فهرس الكتاب

الصفحة 2237 من 2431

وقال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?157?) [الأعراف:157] .

ذكر الإمام فخر الدين الرازي في معنى هذه التبعية في الآية وجهين:

«أحدهما: أن المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق وفي قوله: (وَالْإِنْجِيلِ) أن المراد وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل؛ لأن من المحال أن يجده فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل.

الوجه الثاني: إن المراد من لحق من بني إسرائيل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوه، قال: وهذا القول أقرب لأن اتباعه قبل أن يبعث لا يمكن فبين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بآيات الله في زمن موسى عليه الصلاة والسلام.

ومن كانت هذه صفته في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرائعه فعلى هذين الوجهين يكون المراد بقوله الذين يتبعون الرسول من بني إسرائيل خاصة» 93.

ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآيات السابقة: «والمشهور عن كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس، أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وغيرهم» 94.

وأما ما ورد في السنة النبوية المطهرة في شأن أولئك المؤمنين من أهل الكتاب ما صح بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين:(رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه، فله أجران) 95.

وفي هذا الحديث حثٌ لأهل الكتاب على اتباع الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإيمان لا يتنافى مع ما جاء به النبي عيسى عليه السلام، مع تضاعف مقدار الأجر والثواب لمن آمن من أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

ويتضح مما مضى في الآيات الكريمة مكانة المؤمنين من النصارى بالقرآن الكريم، ومقدار أجرهم عند الله تعالى، وبينت الآيات الكريمة أن أهل الكتاب من النصارى ليسوا شرا كلهم، بل منهم من آمن بكتابه وبالقرآن ممن أدرك شريعة الإسلام، أو كان على استقامة فمات قبل أن يدركها، ومنهم قسيسون ورهبان فيهم تواضع لا يتكبرون على الحق، تفيض أعينهم من الدمع مما عرفوا من الحق.

ثانيًا: المحاربون للإسلام:

لا يخفى على أحد أن أعداء المسلمين من النصارى وغيرهم لا يفترون عن الكيد لدين الله تعالى بكل ما أوتوا من قوة وبكل ما لديهم من سبل ونراهم لا يتوانون عن الهجوم على دين الله كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، وما ذلك إلا لصد المسلمين عن دينهم، ولعل ذلك واضح في قوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى? عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى? حَتَّى? تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ?) [البقرة:120] .

فالغاية هي الصد عن دين الله تعالى.

ومن جملة المحارببن للإسلام هم النصارى الذين لم يؤمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وناصبوها العداء علنًا أو سرًا وسيتبين هذا من خلال ما يأتي:

ذكر الله تعالى في محكم كتابه عدم محبة طائفة من أهل الكتاب من النصارى للمسلمين في قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ? وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ?105?) [البقرة:105] .

أي: (( مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني: يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران، (وَلَا الْمُشْرِكِينَ) يعني: مشركي العرب (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني: أن ينزل على رسولكم من الوحي وشرائع الإسلام لأنهم كانوا كفارا، فيحبون أن يكون الناس كلهم كفارا مثلهم، وهذا كما قال في آية أخرى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء:89] .

فأخبر الله تعالى أن الأمر ليس على مرادهم حيث قال: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: يختار للنبوة من يشاء، من كان أهلا لذلك ويكرم بدينه الإسلام من يشاء، (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) أي: ذو المن العظيم لمن اختصه بالنبوة والإسلام» 96.

وفي الآية الكريمة دلالة واضحة على وجوب الحذر من أهل الكتاب ومنهم النصارى؛ ما دام كثير منهم يكرهون أن ينزل الخير على المسلمين من ربهم، لذا يجب على المسلمين الحذر منهم وعدم الاستماع لأقوالهم مما يأتونهم به على وجه النصيحة؛ لأن الله تعالى عالم بما أسروا وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ذلك، وينبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أن أعظم الخير من الله تعالى أنه أرسل النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل مبشرا ونذيرا وهاديا للعالمين.

وقد رد الله تعالى كراهيتهم باختيار نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام على مقتضى حكمته وإرادته فقال تعالى: (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [البقرة:105] .

يخبر الله تعالى في بعض آياته الكريمة أن طائفة من أهل الكتاب تسعى أن تصد المسلمين عن دينهم وتتمنى ذلك، رغم علمهم بالحق.

قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة:109] .

قال الإمام الرازي: «فالمراد أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، والعالم بأن غيره على حق لا يجوز أن يريد رده عنه إلا بشبهة يلقيها إليه، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلا بشبهة والشبهة ضربان، أحدهما: ما يتصل بالدنيا وهو أن يقال لهم: قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وضيق الأمر عليكم واستمرار المخافة بكم، فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء، والثاني: في باب الدين: بطرح الشبه في المعجزات أو تحريف ما في التوراة» 97.

وقوله تعالى: (كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ?) أي: «من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة، وشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل عليهم وما أنزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم» 98.

ومعلوم سبب حسد أهل الكتاب لأنهم كانوا من قبل يقرؤون في كتبهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وحال نبوته وكانوا يوعدون العرب بالقتل عند مبعثه لأنهم زعموا أنهم لا يتبعونه وكانوا يظنون أنه يكون من بني إسرائيل فلما بعثه الله تعالى من ولد إسماعيل حسدوا العرب وأظهروا الكفر به وجحدوا ما عرفوه، قال الله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ? فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [البقرة:89] 99.

ويحذر الله تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طرائق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح 100.

وأما سبب نزول هذه الآية فقد قال الواحدي: «قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم؟ لو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم» 101.

وقيل أيضًا: أن نفرًا من أهل الكتاب قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هربتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم، فقال عمار بن ياسر: كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال: إني عاهدت أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت، قالت اليهود، أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، ثم إنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك، فقال: أصبتما الخير وأفلحتما فأنزل الله تعالى هذه الآية» 102.

ويتضح مما تقدم عداوة أهل الكتاب وحقدهم للمسلمين وتمنيهم رجوعهم عن الإسلام وذلك بسبب كراهيتهم أن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم لكونه من أبناء إسماعيل عليه السلام، وودوا أن يكون من بني إسرائيل لذلك قالوا للصحابة ارجعوا إلى ديننا فهو خير من دينكم وهذا دليل على تعصبهم وجهلهم بالدين.

يعلم كثير من علماء أهل الكتاب أن الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق ومع ذلك فإنهم يكتمونه، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك في آيات عديدة.

قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ? وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ?146? [البقرة:146] .

وقوله تعالى: (يَعْرِفُونَهُ) ، أي: «يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص كما يعرفون أبناءهم لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم، وعن عمر رضى الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي، فلعل والدته خانت، فقبل عمر رأسه» 103.

وقيل في معنى الآية أيضًا: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة وهو قول قتادة وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم 104.

وقال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [آل عمران:71] .

أي: «يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تشهدون أنها آيات الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق» 105.

قال الطبري: «والحق الذي كتموه ما في كتبهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ونبوته» 106.

ثم فصل خلطهم الحق بالباطل فقال تعالى: (. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [آل عمران:72] .

أي: «كان ذلك أمرًا منهم إياهم بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته وما جاء به من عند الله، وأنه حق في الظاهر من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك، وبالكفر به وجحود ذلك كله في آخره» 107.

ثم يتواصون فيما بينهم قائلين: (وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ) وهنا يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم: (قُلْ إِنَّ الْهُدَى? هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى? أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ? قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [آل عمران:73] .

وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ? فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ?89?) [البقرة:89] .

ومعنى الآية: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) يعني: القرآن مصدق لما معهم يعني التوراة وهذا التصديق في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن نبوته وصفته ثابتة في التوراة وكانوا يعني: -اليهود- من قبل أي: من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يستفتحون أي: يستنصرون به على الذين كفروا يعني: مشركي العرب وذلك أنهم كانوا إذا أحزنهم أمرٌ ودهمهم عدوٌ يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما جاءهم ما عرفوا أي: الذي عرفوه يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم عرفوا نعته وصفته وأنه من غير بني إسرائيل كفروا به أي: جحدوه وأنكروه بغيا وحسدا فلعنة الله على الكافرين» 108.

قال ابن عباس: «يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب - يعني: بذلك أهل الكتاب - فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه» 109.

وقد وردت أحاديث في السنة النبوية المطهرة تبين معرفة أهل الكتاب ببعثة نبي آخر الزمان وصفاته وأتباعه، ومن ذلك ما ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أن هذه الآية التي في القرآن:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [الأحزاب:45] .

قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا) 110.

وعن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل: لا فظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح) 111.

والمتأمل في كتب السير والتاريخ يجد الكثير من الشواهد والأدلة على ذلك 112.

ويتضح مما تقدم أن نعت النبي صلى الله عليه وسلم موجود في الكتب السابقة، وأن طائفة من بني إسرائيل من النصارى قد جحدوا ما جاءهم به الرسول الذي انتظروه وبشروا به، ومع ذلك أخذهم الكبر رغم أنهم موقنون بمجيء الرسول الجديد وأوصافه موجودة عندهم في الإنجيل إلا أنهم رفضوا أن يؤمنوا فاستحقوا بذلك لعنة الله تعالى.

بعد أن بين الله تعالى في الآيات السابقة محاولة بعض أهل الكتاب رد المسلمين عن دينهم، أخبر في آيات أخرى عن محاولتهم إضلال المسلمين في دينهم.

قال تعالى: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ?69?) [آل عمران:69] .

قال الطبري: «يعني بقوله جل ثناؤه: (وَدَّتْ) ، أي: تمنت، (طَائِفَةٌ) ، يعني جماعة من (أَهْلِ الْكِتَابِ) ، وهم أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل من النصارى لو (يُضِلُّونَكُمْ) ، يقولون: لو يصدونكم أيها المؤمنون عن الإسلام، ويردونكم عنه إلى ما هم عليه من الكفر، فيهلكونكم بذلك» 113.

ثم قال تعالى: (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) ، وهو يحتمل وجوها منها: إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على قصدهم إضلال الغير وهو كقوله تعالى: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [البقرة:57] .

ومنها إخراجهم أنفسهم عن معرفة الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء يوصف بأنه ضال، ومنها أنهم لما اجتهدوا في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين لم يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين خاسرين، حيث اعتقدوا شيئا ولاح لهم أن الأمر بخلاف ما تصوروه، ثم قال تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ) ، أي: ما يعلمون أن هذا يضرهم ولا يضر المؤمنين 114.

وفي بيان بعض شبهات طائفة من أهل الكتاب في إضلال المسلمين يقول الإمام الرازي: يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات كقولهم: إن محمدا عليه الصلاة والسلام مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوة، وأيضا إن موسى عليه السلام أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول، وأيضا القول بالنسخ يفضي إلى البداء، والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود، ونظير قوله تعالى في سورة البقرة: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) [البقرة:109] .

وقوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ?) [النساء:89] 115.

ويتضح مما مضى تمني طائفة من أهل الكتاب إضلال المسلمين وردهم عند دينهم بشتى الأساليب الخبيثة والشبهات الضالة وذلك بإثارة الظنون والشكوك والأوهام حول الإسلام والتشكيك بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، والتشويش على عقيدة المسلمين إلا أن الله تعالى أكد وبين أنهم ما أضلوا إلا أنفسهم وما يشعرون.

ذكر الله تعالى في القرآن الكريم عن أهل الكتاب بأنهم يصدون المؤمنين عن سبيل الله بقوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [آل عمران:99] .

أي: «لم تصرفون عن دين الله من آمن وتصدونهم عن سبيل الله بإلقاء الشبهات والشكوك وذلك بإنكارهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم تبغونها عوجا، يعني: زيغا وميلا عن الحق بإلقاء الشبه في قلوب الضعفاء وأنتم شهداء أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته مكتوب في التوراة، وأن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام، وقيل معناه: وأنتم تشهدون المعجزات التي تظهر على يد محمد صلى الله عليه وسلم الدالة على نبوته، (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ، فيه وعيد وتهديد لهم، وذلك أنهم كانوا يجتهدون ويحتالون بإلقاء الشبهة في قلوب الناس ليصدوهم عن سبيل الله والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم فلذلك قال الله تعالى: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) » 116.

قال قتادة: «لم تصدون عن الإسلام وعن نبي الله من آمن بالله، وأنتم شهداء فيما تقرؤون من كتاب الله: أن محمدًا رسول الله وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل» 117.

يقول الزمخشري: «كانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون لصدهم عنه، ويمنعون من أراد الدخول فيه بجهدهم، وقيل: أتت اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله (تَبْغُونَهَا عِوَجًا) تطلبون لها اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة، فإن قلت: كيف تبغونها عوجا وهو محال؟ قلت: فيه معنيان: أحدهما أنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها عوجا بقولكم: إن شريعة موسى لا تنسخ، وبتغييركم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها ونحو ذلك، والثاني: أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم وأنتم شهداء أنها سبيل الله لا يصد عنها إلا ضال مضل، أو وأنتم شهداء بين أهل دينكم، عدول يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم أمورهم، وهم الأحبار» 118.

ويتضح من الآية الكريمة أن من صفات بعض أهل الكتاب الذين كفروا بالإسلام محاولة صد المسلمين عن دينهم وإقناعهم بالرجوع والإرتداد عن الإيمان بشتى الطرق وذلك بإلقاء الشبهات والشكوك، وتكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم ثبوت صفته في كتبهم، وإثارة الفتن والعداوات وإشاعة الفرقة والإختلاف والحروب بين المسلمين حتى ينالوا من دين الإسلام، ويبغون الدين عوجا برغم أنهم شهداء على أن ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، لذلك وبخ الله تعالى المعاندين منهم بسبب كفرهم وصدهم الناس عن سبيل الله وذكرهم بقوله: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) .

اقتضت حكمة الله تعالى تولية المسلمين وجوههم وتحويل قبلتهم من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، واستجاب المسلمون لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فاتجهوا جميعا نحو قبلتهم الجديدة، إلا أن هذا الأمر لم يرض السفهاء من الناس ومنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى في قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ? قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ? يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة:142] .

قال ابن كثير: «ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: (مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: (قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثم وجه الله، و (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) [البقرة:177] .

أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصريفه وخدامه، حيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه وأمته عناية عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء إبراهيم الخليل، عليه السلام، ولهذا قال: (قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ? يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» 119.

ومع علم أهل الكتاب من النصارى أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حق وأنها قبلة إبراهيم عليه السلام، لكنهم يعاندون ويتبعون هواهم ويطالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلامة على تصديق ذلك.

قال تعالى: (قَدْ نَرَى? تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ? فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ? فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ? وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ?144?وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ? وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ? وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ? وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ? إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ?145?) [البقرة:144 - 145] .

وقوله تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) : «يعني: أن القبلة إلى الكعبة هي الحق وهي قبلة إبراهيم عليه السلام، (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) ، يعني: جحودهم القبلة إلى الكعبة فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بعلامة على تصديق مقالتك وهم اليهود والنصارى، فنزل قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وهم اليهود والنصارى بكل آية، أي: بكل علامة ما تبعوا قبلتك، أي: ما صلوا إلى قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، أي بمصل إلى قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض، يقال: معناه كيف ترجو أن يتبعوك ويصلوا إلى قبلتك وهم لا يتبعون بعضهم بعضًا» 120.

وقوله تعالى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ) : أي: برهان وحجة على أن الكعبة قبلة، والمعنى ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها بالحجة، وإنما خالفوك مكابرة وعنادًا، (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) ، قطع لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره، تعزيرًا له وطمعًا في رجوعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت