فهرس الكتاب

الصفحة 2307 من 2431

هذه الآية تشير إلى أن السر كامن في طاعة القيادة العليا، وامتثال أوامرها الرشيدة دون تردد ولا اعتراض، فهذا هو مفتاح النجاح والنصر في مختلف المعارك وفي مختلف العصور، فالمحارب الذي انكب على النهر يشرب من مائه حتى يمتلئ وهو في طريقه مباشرة إلى الميدان، محكوم عليه مسبقا بالهزيمة والخسران، إذ هو محارب فاقد للصبر، غير قادر على الاحتمال، قد أثقله العرق وأبطأ به اللهث، وقد أعطى الدليل قبل دخول المعركة وهو في طريقه إليها على أنه لا يعير لأوامر قائده الأعلى أدنى اهتمام، بل إنه يعصي هذه الأوامر دون تردد ولا إحجام، فهل يعتمد على مثل هذا في الحصول على النصر، أم أنه عامل أساسي من عوامل الهزيمة؟، وإن المحاربين المتحلين بروح الامتثال والطاعة لقيادتهم، هم الذين تحملوا عبء المعركة، وهو من الأسباب المباشرة في كل هزيمة لحقت المسلمين، مثل أحد والغزوات والمعارك التي بعدها 65.

قال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) } [آل عمران:165] .

فعندما تقولون: من أين جاءنا هذا الخذلان والرسول معنا؟!؛ فالجواب قل لهم إن هذا الانكسار والهزيمة بسبب مخالفتكم، فأنتم الذين خالفتم أمر قائدكم حين أبيتم إلا الخروج من المدينة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار عليكم بالبقاء فيها، وأنتم الذين خالفتم وصيته أيها الرماة بترككم أماكنكم التي حددها لكم وأمركم بالثبات فيها، وأنتم الذين تطلعت أنفسكم إلى الغنائم فاشتغلتم بها وتركتم النصيحة، وأنتم الذين تفرقتم عن رسول الله في ساعة الشدة والعسرة، فلهذه المخالفات التي نبعت من أنفسكم أصابكم ما أصابكم في أحد ولذلك خذلتم، وأصابتكم هذه المصيبة عقوبة لمعصيتكم لنبيكم 66.

إن الذين يظنون أن النصر دائمًا في جانب المسلمين مهما عصوا وخالفوا أوامر الله، يجيبهم الله عن تساؤلهم موبخًا ومقرعًا لهم بأن ما وقع حدث بشؤم معصيتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم ألا تبرحوا مكانكم؛ فانهزمتم وأذاقكم الله الغم بفعلكم.

قال تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران:153] .

فقد غممتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره، فجزاكم الله بذلك الغم القتل والهزيمة عقوبة لكم على مخالفته، ففاتتكم بذلك الغنيمة، فقد جعل الله المسببات نتائج للأسباب، فكل عسكر يعصي قائده ويكشف ظهره لعدوه يصاب بمثل ما أصبتم به 67.

الهزائم على نوعين:

أولًا: الهزيمة العسكرية:

وإن من سنن الله في خلقه أنه جعل الحياة صراعًا دائمًا بين الحق والباطل، ونزاعًا موصولًا بين الأخيار والأشرار، فالحرب سنة طبيعية في الخلق من يوم أن اقتتل ابنا آدم، وهي على ما فيها من ضرر وخطر لا تخلو من نفع وخير؛ إذ لولا أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض، ويسلط جماعة على جماعة لفسدت الأرض وعمت الفوضى بغلبة الكفر، وتمكن الطغيان وأهل المعاصي، ولانتشر الظلم وهدمت أماكن العبادة التي يذكر فيها اسم الله، فلو ترك الفاسقون من غير أن يدافعوا ويقاوموا لنشروا فسوقهم وفجورهم وطغيانهم في الأرض، ولكن الله ذو فضل على الناس جميعا حيث يسلط على الظالم من يبيده ويهلكه، فإذا نبت ظالم آخر أرسل له من يفتك به، وهكذا ينصر الله رسله بالغيب، وفي قصة المؤمنين من بني إسرائيل مع طالوت ما يدل على تجلي عظمة الله وقدرته بأجلى مظهر، فقد هزمت الفئة القليلة الفئة الكثيرة بإذن الله وإرادته هزيمة عسكرية بالقتال.

قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) } [البقرة:251] .

فانكسر عدوهم رغم كثرته، وقتل رأس الطغيان وقائد الجبابرة واندحر جيشه، فلم يبق منهم أثر ولا عين، وفي ذلك ترغيب للمؤمنين في الجهاد، وتحذير من الضعف والفرار حذر الموت 68.

والهزيمة هنا تدل على فرار الجند والعسكر خوفًا من القتل، فقد كسروهم كسرةً انتهت بدفعهم من المعركة، وهروبهم منها مقهورين مغلوبين، وقد تكون الهزيمة بدون إبادة كل الجنود، بل بقتل أئمة الكفر فيهم، بدليل قوله تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} وهو زعيم جيش الكفار الذي هرب، فطارده داود وقتله 69.

وقال تعالى: {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (11) } [ص:11] .

أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون ويغلبون ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، أخبر الله نبيه وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، واسم الإشارة يدل على مصارعهم في بدر فكفار مكة وأحزابهم سيهزمون، وقد تحقق وعد الله فقهروا وأهلكوا 70.

وقال تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) } [القمر:45] .

وكان ذلك يوم بدر والمعنى: هؤلاء الجمع المكذبون سيهزمون ويغلبون، ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب الذين تحزبوا على الرسل، فذاقوا الهزيمة وقهروا وغلبوا، وإنَّ أهل مكة الذين قالوا واثقين بشوكتهم: نحن جماعة أمرنا مجتمع، ونحن جماعة منصورون، سيهزمون ويتفرق شملهم، ويغلبون حين يلتقي جيشهم وجيش المؤمنين، وهذا من أخبار الغيب ودلائل النبوة، حيث هزمت جموعهم، وولوا الأدبار، وفروا من أمام جيش المسلمين، فالله توعدهم بقتل صناديدهم وبانصرافهم من الحرب منهزمين.

وفي الإفراد في قوله {الدُّبُرَ} إشارة إلى أنهم في التولية والهزيمة كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الهزيمة، ولا يثبت أحد للزحف، فهم في ذلك كرجل واحد، أو إنَّ كل واحد من الجيش منهم يولي دبره ويفر هاربًا 71.

والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم في المستقبل القريب، وذلك مثل قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) } [آل عمران:12] .

لقد قالها الرسول مبلغًا عن الله، والمسلمون في حالة من الضعف واضحة، فتساءل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي جمع هذا الذي سيهزم؟، والمسلمون ضعاف لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، وأسباب الانتصار غير موجودة، لكن الواقع جاء ليثبت صدق الحق في قوله تعالى: {سَتُغْلَبُونَ} ، فقد تم انتصار المسلمين بالفعل، فهزموا الكافرين وغلبوهم، وجعلوهم يولون الدبر 72.

وقال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة:14 - 15] .

أي: قاتلوا هؤلاء الكفار، فإنهم إذا جاء الوغى يفرون ويولونكم الأدبار، بل وتنزلون فيهم الذل والخزي وتشفون صدوركم منهم قتلًا وأسرًا، والدليل هزيمتهم يوم بدر وتوليهم الأدبار يومئذ، حيث قتل رؤساء الشرك وأساطين الكفر، كذلك توليهم الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق؛ حيث فروا بالليل منهزمين مقهورين 73.

ومع قصة الخندق وغزوة الأحزاب لنا حديث في تحديد نوع الهزيمة، فلقد جمع الكفار جموعهم على إبادة المسلمين واستئصال شأفتهم، لكن الله هزمهم وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفى الله المؤمنين القتال، فالشاهد هنا هو أن الكفار هزموا واندحروا وولوا الأدبار من دون قتال، فالهزيمة العسكرية لها وجه آخر، وهو (عدم تحقيق الأهداف) ، فإذا عجز الخصم عن تحقيق أهدافه ورجع من حيث أتى فقد هزم عسكريًّا، وكما يقولون: (إذا لم يستطع القوي أن ينتزع استسلامًا من الضعيف فقد هزم هزيمة نكراء) .

بقي أن ننوه لموضوع مهم في هذا المطلب وهو: الإعداد الجيد لهزيمة الأعداء عسكريًّا، أمر الله المسلمين بإعداد القوة لكبح جماح أعداء الإسلام، بشكل عام، وخصَّ كتاب الله بالذكر من بين أنواع القوة الخيل، وقد كانت الخيل في الحروب الماضية تحتل مكانًا بالغ الأهمية، وذكر (الخيل) هو إنما ورد على وجه التنبيه، نظرًا؛ لأن الخيل كانت في العهد الإسلامي الأول أهم شيء في الحرب 74، وذلك حتى يقيس المسلمون عليها غيرها، ويهتموا في مستقبل الأيام بكل ما يستحدث ويجد من أدوات القوة ووسائلها الفعالة، فالعبرة أولًا وأخيرًا إنما هي بإعداد القوة التي لا تضام، والاستعداد التام للعدو على الدوام.

قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) } [الأنفال:60] .

ثانيًا: الهزيمة النفسية:

كتاب الله عندما يتحدث عن القوة ويدعو المسلمين إلى إعدادها بكل الوسائل لا يقصد بلفظ القوة معناها المادي المجرد وحده، المتمثل في الآلات والأدوات الحربية، وإنما يقصد معناها المادي الروحي في آنٍ واحدٍ، بل إنَّ القوة الروحية عنده بالنسبة إلى القوة المادية تعتبر كالجوهر بالنسبة للعرض، والروح بالنسبة للجسد، فالقوة الروحية في نظر الدين والأخلاق، والروح المعنوية العالية، في نظر المختصين من رجال الدراسات النفسية والأبحاث العسكرية هي منبع كل قوة، وأساس كل نصر، وبدونها تضطرب القلوب وتنهار الأعصاب، وتصبح الهزيمة من كل جيشٍ قاب قوسين أو أدنى، لكن إذا كانت قوة الإيمان بالله وتقوى الله تقود جنود الإسلام، في خطواتهم إلى الأمام فبشرهم من عند الله بالفتح المبين والنصر والتمكين، ووقتئذ يتم وعد الله بالغلبة على الكافرين 75.

وإن الإيمان بالله واليوم الآخر يزيد الثقة بالنفس فلا تضعف ولا تخور أمام المنعطفات، بل تواجه المواقف بصلابة ورباطة جأش، تجعلهم يقبلون على القتال والموت دونما وَجَلٍ أو خوفٍ، ومثال ذلك ما ذكره القرآن الكريم في قصة طالوت، حيث عقد مقارنة بين الهزيمة النفسية والمعنوية العالية بين ضعاف الإيمان والمؤمنين الصابرين.

قال تعالى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة:249] .

لما اجتاز طالوت النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب، ولما أصبحوا على مقربة من جيش العدو، و كانوا «قرابة مائة ألف» 76.

فلما رأوا عدوهم يقودهم قائدهم الجبار (جالوت) ، ورأوا كثرة عددهم وتفوقهم، فزعوا واضطربوا واعتراهم الخوف، وقال الكافرون والمنافقون، والشك والنفاق منهم، من الذين شربوا وعصوا أمر قائدهم: لا قدرة لنا اليوم ولا طاقة لنا بمحاربة الأعداء ومناضلتهم فضلًا عن التغلب عليهم، فنحن قلة وهم كثرة كاثرة، فأعلنوا انهزامهم، وانصرفوا فارين عن طالوت، ولم يشهدوا القتال 77.

لكن في المقابل، فإن المؤمنين الذين يظنون أنهم ملاقو الله فمجازيهم على أعمالهم، وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت قالوا: لا تغرنكم أيها القوم كثرتهم، فكثيرا ما غلبت فئة قليلة العدد فئةً كثيرة العدد بقوة إيمانها وإرادة ربها 78.

وهكذ نلحظ أن التعبئة الروحية الإيمانية تتمثل في تعميق الثقة بما أعده الله في الآخرة لعباده المؤمنين، فيؤثرون الآخرة على الدنيا، ويزهدون فيها طمعًا بما عند الله، فلا يلتفتون إلى ما وراءهم من أهل وولد ومال، ولم يخفهم الموت الراصد لهم في يد أعدائهم، ولم يهابوا العدو وكثرته وقوته، فرأوا أنهم في قلتهم المؤمنة الصابرة أقوى من عدوهم الذي لا يؤمن بالله ولا يصبر على المكروه، ولا يقاتل إلا طمعًا في مغانم الدنيا ومتاعها، وهذه المعنوية العالية تقابل الهزيمة النفسية والروحية التي تخوف أصحابها، فلا يقدرون على المواجهة، ويتجرؤون العيش في جو الهزائم 79.

التوجيهات القرآنية لهزيمة الأعداء نفسيًّا:

أولًا: لقد دعا القرآن إلى تطبيق أقصى درجات التخويف والتنكيل على المنافقين والكافرين وغيرهم، وذلك هدمًا لنفسيتهم وكسرًا لأنفتهم، وتأثيرًا على معنويات غيرهم، فلا يتجرءون على مقاتلة المسلمين خوفًا منهم، وذلك قوله تعالى: {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال:57] .

أي: نَكِّلْ بهم، واجعلهم أداة لتشريد من خلفهم، وأوقع بهم من العقوبة ما يصيرون به عبرة لمن بعدهم، وعليك أن تؤدبهم أدبًا يجعل الذين وراءهم يخافون منكم، ويبتعدون عنكم، وكلما رأوكم أصابهم الخوف والهلع، لعل الذين من خلفهم يحذرون أن يصيبهم ما أصابهم، وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي، أنها سبب لازدجار من لم يعمل المعاصي، بل وزجر لمن عملها أن لا يعاودها 80.

فالمطلوب أن نجاهدهم بقوة وبدون شفقة حتى لا يفكر في مساندتهم من جاؤوا خلفهم ممن هو على مثل رأيهم في المنافرة للإسلام أن ينصروهم أو يؤازروهم بالدخول معهم في القتال، ولا تحدثهم أنفسهم في أن يستمروا في المعركة، وذلك كي تكون هذه التجربة درسًا لهم؛ فلا يفكروا مرةً أخرى في حربٍ معك؛ لأنهم سوف يتذكرون ما حدث لهم ولغيرهم فيبتعدوا عن مواجهتك، ولا يجسر عليك بعدهم أحد، اعتبارًا بهم واتعاظًا بحالهم 81، وهذا الإرشاد الحربي في استعمال القسوة مع المحاربين، والناقضين لعهود السلم، متفق عليه بين قواد الحرب في هذا العصر.

أي: فرق بهذا الذي تأخذهم به من بلاء ونكال كل مجتمع للضلال، وكل من يبيت السوء للمسلمين، فكل من تحدثه نفسه بخيانة عهد المسلمين من بعد تلك الضربة التي نزلت بهؤلاء الخائنين، سيجد أمام ناظريه مثلًا حيَّا لما ينتظره من بلاء ونكال، وإن هذه الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التي ترشد المؤمنين إلى وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذًا شديدًا رادعًا، حتى يبقى للمجتمع الإسلامي أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه، فالآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع، والهول المرعب الذي يكفي السماع به للهرب والشرود، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد؟، وبذلك تبقى لدين الله هيبته وسطوته 82.

ثانيًا: أمر بإثخان المشركين قتلًا في ساحات المعركة من دون رأفة، وذلك ليكون صيت جيش المسلمين يسبق تحركه لأي بلد وأي حرب، والغرض هو التأثير على نفسيات الأعداء وروحهم المعنوية، وذلك يظهر من قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال:67] .

فالإثخان شدة التقتيل، وذلك حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى، فلا تعود به قدرة على هجوم أو دفاع، فتكون لهم الغلبة التامة، والسيطرة الكاملة، فتصير قوتهم في موضع التفوق المطلق على الأعداء، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء الثأر والعودة إلى القتال إذا سنحت لهم الفرصة، لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتال والقتل، فكثرة القتل توجد الرعب وشدة المهابة، وذلك يمنع الأعداء من الجرأة والإقدام على حرب المسلمين، فالإثخان في الأرض يرهب الأعداء 83.

ثالثًا: وجه القرآن المؤمنين للسعي في إدخال الرعب لقلوب الأعداء؛ لأن ذلك سيهزمهم نفسيًّا وروحيًّا قبل الهزيمة العسكرية، فلا يصمدوا ولا تحدثهم نفسهم بالمواجهة.

قال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) } [آل عمران:151] .

قال البيضاوي في تفسير هذه الآية: ذكر القرآن ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، فلما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم؛ فألقى الله الرعب في قلوبهم؛ لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف ورعب 84.

رابعًا: بَيَّنَ القرآن الكريم أن الهزيمة النفسية تورث أصحابها الذل والخنوع والقعود عن مواجهة الأعداء ومقاتلتهم، كما قال تعالى على لسان أصحاب موسى الذين أحجموا عن قتال الجبارين: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) } [المائدة:24] .

فلا غرابة في إحجامهم عن قتالهم؛ لأن كُلَّ قوم تربوا في أحضان الذلِّ والاستعمار يألفون القعود ولا يألفون الحرية والكرامة 85.

وبهذا يظهر التفاوت بين سائر الأمم، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم التي تربت على النفسية الإسلامية، وارتوت من نبع القرآن الصافي، حيث قال الصحابة له حين شاورهم في القتال يوم بدر: يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك وما تخلف عنك أحد، ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24] .

ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون 86.

خامسًا: لقد تناول القرآن الكريم موضوع الإشاعة وحاربها.

قال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) } [الأحزاب:60] .

والإرجاف هو من الرجفة بمعنى الزلزلة، وسميت بذلك لإحداثها الاضطراب والزلزلة في المجتمع وفي قلوب الناس، والمرجفون: هم الذين يثيرون الشائعات الكاذبة، ويطلقون الأراجيف المصطنعة، ليشغلوا الناس بها، ويفسدوا عليهم حياتهم، وذلك أن ناسًا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا وهزموا، ومن الكذب الذي كان يذيعه أهل النفاق أيضًا: قد أتاكم العدو بعدد وعدة، فيخوفون ويرهبون من الأعداء، ويحدثون بكثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين؛ فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين؛ لتضعف قلوبهم ويحزنوا، ويحبون أن يفشوا الأخبار 87.

وتمثل الإشاعة طريقًا مضمونًا لتحقيق الهزيمة النفسية؛ لأنها سريعة الانتشار، وتصادف أناسًا جهالًا، ونفوسًا مريضة يرددونها دون تفكير؛ فيذيعون كل ضار ومفسد، لذلك يستعملها الأعداء دومًا في توهين جانب المسلمين، وإظهار تفوق المشركين وغلبتهم عليهم، والإشاعة تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم، وتقتل فيهم روح الإقدام 88.

فكان جزاؤهم أينما ثقفوا ووجدوا أخذوا بالضرب والتنكيل والاحتقار، ولا غرابة في ذلك، فالأمم الحديثة الآن لا تعرف الرحمة مع الجواسيس والخارجين على الدولة الذين يطعنون من الخلف، ويتعاونون مع العدو مع تظاهرهم بالإخلاص، وتلك سنة الله مع المنافقين وأصحاب الإشاعات في كل زمن. 89

سادسًا: ضرب القرآن المثل بأن نفاذ الصبر والشك واستبطاء وعد الله دليل على الهزيمة النفسية، وقد تحدث القرآن عن ذلك في قصة موسى وبني إسرائيل، حيث وصل قلقهم وخوفهم إلى حد لم يصبروا معه؛ فاشتكوا واستبطؤوا النصر، وكانت نفسيتهم منهزمة متأثرة بالريبة والشك.

قال تعالى: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف:129] .

فكان استبطاؤهم للنصر بقولهم: متى يكون ما وعدتنا به يا موسى من زوال ما نحن فيه؛ فجزعوا ولم يصبروا على هذا البلاء الذي أخذهم فرعون به، وألقوا اللوم والسخط على موسى 90.

وتلك هي طبيعة الانهزاميين: فلقد كان ردهم يدلُّ على سفاهتهم، فقد قالوا له: نحن لم نستفد من رسالتك شيئا، فإلى متى نسمع منك تلك النصائح التي لا جدوى من ورائها؟ 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت