فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 2431

تبين الآية أن الملة القيمة والدين المنجي من العذاب المحقق للإسعاد والكمال ما قام على أساس عبادة الله وحده، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، والمسارعة إلى فعل الخيرات، والميل عن كل دين إلى هذا الدين، فحق الله عز وجل علينا أن نعبده، ونخلص له العبادة شكرًا لله على النعم التي منحنا إياها 63.

كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تبارك وتعالى) 64.

إن تشريع الأحكام حق لله عز وجل وحده، ولا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله؛ لأنه إخلال بالألوهية، فإن طاعة البشر في التشريعات والأحكام المخالفة لحكم الله شرك في الألوهية.

قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] .

إن التشريع حق من حقوق الله سبحانه وتعالى، من ادعاه فقد ادعى الألوهية، ومن ادعى الألوهية فقد كفر، وهذا ما يعرفه الكثير الكثير من علماء السلطان الذين يلوون أعناق الآيات؛ لتماشي هوى السلطان فيما لا يرضي الله عز وجل، فقد فضلوا الدنيا على الآخرة، وجعلوا من سلاطين الدنيا آلهة لهم، لها حق التشريع والحكم، وضربوا بعرض الحائط كل الأحكام والقوانين الإلهية، ومن الناس من جعل أندادًا مع الله في الحاكمية، يغتصبون حقوق الألوهية وخصائصها، ويزاولونها في حياة الناس، وعن هذا يقول سيد قطب رحمه الله: «وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله ثم يزيغ عنها، ويعلن غيرها، ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل!

يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعًا! لقد رأينا من هؤلاء من يعلم ويقول: إن التشريع حق من حقوق الله سبحانه من ادعاه فقد ادعى الألوهية.

ومن ادعى الألوهية فقد كفر، ومن أقر له بتلك الفرية وتابعه عليها، فقد كفر أيضًا.

فقد يصل الكفر في مرحلة من مراحله لدرجة أن يدعي أناسٌ الألوهية من دون الله، وقد يكون هذا الادعاء قولًا ولفظًا، مثلما قال فرعون {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38] .

وقد يكون حكمًا وواقعًا، فإذا كان هناك أناس يشرعون للناس من دون الله عز وجل، فهذا ادعاءٌ للألوهية من دون الله سبحانه وتعالى بالفعل، قد لا يكون واضحًا بالقول، ولكنه على أية حال منازعة لله عز وجل في حقٍ عظيمٍ من حقوق الألوهية وهو التشريع، مثل القوانين الوضعية التي يتحاكم عليها الناس تاركين شرع رب الأرباب.

1.إن ادعاء الألوهية جريمة كبرى في حق الله تعالى، ولا شك أن للشيطان والهوى الأمارة بالسوء دورًا فاعلًا في هذا الادعاء الباطل، ولا شك أن مصير هؤلاء المدعين ومتبعيهم إلى سخط الله وعذابه في الدنيا والآخرة، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: مدعو الألوهية:

1.نمرود بن كنعان ملك بابل أول ملك في الأرض 65.

قال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) } [البقرة: 258] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت