجل حثّ على إطعامهم ورعايتهم؛ بل وجعل ذلك من عظيم القربات، وأجلّ الطاعات، قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11 - 16] .

فإطعام اليتامى في أيام المجاعات من خير ما تجتاز به العقبة، وتنال به الرحمة، وإنّما خص الإطعام في يوم المسغبة والمجاعة لأنّ الحاجة إليه أشدّ، ويكون الطعام في مثل تلك الأوقات عزيزًا، قال الفخر الرازي: «واعلم أنّ إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس، وأوجب للأجر» 57.

ولا شكّ بأنّ في إطعام اليتامى مصلحة عظيمة للمجتمع، وخير كبير للأمة، إذ في إطعامه سدٌّ لحاجته، ومواساة لحاله، ومن ثمّ صلاح لأمره، قال ابن عاشور: «ووجه تخصيصه بالإطعام أنّه مظنة قلة الشبع؛ لصغر سنّه، وضعف عمله، وفقد من يعوله، ولحيائه من التعرض لطلب ما يحتاجه؛ فلذلك رغّب في إطعامه، وإن لم يصل حدّ المسكنة» 58.

3.الأسرى.

ولقد ذكر الله عز وجل إطعامهم رفقًا بحالهم، فالأسير محبوس، ممنوع من أهله وماله، وهو في ضعف وحاجة، فكان في إطعامه الفضل والطاعة، وقد مدح الله عز وجل من يطعمون الأسرى بقوله: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } [الإنسان: 6 - 8] .

وقد ذكر المفسرون أقوالًا في المراد بالأسرى في الآية؛ فقالوا: هو الأسير المشرك، وقالوا: المحبوس بحق من المسلمين، وقالوا: هو العبد؛ إذ هو أسير عند سيده، وقالوا: المرأة؛ فهي أسيرة عن زوجها، وقد رجح القرطبي أنّ جميع من ذكروا داخلون في الآية 59.

والراجح -والله أعلم- أنّ المعنيين في الآية الأسرى المحبوسين؛ من المسلمين والمشركين؛ أمّا العبيد عند أسيادهم، والنساء عند أزواجهنّ فهم ليسوا بأسرى على الحقيقة، وقد جاء الحثّ على إطعامهم والإحسان إليهم -في غير هذه الآية- في نصوصٍ كثيرةٍ من الشرع الحكيم.

4.البائس الفقير.

لقد أمر الله عز وجل بإطعام هذا الصّنف من الناس من بهيمة الأنعام التي تذبح أو تنحر تقربًا إلى الله عز وجل من الهدي والأضاحي، قال الله عز وجل: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج: 27 - 28] .

والمراد بالبائس الفقير في الآية: من كان شديد الفقر، عظيم الحاجة، وقد وصفه الله بالفقير بعد وصفه بالبائس لمزيد إيضاح وبيان 60.

5.القانع والمعتر.

وقد أمر الله عز وجل بإطعامهم من البدن التي تذبح هديًا أو أضحية، وذلك في قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج: 36] .

وللمفسرين أقوال كثيرة في معنى القانع والمعتر:

منها: أنّ القانع هو الذي يسأل الناس، والمعتر هو الذي لا يسأل.

ومنها: أنّ القانع هو المتعفف، والمعتر هو السائل.

ومنها: أنّ القانع هو السائل، والمعتر هو الذي يعتريك ولا يسأل.

وغير ذلك من أقوال 61.

والجامع بين تلك الأقوال جميعًا أنّ القانع والمعتر من أصناف الناس الفقراء في المجتمع، ولا شكّ بأنّ الشرع قد أوصى بالعناية بهم وإطعامهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت