وقد ذكر الله تعالى أمثلة على اختلاف أهل الكتاب وغيرهم من أهل الشرك فيما يعتقدونه، حيث قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة: 30] .
قال السعدي: « {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} وهذه المقالة وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم، فيدل ذلك على أن في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرءوا فيها على الله، وتنقصوا عظمته وجلاله، وقد قيل: إن سبب ادعائهم في {عُزَيْرٌ} أنه ابن الله، أنه لما سلط الله الملوك على بني إسرائيل، ومزقوهم كل ممزق، وقتلوا حملة التوراة، وجدوا عزيرًا بعد ذلك حافظًا لها أو لأكثرها، فأملاها عليهم من حفظه، واستنسخوها، فادعوا فيه هذه الدعوى الشنيعة. {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ} عيسى ابن مريم {ابْنُ اللَّهِ} » 54.
واختلف في سبب قولهم لذلك على قولين:
أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا: إنه ابن الله! تعالى الله عن ذلك.
الثاني: أنهم قالوا ذلك؛ لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى 55.
ثم قال تعالى: {ذَلِكَ} القول الذي قالوه {قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} لم يقيموا عليه حجة ولا برهانًا، ومن كان لا يبالي بما يقول، لا يستغرب عليه أي قولٍ يقوله، فإنه لا دين ولا عقل يحجزه عما يريد من الكلام، ولهذا قال: {يُضَاهِئُونَ} أي: يشابهون في قولهم هذا {قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} أي: قول المشركين الذين يقولون: (الملائكة بنات الله) {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] ، فتشابهت أقوالهم في البطلان، {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} أي: كيف يصرفون على الحق، الصرف الواضح المبين، إلى القول الباطل المبين 56.
والخلاصة في القول: إن الاختلاف بين الأمم من أهل الكتاب وغيرهم قد يكون في المعتقدات، وفي أصل التوحيد.
ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم أنه جعل لكل أهل ملة من الأمم شريعة ومنهجًا واضحًا.
قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] .
اختلف أهل التأويل في معنى قوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} إلى قولين.
قال ابن الجوزي: «وللمفسرين فيها قولان:
أحدهما: أن المعنى: لكل ملة جعلنا شرعةً ومنهاجًا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة، هذا قول الأكثرين.
والثاني: أن المعنى: لكل من دخل في دين محمد جعلنا القرآن شرعةً ومنهاجًا» 57.
والشرعة والشريعة في الأصل: الطريقة الظاهرة، ثم استعملت فيما شرعه الله لعباده من الدين، والمنهاج: الطريق المستقيم 58، وبينهما فرق لطيف، وهو أن الشريعة: هي التي أمر الله بها عباده، والمنهاج: الطريق الواضح المؤدي إلى تلك الشريعة 59.
وفي الآية إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة 60.
وهذا يدل على عدم التعلق بشرائع الأولين 61، لذلك احتج بهذه الآية من قال من العلماء بأن شرع من قبلنا لا يلزمنا؛ لأن قوله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} يدل على أن كل رسول جاء بشريعة خاصة فلا يلزم أمة رسول الاقتداء بشريعة رسول آخر 62.
وقال أبو زهرة في هذه الآية: «الخطاب لليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم من الذين أوتوا كتابًا نزل بشريعة من عند الله تعالى.