أولًا: المعنى اللغوي:
(حذر) الحاء والذال والراء أصل واحد، هو من التحرز والتيقظ، يقال: حذر يحذر حذرًا، ورجل حذرٌ وحذورٌ: أي: متيقظٌ متحرزٌ، وحذار بمعنى: احذر، قال ابن فارس: «حذار من رماحنا حذار ... وحذرون» أي: خائفون» 1.
قال ابن منظور: الحذر والحذر: الخيفة، ورجل حذرٌ وحذرٌ: متيقظ شديد الحذر والفزع ومتحرز، وحاذرٌ: متأهب معدٌّ، كأنه يحذر أن يفاجأ، والجمع: حذرون وحذارى، والتحذير: التخويف 2.
ومن خلال ما سبق تبين أن الحذر يتمركز معناه اللغوي حول التحرز والتيقظ والاستعداد والتأهب.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الكفوي: «اجتناب الشيء خوفًا منه» 3.
وجاء في تفسير المنار أنه: الاحتراز والاستعداد؛ لاتقاء شر العدو، وذلك بمعرفة حاله ومبلغ استعداده وقوته، ومعرفة وسائل مقاومته، وأن يعمل بتلك الوسائل 4.
وقد يأتي بمعنى: «الاحتراس من الضرر» 5.
وخلاصة القول: إن المعنى اللغوي والاصطلاحي يتمثلان في التيقظ والتأهب، وأخذ الحيطة والاحتراس من الضرر.
ورد الجذر (ح ذ ر) في القرآن (21) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 8 ... {قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) } [التوبة: 64]
الفعل الأمر ... 6 ... {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} [المائدة: 41]
مصدر سماعي ... 5 ... {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19]
اسم الفاعل ... 1 ... {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) } [الشعراء: 56]
اسم المفعول ... 1 ... {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء:57]
وجاء الحذر في القرآن على ثلاثة أوجه 7:
الأول: الخوف: ومنه قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 28] يعني: يخوّفكم عقابه.
الثاني: الامتناع: ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} [المائدة: 41] يعني: فامتنعوا.
الثالث: الكتمان: ومنه قوله تعالى: {قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64] يعني: ما تكتمون.
الخوف:
الخوف لغةً:
الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على الذّعر والفزع 8.
الخوف اصطلاحًا:
قال الرّاغب: «الخوف: توقّع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضادّه الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدّنيويّة والأخرويّة» 9.
ويقول الجرجانيّ: «الخوف توقّع حلول مكروه أو فوات محبوب» 10. وقيل: اضطراب القلب وحركته من تذكّر المخوف، وقيل: فزع القلب من مكروه يناله أو من محبوب يفوته 11.
الصلة بين الحذر والخوف:
أن الخوف توقع الضرر المشكوك في وقوعه، ومن يتيقن الضرر؛ لم يكن خائفًا له، وكذلك الرجاء لا يكون إلا مع الشك، ومن تيقن النفع؛ لم يكن راجيًا له، والحذر: توقي الضرر، وسواء كان مظنونًا أو متيقنًا، والحذر يدفع الضرر، والخوف لا يدفعه، ولهذا يقال: خذ حذرك، ولا يقال خذ خوفك 12.
الاحتراز:
الاحتراز لغة:
الحرز: الموضع الحصين، واحترزت من كذا وتحرّزت: توقيته، واحترز 13، أي: تحفظ 14.
الاحتراز اصطلاحًا:
التحفظ 15.
الصلة بين الحذر والاحتراز:
أن الاحتراز هو التحفظ من الشيء الموجود، والحذر هو التحفظ مما لم يكن، إذا علم أنه يكون، أو ظن ذلك 16.
الأمن:
الأمن لغة:
ضد الخوف، والفعل منه: أمن يأمن أمنًا 17.
الأمن اصطلاحًا:
عدم توقع مكروه في الزمان الآتي 18، وأصله: طمأنينة النفس وزوال الخوف 19.
الصلة بين الحذر والأمن:
الحذر: توقي الضرر، سواء كان مظنونًا أو متيقنًا، وفيه التحفظ مما لم يكن، إذا علم أنه يكون، أو ظن ذلك، وأما الأمن فهو حالة من الاستقرار وطمأنينة النفس، وعدم توقع مكروه في الزمن الآتي.
أولًا: الحذر المحمود:
الحذر المحمود هو الذي يرضاه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهو ما كان معتدلًا بين الإفراط والتفريط؛ لأنه الحذر الذي ترجى ثماره، ويسعد صاحبه في آخرته.
ومن الحذر المحمود:
1.الحذر من الله وعقابه.
قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235] .
أي: اعلموا أيها الناس أن الله تعالى يعلم ما يجول في نفوسكم من خير أو شر، وما تهجس به خطرات قلوبكم من مقاصد واتجاهات؛ فاحذروا أن تقصدوا ما هو شر، أو تفعلوا ما هو منكر، واعلموا أنه تعالى غفور لمن تاب وعمل صالحًا، حليم لا يعاجل الناس بالعقوبة، ولا يؤاخذهم إلا بما كسبوا.
فالجملة الكريمة تحذير وتبشير، وترغيب وترهيب؛ لكي لا يتجاسر الناس على ارتكاب ما نهى الله عنه، ولا ييأسوا من رحمته متى تابوا وأنابوا 20. أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه 21.
وقال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28] .
أي: يحذركم نقمته، أي: مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه 22.
2.المؤمن الحذر من عذابه ونقمته ممدوحا.
فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] .
3.الحذر من العدو.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] .
قال السعدي: «يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين. وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب، التي بها يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم، ومخارجهم، ومكرهم، والنفير في سبيل الله» 23.
وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على حذر من أعدائهم، فهذا موسى عليه السلام لما قتل قبطيًّا؛ أصبح خائفًا حذرًا من جنود فرعون، قال تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص: 21] .
أي: فخرج موسى من مدينة فرعون خائفًا على نفسه يتلفّت، ويترقب متابعة أحد له 24.
وهذا لوط عليه السلام استجاب لأمر الله، لما أمره الله بقوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 65] .
فكان الأمر للوط أن يسير بقومه في الليل قبل الصبح، وأن يكون هو في مؤخرتهم يتفقدهم، ولا يدع أحدًا منهم يتخلف، أو يتلكأ، أو يتلفت إلى الديار على عادة المهاجرين الذين يتنازعهم الشوق إلى ما خلفوا من ديارهم؛ فيتلفتون إليها ويتلكأون 25.
وفعله النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم في حياتهم كثيرًا، فقد اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم في غار ثور أثناء هجرته هو وصاحبه أبو بكر 26، وأخذ بكل وسائل الحيطة والحذر؛ من أجل أن تنجح الهجرة سرًّا، مع كونه صلى الله عليه وسلم مستشعرًا لمعية الله تعالى، إلا أنه كان حذرًا من إدراك المشركين.
وكان صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورّى بغيرها 27.
والتورية: أن يذكر لفظًا يحتمل معنيين، أحدهما أقرب من الآخر؛ فيسأل عنه وعن طريقه؛ فيفهم السامع بسبب ذلك أنه يقصد المحل القريب، والمتكلم صادق، لكن لخلل وقع من فهم السامع خاصة؛ وذلك لئلا يتفطن العدو فيستعد للدفع والحرب 28.
وفي ذلك تعليم لأمته وحثهم على الأخذ بوسائل الحذر الممكنة.
وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن المتيقظ الحذر فقال: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) 29.
ومعنى الحديث: أن المؤمن الممدوح هو الكيِّس الحازم الذي لا يؤتى من ناحية الغفلة مرة بعد أخرى وهو لا يشعر، وليكن متيقظًا حذرًا؛ حتى لا يقع في مكروه، وهو لا يشعر 30.
والخلاصة: أن الحذر المحمود أمر يحبه الله ويرضاه، ويصب في مصلحة العبد الدينية والدنيوية؛ ولذلك أمر الله به وحض عليه.
ثانيًا: الحذر المذموم:
الحذر أمر محمود، لكن إذا خرج عن هدفه المشروع كان مذمومًا، وهذا النوع من الحذر لا يجوز؛ وذلك لأنه مدعاة لترك العمل.
فالحذر من قوة العدو، وانهزام المسلم من ساحة المعركة؛ خوفًا على نفسه من القتل، وحذرًا من جبروت الأعداء حذر مذموم؛ لأنه جبن وضعف وهوان؛ ولذلك ذم الله تعالى الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم حذرًا من الموت، ويقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [البقرة: 243] .
والمعنى: قد علمت أيها الرسول الكريم، أو أيها الإنسان العاقل- حال أولئك القوم الذين خرجوا من ديارهم التي ألفوها واستوطنوها، وهم ألوف مؤلفة، وكثرة كاثرة، وما كان خروجهم إلا فرارًا وخوفًا من الموت الذي سيلاقيهم- إن عاجلًا أو آجلًا-.
ومن لم يعلم حالهم فها نحن أولاء نعلمه بها، ونحيطه بما جرى لهم عن طريق هذا الكتاب، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والمقصود من هذه الآية الكريمة: حض الناس جميعًا على الاعتبار والاتعاظ، وزجرهم عن الفرار من الموت هلعًا وجبنًا، وتحريضهم على القتال في سبيل الله، فقد قال تعالى بعد ذلك: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وإفهامهم أن الفرار من الموت لن يؤدى إلا إلى الوقوع فيه 31.
وهذه القصة عبرة وعظة يراد مغزاها، ولا تراد أحداثها وأماكنها وأزمانها، وتحديد الأماكن والأزمان لا يزيد هنا شيئًا على عبرة القصة ومغزاها، إنما يراد هنا تصحيح التصور عن الموت والحياة، وأسبابهما الظاهرة، وحقيقتهما المضمرة، ورد الأمر فيهما إلى القدرة المدبرة. والاطمئنان إلى قدر الله فيهما، والمضي في حمل التكاليف والواجبات دون هلع ولا جزع؛ فالمقدر كائن، والموت والحياة بيد الله في نهاية المطاف.
يراد أن يقال: إن الحذر من الموت لا يجدي، وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة، ولا يمدان أجلًا، ولا يردان قضاء، وإن الله هو واهب الحياة، وهو آخذ الحياة، وإنه متفضل في الحالتين: حين يهب، وحين يسترد، والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة، وخلف الاسترداد، وإن مصلحة الناس متحققة في هذا وذاك، وإن فضل الله عليهم متحقق في الأخذ والمنح سواء 32.
وقد كان المنافقون يحرصون كل الحرص على إخفاء مخططاتهم وأقوالهم الشنيعة، ويحذرون أن يسمع بها أحد غيرهم، فذم الله هذا الحذر المذموم فقال: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ} [التوبة: 64] .
أي: يخاف المنافقون ويتحرزون أن تنزل على المؤمنين سورة تكشف أحوالهم، وتفضح أسرارهم، وتبين نفاقهم، وتخبرهم بحقيقة وضعهم، فيفتضح أمرهم، وتنكشف أسرارهم 33.
قال السدي: «قال بعض المنافقين: والله وددت لو أني قدمت؛ فجلدت مائة جلدة، ولا ينزل فينا شيء بفضحنا؛ فنزلت الآية» 34.
قال القرطبي: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ} نزلت في شأن المنافقين تخبرهم بمخازيهم ومساوئهم ومثالبهم، ولهذا سميت بالفاضحة والمثيرة والمبعثرة، وقال الحسن: كانوا يسمون هذه السورة الحفّارة؛ لأنها حفرت ما في قلوب المنافقين؛ فأظهرتها 35.
إن الكلام عن مجالات المحذور منه في القرآن الكريم يتطلب بيان الحذر من الله تعالى ونقمته، وعذابه، والحذر من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، والحذر من فتنة الإعراض والصد عن الصراط المستقيم، والحذر من الموت، والحذر من كيد الشيطان والكافرين والمنافقين، والحذر من طاعة الأزواج والأولاد فيما يغضب الله سبحانه، وتفصيل هذه الأمور فيما يأتي:
أولًا: الحذر من الله تعالى:
حذر الله عباده المؤمنين من عذابه ونقمته في مواضع من كتابه العزيز، وهدد المخالفين المتواطئين على مصلحة الأمة ومصيرها.
فقال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 28 - 30] .
ومعنى ذلك: لا تتخذوا، أيها المؤمنون، الكفار ظهرًا وأنصارًا توالونهم على دينهم، وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلّونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك {فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} ، يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر {إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} إلا أن تكونوا في سلطانهم؛ فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل 36.
قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن زيد -وهؤلاء كانوا من اليهود يباطنون 37 نفرًا من الأنصار؛ ليفتنوهم عن دينهم- فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومباطنتهم؛ لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.
وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدريًّا نقيبًا، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو؛ فأنزل الله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ} الآية 38.
وأتبع النهي بالتهديد والوعيد، فقال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} ، يقول سيد قطب: «فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقًّا» 39.
وبعد التحذير المفهوم من السياق يورد تحذيرًا صريحًا، وذلك بقوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} وهذا تهديد عظيم لمن تعرض لسخطه بموالاة أعدائه؛ لأن شدة العقاب بحسب قوة المعاقب وقدرته 40.
وهذا التحذير فيه ما فيه من التهديد والتخويف من موالاة الكافرين؛ لأن التحذير من ذات الله، يقتضى الخوف ووقوع الرهبة في النفس من الذات العلية 41.
وما يزال التحذير مستمرًّا متجددًا مع السياق القرآني حتى يصل قوله تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 29] .
يخبر تبارك وتعالى عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال 42.
و «قوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إتمامًا للتحذير، وذلك لأنه لما بين أنه تعالى عالم بكل المعلومات كان عالمًا بما في قلبه، وكان عالمًا بمقادير استحقاقه من الثواب والعقاب، ثم بين أنه قادر على جميع المقدورات، فكان لا محالة قادرًا على إيصال حق كل أحد إليه، فيكون في هذا تمام الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب» 43.
ثم يتابع السياق الحملة على القلب البشري، فيكرر تحذير الله للناس من نفسه: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} ويذكرهم برحمته في هذا التحذير، والفرصة متاحة قبل فوات الأوان {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} ومن رأفته هذا التحذير وهذا التذكير، وهو دليل على إرادة الخير والرحمة للعباد 44.
والحكمة من تكرار قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} مرتين في ثلاث آيات، ذكرها ابن حيان في البحر المحيط، فقال: «كرر التحذير للتوكيد والتحريض على الخوف من الله بحيث يكونون ممتثلي أمره ونهيه، {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} لما ذكر صفة التخويف وكررها، كان ذلك مزعجًا للقلوب، ومنبها على إيقاع المحذور مع ما قرن بذلك من اطلاعه على خفايا الأعمال وإحضاره لها يوم الحساب، وهذا هو الاتصاف بالعلم والقدرة اللذين يجب أن يحذر لأجلهما، فذكر صفة الرحمة ليطمع في إحسانه، وليبسط الرجاء في أفضاله، فيكون ذلك من باب ما إذا ذكر ما يدل على شدة الأمر، ذكر ما يدل على سعة الرحمة، كقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 165] » 45.
والتحذير في قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] .
رحمة من الله سبحانه؛ لئلا يغتروا به، فيعاملوه بما لا تحسن معاملته. قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد: حذرهم من نفسه؛ لئلا يغتروا به 46.
وفي هذه التحذير دليل على الابتعاد عن الكفار وعن معاشرتهم وصداقتهم، والميل إليهم والركون إليهم، وأنه لا يجوز أن يولى كافر ولاية من ولايات المسلمين، ولا يستعان به على الأمور التي هي مصالح لعموم المسلمين 47.
ومن الآيات الدالة على الحذر من الله تعالى قوله سبحانه: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235] .
فبعد أن بين الله سبحانه وتعالى جملة من الأحكام المتعلقة بقضايا الأسرة، حذر من مخالفتها ومخالفة أمره، وهذا رصد لما في النفوس من وساوس وخواطر، ونيات منعقدة على الخير أو الشر، ومبيتة للإخلاص أو الخداع، فالله سبحانه وتعالى مطلع على كل شيء، مجاز على كل شيء؛ فليحذره أولئك الذين يدبرون السوء، وينوون الغدر 48.
قال الطبري: «واعلموا، أيها الناس، أن الله يعلم ما في أنفسكم من هواهن ونكاحهن وغير ذلك من أموركم، فاحذروه. يقول: فاحذروا الله واتقوه في أنفسكم أن تأتوا شيئًا مما نهاكم عنه، من عزم عقدة نكاحهن، أو مواعدتهن السر في عددهن، وغير ذلك مما نهاكم عنه في شأنهن في حال ما هن معتدات، وفي غير ذلك» 49