فهرس الكتاب

الصفحة 2344 من 2431

••بيان أن فعل المعصية عداوة لله وأولياء الرحمن، يقول تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ?98? [البقرة: 98] .

••إعلان الحرب على فاعل المعصية من الله، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?278?فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ?279?) [البقرة: 278 - 279] .

••بيان أن المؤمنين يجتنبون المعاصي ولا يقتربون منها، يقول تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَ?نِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ?63?) [الفرقان: 63] . إلى قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَ?هًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ? وَمَنْ يَفْعَلْ ذَ?لِكَ يَلْقَ أَثَامًا ?68?) [الفرقان: 68] . إلى قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ?72?وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ?73? [الفرقان: 72 - 73] .

ثالثًا: اتباع الوحي والاستمساك به:

إن موقف الناس من الوحي بين أمرين: إما الاتباع، وإما الإعراض، أما أهل الإعراض فيحتاجون إلى وقفة معهم -وستأتي إن شاء الله عز وجل - ذلك أن أسباب الإعراض وسبله متعددة، وليس هو من باب التعامل المطلوب بيانه والدعوة إليه، بل المطلوب هو بيانه والتحذير منه، وأما الاتباع فهو مندرج تحت عنوان هذا القسم، وإن كان كلٌّ من الأمرين يحتاج إلى إفراده في بحث خاص كامل، فالناس جميعًا بين مستمسك بالوحي، أو معرض عنه، أو متمسك ببعضه ومعرض عن بعضه الآخر، والمستمسك به بين مجتهد في ذلك، وبين مقصر فيه، والذي أراده الله تعالى من عباده تجاه الوحي هو الاتباع والاستمساك به، ويظهر هذا من خلال كثير من الآيات التي دعا الله عز وجل العباد فيها إلى التمسك بما أنزله إليهم، وثناؤه على ما أنزله إليهم، وثناؤه على المستمسكين به، ووصفه لما أنزله عليهم بأفضل ما يوصف به منهج، وبيان فضله عليهم فيه، وبيان أثره في حياتهم وآخرتهم، وتفصيل ذلك كما يأتي:

••دعوة الله جل جلاله العباد للتمسك بالوحي.

ومثال ذلك في الآتي:

••إن أول ما يطالعنا في كتاب الله -تبارك وتعالى- سورة الفاتحة، التي قسمها الله تعالى بينه وبين عبده، فكان القسم الأول هو الثناء على الله بما هو أهله، والقسم الثاني هو الذي قال عز وجل فيه هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل، كما ثبت ذلك عن رب العزة في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد:(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، قال: مجدني عبدي، وقال مرةً: فوض إلي عبدي، فإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال:) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7 ) ) ، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) 48، فهذا فيه دعوة للتمسك بالوحي، من خلال بيان أن ذلك هو نصيب العبد في أعظم سورة، والتي من أسمائها التوقيفية السبع المثاني، ومن أسمائها الاجتهادية الثناء، حيث إن فيها ثناء على الله جل جلاله بما هو أهله في أولها، بقوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [الفاتحة: 2 - 4] .

••وثناء على العبد المتمسك بكتاب الله في آخرها، بقوله تعالى: هْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 6 - 7] .

••فكون العبد متمسكًا بصراط الله؛ يجعله من الذين أنعم الله عليهم، ونفى الضلال عنهم، وإخراجهم من طائفة المغضوب عليهم، فهو ثناء عليهم من الله تبارك وتعالى 49.

••يأمر الله عز وجل عبده ونبيه صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ? إِنَّكَ عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?43?) [الزخرف:43] .

••وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه كذلك، وثناء عليه وعلى من اتبعه بكونهم على صراط مستقيم، ويؤكد ذلك عليهم بتوجيه الخطاب لهم مباشرة بقوله جل جلاله: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ? قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 3] .

••ثناء الله تعالى على ما أنزله إليهم.

ومن أمثلة ذلك:

••السورة الثانية بعد سورة الفاتحة جاء مطلعها بالثناء على كتاب الله تبارك وتعالى، يقول الله عز وجل: (ذَ?لِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ? فِيهِ ? هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ?2?) [البقرة: 2] . حيث يثني الله جل جلاله على كتابه بأن فيه الهدى لمن أراد أن يتقي غضب الله وعقابه.

••أثنى الله عز وجل على كتابه ببيان أنه يهدي لأعدل منهج في الحياة وأقوم الطرق في التعامل مع كل شيء، يقول الله تعالى: (إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 9] .

••بيان فضل الوحي عليهم.

ومن أمثلة ذلك:

••يمن الله عز وجل على المؤمنين بما أنعم عليهم به من الألفة والمحبة بعد العداوة والشقاق، يقول تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ? وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى? شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?103?) [آل عمران:103] .

••فما هي النعمة التي أصبح بها المؤمنون عباد الله إخوانًا؟ إنها نعمة إنزال القرآن، وإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بهديه النبوي في التعامل مع القرآن.

••يقول الله جل جلاله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ? وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف:44] .

••يقول أهل البلاغة: إن أقوى مصراع من مصاريع الشعر بلاغة هو قول امرئ القيس 50:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل

وهو مصراع 51 قصيدته المعلقة، ذلك أنه مكون من ست كلمات، تضمنت ستة أمور، فقد وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب، وذكر المنزل، وجاءت هذه الآية -ومثلها كثير- لتثبت تهاوي كلام العرب أمام إعجاز القرآن البياني، فهي أيضًا من ست كلمات لكنها تضمنت أمورًا عديدة تفوقت بها على المصراع المذكور، وقد وقف المفسرون والبلاغيون منها على الآتي 52:

••المصراع جملة فعلية، والآية جملة اسمية؛ فهي أثبت وأدوم.

••المصراع جملة طلبية، والآية جملة خبرية، فالأولى يحتمل وقوعها وعدمه، أما الآية فهي صادقة متحققة الوقوع؛ حيث إنها تحتمل الصدق والكذب، والثبوت والانتفاء، وهي من كلام الله جل جلاله فهي حتمًا صادقة.

••ليس في المصراع ما يؤكده من الكلام، والآية مؤكدة بتأكيدات عديدة، فهي اسمية، وهو تأكيد لها، مبدوءة بالقسم المضمر، الممهد له بالواو، مؤكدة بإن، ومؤكدة باللام المزحلقة.

••جاء بكلمة ذكر نكرة؛ ليتسع لجميع أنواع الذكر، ذكر القرب من الله، وذكر العقل بالرشاد، وذكر الشرف بين العباد بقوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ) .

••فصل بين الذكر المتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وبين الذكر المتعلق بقومه، وذلك أن الذكر له صلى الله عليه وسلم ثابت بهذا القرآن، بينما الذكر لقومه معلق على مدى استجابتهم له بقوله تعالى: (لَكَ وَلِقَوْمِكَ) .

••وفيها تعريض بالمعرضين عنه، إذ حين يثني على المستجيب؛ يفهم من ذلك أن المعرض مذموم بعدم استحقاقه لهذا الثناء.

••أشار إلى عاقبتهم على حسب استجابتهم لهذا الذكر، بقوله تعالى: (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) ، فهي إشارة إلى إثبات اليوم الآخر، وبيان أن السؤال كائن للجميع، يسأل الرسول عن استجابة قومه له، ويسأل المرسل إليهم عن مدى استجابتهم له، والعمل به، وهو سؤال تقرير، ويسأل المعرضون سؤال توبيخ وتهديد وتقريع.

••بيان أثره في حياتهم وآخرتهم.

وصف الله تعالى ما أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بالروح.

يقول المولى جل جلاله: (وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ? مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَ?كِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ? وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?52?) [الشورى:52] .

وهو كذلك لمن اهتدى به، فقد كانوا قبل أن يوحي به الله عز وجل إليهم أموات القلوب، عمي الأبصار، صم الآذان عن الحق الذي خلقوا من أجله؛ فبعث الله به إليهم؛ فأحيا به قلوبًا ميتة، وفتح به أعينًا عميًا، وأسمع به آذانًا صمًا، ثم دعاهم تبارك وتعالى أن يثبتوا على الاستجابة له؛ لأنه به تكمل وتجمل حياتهم الإيمانية 53.

فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [الأنفال: 24] .

وإن في هذه الآية تحذيرًا لهم من عقاب الله لهم إذا لم يستجيبوا، أن يعيد الموت إلى قلوبهم، فهم يعتقدون أنهم بما عرفوه من حقائق الإيمان فقط ودراستهم لها دراسة نظرية أنهم أحياء، ظانين أن العلم فقط، أو التحلي ببعض مظاهر الدين ينفعهم ولايضرهم معه مخالفة ما دعاهم الله جل جلاله إليه من الاستقامة على الإسلام كله.

يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?208?) [البقرة: 208] .

فإنها تبدأ بخطوات ثم تنتهي بالمهلكات الموبقات المبعدات عن رحمة الله عز وجل.

إن الإعراض عن وحي الله تبارك وتعالى هو حال أغلب الناس، ذلك لما يغلب عليهم من الأهواء والشهوات ودواعي الإعراض عن الوحي، وقد كانت صور إعراضهم عن الوحي ومظاهره مختلفة، بحسب اختلاف الدواعي لذلك؛ فكانت عاقبة إعراضهم عليهم وخيمة، ونتائجه أليمة، وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: دواعي الإعراض:

إن دواعي الإعراض عن الوحي متعددة ومتنوعة، فهي ما يأتي الشيطان للعبد من خلالها فيدعوه لأن يعرض عما أنزله الله إليه، وهي صفات شارك إبليس كثير من الناس فيها، فهو إمامهم وقائدهم؛ وهم إضافة إلى ذلك عمي الأبصار، لا يرون أين يصار بهم، ومن هذه حاله فهو لا يرى السلامة إلا في كمال الانقياد والتسليم لمن أمسك بزمام الغل الذي في رقبته.

يقول الله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ) [يس: 8] .

فلا يقاوم خشية الاختناق، ولا يترك؛ فينتهي به مصيره إلى الضياع، وما هي إلا أوهام وخيالات، سببها الاستكبار الذي فيه اغترارهم وحرمانهم، والإعراض الذي أنساهم أنفسهم، والريبة التي في قلوبهم؛ فكانت سببًا لشقائهم وعنادهم الذي أورثهم الخسران المبين، وحب الرياسة الذي أطغاهم 54؛ فعادوا بعده في الذل المهين؛ فهل أمثال هؤلاء سيعبؤون بالإنذار؟ فهي الموانع والقواطع التي منعتهم الهداية؛ لأنها أغلال وضعت في أعناقهم، وبيان هذه الدواعي فيما يأتي:

••الحسد.

فهذا شقيهم أبو جهل، وما جاء من خبره فيما رواه الإمام البيهقي: «أن أبا جهل -عليه لعنة ربه- وأبا سفيان رضي الله عنه والأخنس بن شريق رضي الله عنه خرجوا ليلة؛ ليستمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بالليل في بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلسًا؛ ليستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق؛ فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم؛ لأوقعتم في نفسه شيئًا.

ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا.

فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه؛ فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود. فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.

فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها. فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس بن شريق» 55.

فما منع أبا جهل من الاهتداء بهدى النبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه بالقول والعمل بعد أن صدقه بالقلب إلا الحسد، فقد شهد بنبوته، لكنه رفض كل الرفض اتباعه، والداعي لذلك التنافس في العلو في الدنيا، والعصبية العمياء، ووراء ذلك كله الحسد.

••اتباع دين الآباء والأجداد.

ومشهد آخر مع من كان مدافعًا عنه صلى الله عليه وسلم، مع عمه أبي طالب لما حضرته الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: (يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله) . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) ، فأنزل الله تعالى فيه: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى? مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [التوبة:113] الآية 56.

والداعي الذي منع أبا طالب من الاستجابة لما دعاه إليه النبي صلى الله عليه وسلم رغم حبه الشديد لابن أخيه ومبادلة النبي صلى الله عليه وسلم له هذا الحب وهو يعلم اتباع دين الآباء والأجداد وتقديس عوائدهم، والهيبة من ذم الناس يعتبر من الدواعي المعيقة والمغلقة عليه طريق الهداية.

••العنصرية.

مثال آخر وهو ما رواه أبو نعيم عن صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها أنها قالت: «كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل فناء بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، قالت: فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين، كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله، ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الهم، قالت: فسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي -حيي بن أخطب-: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت أبدًا» 57.

وهذا هو عين ما وصف الله تعالى به اليهود في قوله عز وجل: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ) [المائدة: 82] .

فكانت القومية والعرقية والعنصرية مانعة من الاتباع، فهم يرون أنهم أحق الناس بالنبوة، ولكنها فضل الله يؤتيه من يشاء سبحانه، وخسئوا هم وما منوا به أنفسهم.

••حب الرياسة.

حادثة أخرى مع رأس النفاق، من حديث أسامة: ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن عبادة يعوده من شكوٍ 58 أصابه على حمار عليه ألحاف 59 فوقه قطيفة، فركبه فخطمه 60 بحبل من ليف، وأردفنى خلفه، فمر بعبد الله بن أبي وحوله رجال من قومه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تذمم أن يجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فتلا القرآن، ودعا إلى الله وذكر به وحذر وبشر وأنذر، وعبد الله زام لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقًا، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به ولا تأته في مجلسه بما يكره. قال: وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على سعد بن عبادة وفى وجهه ما قال عدو الله بن أبي، فقال: والله يا رسول الله، إني لأرى في وجهك شيئًا، لكأنك سمعت شيئًا تكرهه؟ قال: (أجل) . ثم أخبره بما قال ابن أبي، فقال سعد: يا رسول الله، أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكًا 61!!

ومنها يظهر المانع والقاطع الذي حال دون إعلان صدق النبي من عبد الله بن أبي مع استعذابه لكلامه؛ إنه الرياسة وحب المنصب، أغلال بيد إبليس يقود بها أتباعه وأولياءه، ومن زاوية ما أثرت هذه الأغلال، فهي جعلت رقابهم مقمحة؛ ليبرز ما فيهم من الكبر الناتج عن وجود هذه الأغلال في أعناقهم، ومن زاوية حالهم في الآخرة، فهي صورة لحالهم وهم يسحبون بها في الآخرة، كما قال تعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ?71?فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ?72?) [غافر: 71 - 72] .

فتقمح جراء ذلك الأغلال بأعناقهم ورؤوسهم من شدة السحب، فما أعظمه من أسلوب، وما أحكمه من منهاج في التنفير من تكذيب الرسل، لكن الحق أعقب ذكر حالهم في هذه الآيات بقوله: (ے إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَ?نَ بِالْغَيْبِ ? فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ?11?) [يس: 11] 62.

ثانيًا: عاقبة الإعراض:

إن الإعراض عن الاهتداء بوحي الله جل جلاله هو أمر في حد ذاته غاية في الخسران وإن لم يترتب عليه العذاب الذي توعد الله عز وجل المعرضين به، فكيف إذا ترتب عليه العذاب الأليم الشديد المهين في الآخرة؟!

ما هو حال المعرضين؟ إجابة هذا السؤال تظهر من خلال آيات ذكرها الله تعالى في كتابه، نستعرض بعضًا منها فيما يأتي:

••المعيشة الضنك في الحياة الدنيا.

يقول الله جل جلاله: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى? ?124?) [طه: 124] .

ما هي المعيشة الضنك؟!

قال الثعلبي: «كل مال أعطيته عبدًا من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وإن قومًا ضلالًا أعرضوا عن الحق، وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين؛ فكانت معيشتهم ضنكًا، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس بمخلف لهم معائشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب به، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك» 63.

••حياة اليأس.

يقول الله تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى? بِجَانِبِهِ ? وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ?83?) [الإسراء: 83] .

والمعنى: «إ (( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ) ، بأن وصل إلى مطلوبه (أَعْرَضَ) أي: اغتر وصار غافلًا عن طاعة الله، (وَنَأَى? بِجَانِبِهِ) أي: تباعد من أهل الحق ولم يقتد بهم؛ تعظمًا لنفسه كديدن المستكبرين، (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ) أي: أصابه بلاء؛ (كَانَ يَئُوسًا) أي: قنوطًا من رحمة الله حزينًا، ولم يتفرغ لذكر الله تعالى» 64.

••التعرض لانتقام الله عز وجل بسبب ما اقترفوا من الظلم.

يقول الله جل جلاله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ? إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ?22? [السجدة: 22] .

جاء الخبرعلى صورة الاستفهام؛ لتأكيد الكلام، وهكذا أخرج الحق سبحانه الخبر إلى الاستفهام وترك لنا الجواب؛ لنقول نحن: لا أحد أظلم ممن فعل ذلك، والإقرار سيد الأدلة، فالإعراض عن هدي الله تعالى، ليس هناك ما هو أشد ظلمًا منه، أي: ممن ذكره الله بآياته القرآنية ومعجزات رسله ثم أدبر عنها وهجرها وجحدها، كأنه لا يعرفها، لذا فإن الله سبحانه ينتقم أشد الانتقام من هؤلاء الكفار الذين كفروا بالله واقترفوا المنكرات والموبقات.

إن القرآن الكريم هدى ورحمة، لما فيه من بيان سابق قبل المفاجأة بألوان العقاب أو العذاب في الآخرة، كما أوضحت هذه الآيات 65.

••يأتي يوم القيامة أعمى يحمل ثقل ذنب الإعراض.

يقول الله تعالى: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه: 100] .

ويقول جل جلاله أيضًا: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] .

وآتيناك من لدنا قرآنا فيه ذكر للرحمن، وذكرى وموعظة للإنسان، ومن أعرض عن القرآن وذكره وما فيه فإنه يحمل يوم القيامة حملا ثقيلا من الآثام والأوزار خالدين في عذابه، وبئس الحمل حملهم يوم القيامة، وهم فوق ذلك عمي الأبصار كما كانوا في الدنيا عمي البصائر 66.

إذن هي ألوان مركبة من الشقاء في الدنيا والآخرة جراء إعراضهم عما أوحى ربهم جل جلاله به إليهم، نعوذ بالله من حالهم، ونسأله أن يحفظ علينا إقبالنا على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

موضوعات ذات صلة:

الاتباع، القرآن، محمد صلى الله عليه وسلم، الملائكة، النبوة

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 6/ 93.

2 انظر: الصحاح، الجوهري، 6/ 2519، لسان العرب، ابن منظور، 15/ 379، الكليات، الكفوي، ص 918.

3 انظر: الصحاح، الجوهري، 6/ 2520، المصباح المنير، الفيومي، 2/ 652، لسان العرب، ابن منظور، 15/ 382.

4 مباحث في علوم القرآن، ص 28.

5 الدر المصون 3/ 173.

6 مباحث في علوم القرآن، ص 29.

7 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 746 - 747.

8 انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص 621 - 622.

9 انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، 8/ 417، تاج العروس، الزبيدي، 35/ 230، لسان العرب، ابن منظور، 13/ 225.

10 انظر: السنة قبل التدوين، محمد عجاج ص 16.

11 انظر: الكليات، الكفوي، ص 476.

12 انظر: تفسير المراغي 25/ 24، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 717.

13 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان، 1/ 29، رقم 1.

14 انظر: الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، 2/ 976.

15 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، 3/ 17.

16 انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي، 2/ 275.

17 انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، 1/ 659.

18 انظر: تفسير المراغي، 25/ 24.

19 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 16/ 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت