فهرس الكتاب

الصفحة 2003 من 2431

وفي بيان مصارف الزكاة يقول سبحانه: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ? فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:60] .

قال ابن قدامة: «فلا يجوز صرف الزكاة إلى غير من ذكر الله تعالى في الآية، من بناء المساجد والقناطر وإصلاح الطرق وما شابه ذلك من القرب التي لم يذكرها الله تعالى، لقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) و (إِنَّمَا) للحصر والإثبات، تثبت المذكور وتنفي ما عداه» 134.

لأن الإنسان مأمور بحفظ نفسه ووقايتها مما يتلفها أو يهلكها، وإنما يكون ذلك بالطعام والشراب والملبس وكل ما دعت له حاجة أو ضرورة تقتضيها حفظ النفس.

قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء:34] .

وقال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ? وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ? لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ? سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق:7] .

فنفقة الزوجة واجبة على زوجها، وهي من آكد حقوقها عليه، فيلزمه توفير كل ما تحتاج إليه، سواءً كان موسرًا أو معسرًا، فيجب عليه نفقتها حتى ولو كانت غنية ذات مال.

قال القرطبي في تفسير آية الطلاق: «أي: لينفق الزوج على زوجته، وعلى ولده الصغير، على قدر وسعه، حتى يوسع عليهما إذا كان موسعًا عليه، ومن كان فقيرًا فعلى قدر ذلك» 135.

ومما جاء في نفقة الزوجة والولد قوله تعالى: (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة:233] .

إن كان الإنسان غنيًّا موسرًا قادرًا على الإنفاق، وكان ذوي قرابته فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به، فهنا تجب النفقة على المحتاجين إليها من قرابته كأصوله وفروعه، وإخوته وأخواته، ونحوهم.

قال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى? حَقَّهُ) [الإسراء: 26] .

والمعنى: «أعط أيها الإنسان المكلف القريبَ حقَّهُ، من صلة الرحم والود، والزيارة، وحسن المعاشرة، والنفقة إذا كان محتاجًا إليها» 136.

2.رد الحقوق إلى أصحابها.

ومن ذلك:

قال تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى? أَمْوَالَهُمْ ? وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ? وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى? أَمْوَالِكُمْ ? إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) [النساء:2] .

وقال سبحانه: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى? حَتَّى? إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ? وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ?) [النساء:6] .

وقد أمر سبحانه بكتابة الدين صغيرًا كان أم كبيرًا إلى أجله، ودعا فيه للعدل، والتوثيق والإشهاد، حفاظًا على الحقوق، واثباتًا لها، لتيسير ردها لأصحابها متى حل الأجل وطالب صاحب المال بالدين. كما في آية المداينة.

[انظر: الدَين: كتابة الدين]

3.الإنفاق في تلبية حاجات الإنسان وضروراته.

كالإنفاق في تحصين النفس وإعفافها.

قال تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) [النساء:24] .

4.الانفاق في المباحات.

كالعطايا والهدايا، وما يقتنيه الإنسان من كماليات زائدة على ضرورياته.

قال تعالى: (ھ ھ ے ے وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ ? وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ?) [الروم:39] .

قال ابن كثير: «أي: من أعطى عطية يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم، فهذا لا ثواب له عند الله - بهذا فسره ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والشعبي - وهذا الصنيع مباح وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) [المدثر:6] .

أي: لا تُعْطِ العطاء تريد أكثر منه.

وقال ابن عباس: الربا رباءان، فربا لا يصح -يعنى: ربا البيع- وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها وأضعافها. ثم تلا هذه الآية: (ھ ھ ے ے وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ) » 137.

فالإنفاق إذا كان في غير معصية فهو مباحٌ، ما تجنب الإسراف فيه، كالإنفاق على ملاذ النفس، فإنه إذا كان على وجه يليق بحال المنفق وقدره فهو مباح وليس بإسرف 138.

وكذا إنفاق الإنسان على أصناف ما يحتاجه من غير الضرورات في الملبس والسكن والمركب، فإنه مباح مالم يصل حد الإسراف.

4.الإنفاق في الجهاد في سبيل الله.

من أعظم وجوه الإنفاق المحمودة والممدوح فاعلها، الإنفاق على الجهاد في سبيل الله تعالى، نشرًا للدين، ودفاعًا عنه، وحمايةً وعونًا للمسلمين، ودحرًا للأعداء والمحتلين.

فالجهاد بالمال نوع من أنواع الجهاد المأمور بها شرعًا، وقد قرنه الله تعالى مع الجهاد بالنفس في القرآن الكريم، بل قدم ذكر المال على النفس في معظم الآيات.

ولعل من أسباب تقديم الجهاد بالأموال على الأنفس أن نفع الأموال متعدٍّ ومتنوع، بخلاف الجهاد بالنفس، فإن نفعه مقتصر على ذاته في الأعم والأغلب.

وكذا فإن كل إنسان باستطاعته الجهاد بماله بقدر طاقته، وليس كل إنسان قادرًا على الجهاد بالنفس، كما أن المجاهد لا يتمكن من الجهاد بالنفس مالم يتوفر له المال الذي يعد به نفسه ويشتري به سلاحه، ولعل ذلك من أسباب تقديم المال على النفس في آيات الجهاد.

والجهاد بالمال هو التجارة الرابحة مع الله تعالى في ميدان الأعمال الصالحة التي تقرب إلى رضوان الله، وتكون سببًا للنجاة من العذاب.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة:111] .

وقال سبحانه: (ں يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى? تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ?10?تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ?11?) [الصف:10 - 11] .

قال الشوكاني: «جعل العمل المذكور بمنزلة التجارة؛ لأنهم يربحون فيه كما يربحون فيها، وذلك بدخولهم الجنة ونجاتهم من النار» 139.

وصفة أهل الإيمان المبادرة إلى بذل أموالهم في الجهاد لا التردد أو الشك أو الحيرة الذي هو سلوك أهل النفاق.

قال تعالى: (لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ?44?إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ?45?) [التوبة:44 - 45] .

وقال سبحانه: (ھ ھ ے ے إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحجرات:15] .

وقد فاضل الله تعالى بين القاعد والمجاهد بماله ونفسه، وفارق بينهما في الدرجات، وقرر عدم المساواة بينهما.

قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ? فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ? وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى? ? وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ?95?) [النساء:95] .

وقال سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ?20?) [التوبة:20] .

فصاحب الضرر والعذر لما عجز عن الجهاد بالنفس فتح الله تعالى له باب الجهاد بالمال، وفي هذا فرصة لكل مسلم وسع الله عليه في الرزق، ولا يمكنه الجهاد بالنفس - لأي سببٍ من الأسباب - أن ينال ثواب الجهاد وشرفه، بماله وإنفاقه على الجهاد، سواءً في تجهيز الغزاه والمجاهدين، أو توفير العدد والآلات وما يحتاج إليه من سلاح، أو بقيامه على مصالح أهل المجاهد فيخلفه في أهله. وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) 140.

ويتأكد شرف وفضل الجهاد بالمال حال الشدة والضيق والحاجة، كما هو حاصل اليوم للمسلمين في فلسطين وبلاد الشام، فالإنفاق هذا الوقت أعظم درجةً من الإنفاق في أوقات أخرى، لأنه وقت حاجة، كما كان الإنفاق قبل فتح مكة وقت حاجة الأمة وضرورتها أعظم من الإنفاق بعد الفتح والتمكين، وفي كلٍ خير.

قال تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ? أُولَ?ئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ? وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى? ? وَاللَّهُ) [الحديد:10] .

والجهاد بالمال في هذه الأيام من أعظم الأعمال، لا سيما مع تسلط أعداء المسلمين عليهم، وجهودهم في التضييق على أهل الإسلام بالحصار، والمصادرة، وإتلاف المزارع، وهدم البيوت، والاعتقال، والقتل. كما هو واقع في كثير من بلاد الإسلام اليوم.

فالواجب على المسلمين تجاه إخوانهم المجاهدين في كل مكان، البذل والعطاء والإنفاق قدر المستطاع، وقد تيسر اليوم بفضل الله تعالى الجهاد بالمال لكل من يريد، عن طريق الجمعيات والهيئات والمؤسسات الحكومية والخيرية، إضافةً إلى الحملات التي تقوم بها تلك الجهات المعتمدة، وعلينا الثقة بمؤسساتنا وجمعياتنا وهيئاتنا، وعدم الانسياق أو تصديق ما يثار من شبهات أو تشكيكٍ أو شائعات حول عدم وصول هذه الأموال لمستحقيها؛ لأن هذا من إرجاف أهل النفاق.

فالواجب الإنفاق وابتغاء الأجر والثواب من الله، وتأمل حصول الفلاح الذي جعل الله تعالى أحد أسبابه الجهاد بالمال.

قال تعالى: (لَ?كِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [التوبة:88] .

ويتحقق بجهاد المال معنى التكافل والتعاون والولاء لأهل الإيمان، والتضامن بين المسلمين ضد أعدائهم، فتتقارب قلوبهم وإن تباعدت بينهم المسافات.

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ?) [الأنفال:72] .

ولأهمية الجهاد بالمال - إضافةً على تقديمه على جهاد النفس في أكثر المواضع - فإن كل آية ورد فيها الحث على الإنفاق في سبيل الله عامة، يكون الإنفاق على الجهاد من أوائل ما تشمله الآيات وتدل عليه، كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:261] .

قال مكحول: «يعنى به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك» 141.

وقال الطبري: «مثل الذين ينفقون أموالهم على أنفسهم في جهاد أعداء الله بأنفسهم وأموالهم» 142.

بل جعل الإنفاق على الجهاد، أحد مصارف الزكاة الثمانية، لأهميته وعظيم أثره.

قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ? فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:60] .

قال السعدي: « (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) الغازي في سبيل الله، وهم: الغزاة المتطوعة، الذين لا ديوان لهم، فيعطون من الزكاة ما يعينهم على غزوهم، من ثمن سلاح أو دابة، أو نفقة له ولعياله، ليتوفر على الجهاد ويطمئن قلبه» 143.

وقال الزحيلي: « (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) : هم في رأي الجمهور الغزاة المجاهدون الذين لا حق لهم في ديوان الجند، يعطون ما ينفقون في غزوهم، كانوا أغنياء أو فقراء، لأن السبيل عند الإطلاق الغزو، وهو المستعمل في القرآن والسنة 144»

6.الإنفاق في وجوه الخير المتنوعة:

من وجوه الإنفاق المشروعة، والتي دعا إليها القرآن العظيم وحث على البذل في سبيلها، الإنفاق في أنواع التطوعات والقربات وأبواب البر المتعددة.

قال تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ?177?) [البقرة:177] .

دلت هذه الآية على أنواع البر كلها، كما قال الثوري 145.

وفسر سبحانه البر بالإيمان والتصديق التام بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ثم ثنى بذكر الصدقة (.وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ?) أي: تصدق وأعطى من ماله مع حبه له تقربًا لله تعالى وطلبًا لرضاه عزوجل. ومن إيتاء المال على حبه، أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة، كانت أفضل، لأنه في هذه الحال، يحب إمساكه، لما يتوهمه من العدم والفقر 146.

كما في الحديث: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم؟ قال: (أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى) 147.

وكذلك إخراج النفيس من المال يعتبر من إيتاء المال على حبه.

قال تعالى: (. لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى? تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ?) [آل عمران:92] .

وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى? حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ?8?إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ?9?) [الإنسان:8 - 9] .

ثم ذكر سبحانه أصنافًا ممن ينفق عليهم، فذكر الأقارب وهم أولى الناس بالبر والإحسان، ثم (اليتامى) وهم من لا كاسب لهم ممن فقد أباه، ولا قوة له يستغني بها، فمن رحمة الله تعالى بعباده أن أوصى عباده بالإحسان إليهم، ثم (المساكين) الذين أذلهم الفقر، فلهم حقٌّ على الأغنياء بما يخفف عنهم هذه المسكنة، ثم ذكر (ابن السبيل) وهو الغريب المنقطع، في غير بلده، فحث الله على إعطائه من المال، ما يعينه على سفره، وييسر عليه حياته في غربته، (والسائلين) الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج، توجب السؤال. ويدخل فيه من يسأل لتعمير المصالح العامة كالمساجد والمدارس، فهذا له حق، وإن كان غنيًا، (وفي الرقاب) يدخل فيه العتق والإعانة عليه، وفداء الأسرى عند الكفار أو الظلمة 148.

ومثل ذلك ما جاء في آية المكاتبة: (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ?) [النور: 33] .

وفيه حثٌّ للناس على الإنفاق والبذل للملوك بما يعينه على عتق رقبته، يستوي في ذلك مولاه ومن سواه من الناس، ولهذا جعل سبحانه للمكاتبين (الرقاب) نصيبًا مفروضًا من الزكاة.

فاشتملت الآية على أبواب البر، ونبهت على أصنافٍ ممن تدفع إليهم الصدقات، وينجم عن الإحسان إليهم خيرات ومصالح عظيمة.

وقد رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق في سبيل الله تعالى، وضرب لذلك مثلًا يشوق النفوس للبذل والعطاء، ويدفعها للتصدق بسخاء، في تمثيل بديع يصف ثواب المتصدق وعظم أجره.

قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة:261] .

أي: ينفقون أموالهم في طاعة الله.

قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال سعيد بن جبير: في طاعة الله. وقال مكحول: يعنى به الجهاد، من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك. وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد سبعمائة، فإن في هذا إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عزوجل لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة» 149.

وقال السعدي في تفسير الآية: «هذا بيانٌ للمضاعفة التي ذكرها الله في قوله: (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) .

وهنا قال: (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍڑ) أي: في طاعته ومرضاته، وأولاها إنفاقها في الجهاد في سبيله.

وهذا إحضار لصورة المضاعفة بهذا المثل، الذي كأن العبد يشاهده ببصره، فيشاهد المضاعفة ببصيرته، فيقوى شاهد الإيمان مع شاهد العيان، فتنقاد النفس مذعنةً للإنفاق، سامحة بها، مؤملة لهذه المضاعفة الجزيلة والمنة الجليلة (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: بحسب حال المنفق وإخلاصه وصدقه، وبحسب حال النفقة وحلها ونفعها ووقوعها موقعها» 150.

ثم ذكر سبحانه شرط الإنفاق المقبول وثوابه فقال عز وجل: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ? لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:262] .

لما ذكر سبحانه في الآية السابقة الإنفاق في سبيل الله وفضله، بين في هذه الآية أن ذلك الثواب إنما هو لمن لا يتبع إنفاقه منًّا ولا أذى، لأن المن والأذى مبطلان للصدقة، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوقه. والمن: هو ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها.

وهو من الكبائر، كما في الحديث، أن المنان أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم 151.

والأذى: السب والتشكي، وهو أعم من المن، لأن المن جزء من الأذى، لَكِنْ نَصَّ عليه لكثرة وقوعه 152.

قال الطبري: «وإنما شرط ذلك في المنفق في سبيل الله، وأوجب الأجر لمن كان غير مانٍّ ولا مؤذٍ من أنفق عليه في سبيل الله؛ لأن النفقة التي هي في سبيل الله: ما ابتغى به وجه الله وطلب به ما عنده» 153.

ثم عقب الله تعالى بقوله: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ? وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ?263?) [البقرة:263] .

فقرر سبحانه أن القول الطيب والكلمة بالمعروف، والمغفرة، خيرٌ وأفضل من تلك الصدقة المتبوعة بالمن والأذى، وتنفيرًا من ذلك الفعل - المن والأذى - شبه الله تعالى بعض المتصدقين الذين يتصدقون طلبًا للثواب ويعقبون صدقاتهم بالمن والأذى، بالمنفقين الكافرين الذين ينفقون أموالهم لا يطلبون من إنفاقها إلا الرياء والمدحة، إذ هم لا يتطلبون أجر الآخرة، فقال عزوجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى? كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) [البقرة:264] .

ثم ضرب الله تعالى مثلًا رائعًا، للمنفق المبتغي بإنفاقه وجه الله تعالى وثوابه الجزيل، فقال سبحانه: (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?265?) [البقرة:265] .

ثم عقب بمثلٍ آخر، فيه تمثيل لنهاية المن والأذى، وكيف يمحق الله آثار الصدقة المتبوعة بالمن والأذى محقًا في وقت لا يملك صاحبها قوةً ولا عونًا، ولا يستطيع لذلك المحق دفعًا ولا منعًا، فقال تعالى: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ?266?) [البقرة:266] .

وقد امتدح الله تعالى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأثنى عليه بقوله: (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ?17?الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى? ?18?وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى? ?19?إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى? ?20?وَلَسَوْفَ يَرْضَى? ?21?) [الليل:17 - 21] .

أي: ينفق ويطلب بإنفاقه تزكيه نفسه، وتطهيرها من العيوب والذنوب، قاصدًا بذلك وجه الله تعالى، مبتغيًا رضاه 154.

والإنفاق في سبيل الله باب واسع يدخل فيه عموم الإحسان والصدقات والمعونات والمساعدات التي تقدم، سواءً للأفراد من ذوي القربى وغيرهم، أو للمؤسسات والهيئات والجمعيات، كتلك التي تهتم بكفالة الأيتام، أو الأرامل، أو تقوم على تحفيظ القرآن، أو تدعم مشاريع الخير من الإسكان وحفر الآبار، وبناء المساجد، وإنشاء المدارس، أو إغاثة المحتاجين سواءً داخل البلاد أو خارجها.

وقد تيسر بفضل الله تعالى للإنسان الإنفاق في جميع وجوه الخير، بوجود المكاتب التوعوية لتلك الهيئات والمؤسسات المعتمدة، والتي تقوم على استلام الأموال وإيصالها إلى أصحابها ومن ينتفع بها، لا سيما في مواسم الخير كشهر رمضان وموسم الحج، كذلك الحسابات البنكية المعلنة لتلك الجمعيات أو الهيئات أو الجهات، مما ييسر على الإنسان البذل والعطاء في أبواب البر المتعددة.

فلم يبق للإنسان إلا نفس راضية سخية تبذل في سبيل الله، وتبتغي فضله، وتطلب ثوابه، وتقصد وجهه الكريم.

وأبواب إنفاق المال في الخير كثيرة، وكلما كان الإنفاق أنفع لعمومه، أو شدة الحاجة إليه، أو جلبه لمصالح أخرى، كان أفضل وأجدى.

ثانيًا: ثمرات الإنفاق المشروع:

أولًا: وجوه الإنفاق الممنوع:

كما بين الله تعالى وجوه الكسب الممنوعة، وحرم كل كسبٍ خبيثٍ ونهى عن تحصيل المال وجمعه بطريقة من الطرق المذمومة التي سبق بيانها، فإنه كذلك نبه عباده إلى وجوه من الإنفاق محظورة، ومصارف للمال ممنوعة، وأبواب من الدفع محرمة وغير مشروعة، حفاظًا على هذا المال، وحتى لا يكون المال - وإن كان من كسب حلال - سببًا في حصول الوزر والإثم، بإنفاقه فيما لا ينبغي. ومن وجوه صرف المال وبذله الممنوعة ما يأتي:

تقدم الأمر بإخلاص النية في الإنفاق لله تعالى، وقد ضرب الله تعالى مثلًا بمن ينفق ماله طلبًا للمحامد فقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى? كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ? لَا يَقْدِرُونَ عَلَى? شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ?264?) [البقرة:264] .

في الآية تشبيه بعض المتصدقين الذين يتصدقون طلبًا للثواب، غير أنهم يتبعون صدقاتهم بالمن والأذى، بالمنفقين المرائين الذي ينفقون أموالهم لا يطلبون من إنفاقها إلا السمعة والرياء والمفاخرة بين الناس. ثم شبه تعالى من أنفق ماله رياءً - وهو المقصود هنا - بالحجر الذي لا خصب فيه ولا ليونة، يغطيه تراب خفيف يحجب قسوته عن العين، فإذا نزل مطر غزير على هذا الحجر، ذهب بالتراب، وانكشفت حقيقته وظهرت قسوته ولم ينبت زرعه، ولم يثمر ثمره، فكذلك القلب الذي أنفق طلبًا للظهور بين الخلق، فإن إنفاقه هذا لا يثمر خيرًا، ولا يكسبه أجرًا؛ لأنه يذهب ويضحمل عند الله وإن ظهر له عمل فيما يرى الناس، كالتراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت