فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 2431

3.إذا كانت الأبواب مغلقة في أي وقت، وفي أي سن، قبل البلوغ أو بعده.

شرع الله تعالى خلق الاستئذان حتى لايقع البصر على ما لا يحل النظر إليه من العورات، وقد جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) 40.

ومن المعلوم أن الفرد من الأسرة إذا أغلق باب غرفته على نفسه، فإنه يقصد بذلك منع الآخرين من باقي أفراد الأسرة والمتواجدين في البيت من النظر إليه، أو إلى ما ينوي القيام به، لذلك فإنه من الواجب على جميع من في البيت صغارًا كانوا أو كبارًا ألا يدخلوا إلى الغرف المغلقة إلا بعد الاستئذان والسماح لهم بالدخول.

وقال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى? مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ? إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?) [النور: 32] .

كما حث عليه أيضًا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاءٌ) 41.

ومعنى الباءة هو القدرة على القيام باستحقاقات الزواج، أما معنى الوجاء فهو الوقاية 42، وحتى يؤدي النكاح الأغراض المرجوة منه يجب أن يبنى على أصول وقواعد راسخة، ومن ضمن تلك الأصول والقواعد، النكاح بالاستئذان، أي: بطلب الإذن بنكاح المرأة من وليها، لذلك قال الله تعالى في كتابه العزيز: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ? بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ? فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ? فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ? ذَ?لِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ? وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النساء: 25] .

يبيح الله تعالى في هذه الآية الكريمة لمن لا يستطيع نكاح الحرائر من النساء بسبب قلة ذات اليد، ويخشى على نفسه الفتنة أن ينكح المؤمنات من الإماء، شريطة أن يكن عفيفات غير عاهرات ولا متسترات بالزنا مع أصدقائهن السريين، وأن يطلبهن الراغب في نكاحهن من أهلهن، وأن تدفع إليهن مهورهن بالمعروف.

ثم يبين الله تعالى حكم الأمة إذا ارتكبت فاحشة الزنا وهو خمسون جلدة، ثم يعقب الله تعالى بحث المؤمنين على الصبر والتريث حتى يتمكنوا من نكاح الحرائر 43.

ويستفاد من الآية السابقة مجموعة من الأحكام، وهي كما يأتي:

ولا يقتصر الاستئذان في النكاح على استئذان ولي المرأة المراد الزواج بها، وإن كان ذلك أمرًا ضروريًا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ) 44.

وإنما يتعدى ذلك إلى ضرورة الحصول على موافقة المرأة نفسها بكرًا كانت أم ثيبًا، وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها) 45.

أولًا: ليس من صفات المؤمنين الاستئذان في الجهاد:

المؤمنون الأتقياء هم أكرم العباد عند الله تعالى.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] .

وليس من المتوقع أبدًا من المؤمن التقي الذي شرفه الله تعالى، ورفع قدره من بين العباد أن يتخلف عن المشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى، ونصرة الحق، ثم يرضى بحياة الذلة والهوان، وهذا ما أقره الحق جل وعلا في قوله: (لَ?كِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 88 - 89] .

وهذا الإخلاص الذي ترجمته فعال المؤمنين في كل المواطن التي كانت تتطلب البذل والفداء هو السبب الذي أكسبهم رضا الله تعالى عنهم.

قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الفتح: 18] .

وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يشهد للمؤمنين الأتقياء بالمسارعة والمسابقة في ميدان الجهاد في سبيل الله تعالى، وعدم خذلان الحق وأهله، ومن ذلك ما يأتي:

1.في غزوة بدر.

في غزوة بدر لما طلب النبي صلى الله عليه وسلم المشورة من الصحابة الكرام وكان يريد رأي الأنصار منهم، (فقام سعد ابن معاذ رضي الله تعالى عنه، وقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال:(أجل) ، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبرٌ في الحرب، صدقٌ في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله) 46.

2.في غزوة مؤتة.

في غزوة مؤتة لما علم جيش المسلمين بما أعده لهم الروم، وأخذ المسلمون يتشاورون في أمرهم، فأشار عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة رضي الله عنه بقوله: «يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهورٌ وإما شهادةٌ» 47.

فعلت حينها همم المسلمين، وانطلقوا لمواجهة عدوهم ذو العدد والعدة، غير مبالين بما قد يصيبهم في سبيل الله تعالى.

3.في غزوة تبوك.

في غزوة تبوك لما حرض النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله تعالى، أخذ الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بالتسابق للبذل والفداء، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بنصف ماله، وجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه بكل ماله، ولم يبق لأهله شيئًا من المال وأوكل أمرهم لله تعالى، وجاء عثمان رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بألف دينار، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها في حجره ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين) 48.

وجاء فقراء المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم راجين منه صلى الله عليه وسلم أن يحملهم معه إلى الجهاد في سبيل الله تعالى، فلما اعتذر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حملهم تولوا عنه وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا على ما ظنوا أنه قد فاتهم من الأجر عند الله تعالى 49.

قال تعالى: (لَيسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى المَرضى وَلا عَلَى الَّذينَ لا يَجِدونَ ما يُنفِقونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحوا لِلَّهِ وَرَسولِهِ ما عَلَى المُحسِنينَ مِن سَبيلٍ وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ ?91? وَلا عَلَى الَّذينَ إِذا ما أَتَوكَ لِتَحمِلَهُم قُلتَ لا أَجِدُ ما أَحمِلُكُم عَلَيهِ تَوَلَّوا وَأَعيُنُهُم تَفيضُ مِنَ الدَّمعِ حَزَنًا أَلّا يَجِدوا ما يُنفِقونَ) [التوبة: 91 - 92] .

ولا يقتصر بذل وعطاء المؤمنين على الرجال فقط، بل تعدى الأمر ذلك ليشمل الصغار والنساء أيضًا، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الغلمان يوم أحد ليأذن لهم بالمشاركة بالغزو فيردهم لصغر سنهم، فيؤتى برافع بن خديج رضي الله عنه، وكان أحد الغلمان، فيقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه رامٍ، ويتطاول رافع رضي الله عنه على خفيه، فيأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشاركة في الغزوة، ثم يؤتى بسمرة بن جندب رضي الله عنه وكان أيضًا صغير السن، فيقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن سمرة يصرع رافعًا، فيطلب منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتصارعا فيصرع سمرة رافعًا، فيأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لكليهما بالمشاركة في الجهاد في سبيل الله تعالى 50.

وهذه الصحابية الجليلة أم سليم رضي الله عنها تأتي يوم حنين ومعها خنجر، فيسألها أبو طلحة رضي الله عنه عن هذا الخنجر الذي تحمله، فتقول له: «خنجرٌ أخذته معي، إن دنا مني أحدٌ من المشركين بعجته به» 51.

فهؤلاء هم المؤمنون الذين جمعوا بين الإيمان، والتقوى، والإحسان في طاعة الله تعالى، والتقرب إليه، والجهاد في سبيله، وذلك امتثالًا لما أمرهم الله تعالى به في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?35?) [المائدة: 35] .

وما كان ذلك الإقبال على الله تعالى من قبل المؤمنين الصادقين، إلا سعيًا منهم لنيل رضا الله تعالى، وإلا ليكون تعالى معهم ناصرًا ومؤيدًا، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69] .

ثانيًا: استئذان المنافقين عن الجهاد:

تحدثت آيات القرآن الكريم عن أساليب المنافقين في المرواغة للتنصل من تنفيذ ما يصدره الشارع الحكيم من أوامر وتشريعات، خصوصًا ما كان منها يعلي منزلة المؤمنين، ويحط مكانة الكافرين، وفي مقدمة تلك التشريعات الجهاد في سبيل الله تعالى الذي يعد من أبرز ما يظهر المنافقين على حقيقتهم، ويكشف زيفهم، فهم يبتكرون دائمًا الآليات التي تعفيهم من المشاركة في جهاد أعداء الله تعالى.

وقد وضع القرآن الكريم حدًا لهؤلاء المنافقين الذين يستأذنون للتخلف عن الجهاد بأعذار واهية تارة، وأخرى يتظاهرون برغبتهم المشاركة في الجهاد، فبين أحوالهم، وحذر منهم، وبيان ذلك كما يأتي:

أولا: استئذان المنافقين للتخلف عن الجهاد:

شرع الله تعالى الجهاد في سبيله لتبقى كلمته هي العليا، وليبقى أهل الإيمان في عزة وكرامة، ولما كان الجهاد بذل وتضحية وعطاء فقد لزم معه التمييز بين المؤمن الصادق المطمئن، وبين المنافق الكاذب المضطرب، فالمؤمن الصادق الواثق بنصر الله تعالى يقدم على البذل والتضحية في سبيل الله تعالى بلا تردد، فكان بذلك جديرًا بشهادة الله تعالى على صدقه وثباته.

قال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ? فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ? وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23] .

وأما المنافق الكاذب المرتاب فيبحث له عن مخرج ينفذ من خلاله إلى التهرب من البذل والتضحية في سبيل الله تعالى، كما تظهر على قسمات وجهه علامات الجبن والخوف لمجرد سماعه لآيات الدعوة إلى القتال في سبيل الله تعالى، وفي هذا يقول الله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ? فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ? رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ? فَأَوْلَى? لَهُمْ) [محمد: 20] .

وهؤلاء توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم في الآخرة كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُولَ?ئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس: 7 - 8] .

ومن الأعمال التي يعكف هذا الصنف السيئ من الناس عليها الاستئذان لعدم مشاركة المؤمنين في الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد ذكرت غير آية من كتاب الله تعالى ذلك العمل السيء.

1.إبراز تخاذل منافقي المدينة عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى مع المؤمنين في غزوة الخندق.

قال تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ?12? وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ?13? وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ?14? وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ?15? قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ?16? قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ?17? قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ?18? أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) [الأحزاب: 12 - 19] .

يذكر الله تعالى لعباده ما كان من المنافقين يوم الخندق حيث إنهم أخذوا بالتشكيك بوعد الله تعالى لعباده المؤمنين بنصرهم وتمكينهم، كما أنهم قاموا ببث الفتنة بين صفوف المؤمنين من خلال تحريضهم على التراجع عن مواجهة الأحزاب، كما أنهم قاموا بالاستئذان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمح لهم بملازمة بيوتهم بحجة أن بيوتهم منكشفة للأعداء.

ثم بيَن الحق جل وعلا أن بيوتهم ليست كذلك، وأن القضية أنهم يسعون للفرار من المشاركة مع المؤمنين في الجهاد في سبيل الله تعالى، ثم يكشف الله تعالى عن جاهزية المنافقين التامة لاعتناق أي معتقد شركي في حال كان هذا هو السبيل للنجاة من بطش الأحزاب، وذلك مع أنهم سبق لهم وأن عاهدوا الله تعالى أن يثبتوا أمام الأعداء، وألا يفروا أبدًا.

ثم يبين سبحانه أن هؤلاء المنافقين سيسألون عن عهودهم يوم القيامة، وسيحاسبون عليها أشد الحساب، ثم يبين الله تعالى أن الفرار من ملاقاة الأعداء لا يطيل عمرًا، ولا يرد سوءًا، وأنه لا راد لأمره أبدًا، سواءٌ أراد لعباده شرًا من هزيمةٍ أو هلاكٍ أو نحو ذلك، أو أراد لهم خيرًا من نصرٍ أو نجاةٍ أو نحو ذلك؛ فهو سبحانه الولي والنصير.

ثم يبين سبحانه أنه على علم تام بأعمال المنافقين الخبيثة وصفاتهم القذرة والتي تتمثل بتثبيط المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله تعالى، واعتذارهم عن المشاركة فيه بأعذار واهية أو كاذبة، وعدم قتالهم للمشركين إذا تواجدوا في الغزوات مع المؤمنين، وارتعابهم الشديد عند ملاقاة الأعداء، وتعمدهم الإساءة للمؤمنين ورسولهم صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك فضلًا عن كفرهم بالله تعالى.

ثم بيَن سبحانه أن عقوبة أولئك المنافقين هي إحباط العمل في الآخرة، وأن تنفيذ هذه العقوبة هو أمر يسير عليه سبحانه؛ فهو على كل شيءٍ قدير 52.

ومما يستفاد من الآيات الكريمة ما يأتي:

••تثبيط المؤمنين عن الرباط مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرب من الخندق.

••الاستئذان من رسول الله صلى الله عليه وسلم للمكوث في البيوت بحجة أنها عورة، والحق أنها ليست بعورة.

2.إبراز تخاذل منافقي الأعراب عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى مع المؤمنين، والتعذر لذلك باعذار كاذبة.

قال تعالى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة: 90] .

يبين الله تعالى موقف الأعراب السلبي من الخروج للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث إنهم كانوا يقدمون له الأعذار الواهية ليقعدوا عن الجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة الدين، ثم توعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم لكفرهم وفجورهم 54.

ويستفاد من الآية الكريمة ما يأتي:

••ضعفاء الإيمان يختلقون الأعذار للتخاذل عن نصرة الحق، وهذا ليس من صفات المؤمنين الصادقين.

••يسلب الله تعالى ضعفاء الإيمان الحكمة في القول، فتكون عباراتهم مضطربة، وحججهم واهية.

••العذاب الأليم هو المصير الذي ينتظر الكاذبين على الله تعالى، ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

3.إبراز تخاذل منافقي المدينة عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

قال تعالى: (لَو كانَ عَرَضًا قَريبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لَاتَّبَعوكَ وَلكِن بَعُدَت عَلَيهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحلِفونَ بِاللَّهِ لَوِ استَطَعنا لَخَرَجنا مَعَكُم يُهلِكونَ أَنفُسَهُم وَاللَّهُ يَعلَمُ إِنَّهُم لَكاذِبونَ ?42? عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذينَ صَدَقوا وَتَعلَمَ الكاذِبينَ ?43? لا يَستَأذِنُكَ الَّذينَ يُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ أَن يُجاهِدوا بِأَموالِهِم وَأَنفُسِهِم وَاللَّهُ عَليمٌ بِالمُتَّقينَ ?44? إِنَّما يَستَأذِنُكَ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَارتابَت قُلوبُهُم فَهُم في رَيبِهِم يَتَرَدَّدونَ ?45? وَلَو أَرادُوا الخُروجَ لَأَعَدّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعاثَهُم فَثَبَّطَهُم وَقيلَ اقعُدوا مَعَ القاعِدينَ ?46? لَو خَرَجوا فيكُم ما زادوكُم إِلّا خَبالًا وَلَأَوضَعوا خِلالَكُم يَبغونَكُمُ الفِتنَةَ وَفيكُم سَمّاعونَ لَهُم وَاللَّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ ?47? لَقَدِ ابتَغَوُا الفِتنَةَ مِن قَبلُ وَقَلَّبوا لَكَ الأُمورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وَظَهَرَ أَمرُ اللَّهِ وَهُم كارِهونَ ?48? وَمِنهُم مَن يَقولُ ائذَن لي وَلا تَفتِنّي أَلا فِي الفِتنَةِ سَقَطوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحيطَةٌ بِالكافِرينَ ?49? إِن تُصِبكَ حَسَنَةٌ تَسُؤهُم وَإِن تُصِبكَ مُصيبَةٌ يَقولوا قَد أَخَذنا أَمرَنا مِن قَبلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُم فَرِحونَ) [التوبة: 42 - 50] .

يبين الله تعالى لعباده أن المنافقين لا يترددون في الخروج إلى الأسفار التي يجنون منها المرابح الدنيوية، أما الأسفار التي يبتغى فيها وجه الله تعالى ونصرة الدين فيختلقون الأعذار الواهية لعدم الخروج فيها رغبةً منهم في خذلان الحق، وفرارًا من البذل والتضحية في سبيل الله تعالى، ثم يعاتب الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم على سماحه للمنافقين بالتخلف عن الخروج في غزوة تبوك وكان الأولى هو عدم السماح لهم بالتخلف؛ لأن في ذلك كشفًا لنفاقهم، ثم يبين الله تعالى أن المؤمنين الصادقين لا يختلقون الأعذار للتخلف عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى، وأن الاستئذان للتخلف عن الجهاد في سبيل الله تعالى هو سمة المرتابين من الذين لايؤمنون بالله تعالى ولا باليوم الآخر، كما يبين أن هؤلاء المرتابين يبيتون النية لعدم المشاركة مع المؤمنين في الجهاد، والدليل على ذلك هو امتناعهم عن الإعداد للخروج مع المجاهدين.

ويبين أيضًا أن عدم خروج المنافقين إلى الجهاد يصب في مصلحة المؤمنين؛ لأن وجود المنافقين في صفوف المؤمنين من أبرز عوامل الاضطراب والخلل لتلك الصفوف.

ثم يحذر الله تعالى المؤمنين من الانجرار خلف هؤلاء المتخاذلين عن نصرة الحق من خلال الاستماع أو التداول والنقل لأقوالهم التي يعمدون من خلالها إلى بث الفتن، وتثبيط العزائم أثناء فترات الصراع بين الإيمان والكفر من قبل أن يأذن الله تعالى للحق أن ينصر، ولكلمته أن تعلو.

ثم يبرز الله تعالى خبث المنافقين من خلال عرضه لما قاله بعضهم ليستأذنوا للتخلف عن الخروج للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أحد المنافقين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ائذن لي في التخلف عن المشاركة في جهاد الروم؛ لئلا أفتتن في نسائهم الجميلات فأقع في المحظور، ثم يبين الله تعالى أن المنافقين قد وقعوا أكثر المحظورات خطورة، وأشدها عقوبة حين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان 55.

ويستفاد من الآيات السابقة ما يأتي:

••المنافقون لا يترددون في الخروج إلى الأسفار التي يجنون منها المرابح الدنيوية، أما الأسفار التي يبتغى فيها وجه الله تعالى ونصرة الدين فيختلقون الأعذار الواهية لعدم الخروج رغبةً في خذلان الحق، وفرارًا من البذل والتضحية في سبيل الله تعالى.

••المنافقون يحلفون بالله تعالى الأيمان الكاذبة ليعتذروا عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى.

••الأولى ألا يأذن القائد المسلم للمتخاذلين عن الجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة الحق، يفهم ذلك من معاتبة الله تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم على إعطائه الإذن للمنافقين للقعود عن الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى في غزوة تبوك، وذلك في قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) .

••المؤمن لا يستأذن للقعود عن نصرة دين الله تعالى وإعلاء كلمته.

••التردد في اتخاذ قرار الخروج للجهاد في سبيل الله تعالى ونصرة الحق علامة من علامات النفاق.

••استئذان المنافقين لعدم الخروج للجهاد أمر ناجم عن حيرتهم وشكهم المصحوب بالقلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت