فهرس الكتاب

الصفحة 1111 من 2431

ذم القرآن الكريم امرأة نوح عليه السلام.

قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) } [التحريم:10] .

بينت الآية الصفات الذميمة لامرأة نوح عليه السلام، فبين أنها خائنة، وأنها من أهل النار، وأنها واقعة فيما أصاب قومها من الهلاك، واقترانها بشخصية مذمومة مثلها، وسوء عاقبتها.

{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} ، وضربها مثلًا لبيان قبحها، وضرب المثل في مثل هذا الموقع عبارة عن إيراد حالة غريبة لتعرف بها حالة أخرى مشاكلة لها في الغرابة، أي: جعل الله تعالى مثلًا لحال الكفرة حالًا ومآلًا 147.

ومن لطائف التقييد بقوله تعالى: {لِلَّذِينَ كَفَرُوا} ، أن المقصد الأصلي هو ضرب المثل للذين كفروا، وذلك من الاحتراس من أن يحمل التمثيل على المشابهة من جميع الوجوه والاحتراس بكثرة التشبيهات، ومنه تجريد الاستعارة، ومناسبة ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط تعريض لطيف بالتحذير من خطر الاعتزاز بغناء الصلة الشريفة عنهما في الوفاء بحق ما يجب من الإخلاص للنبي صلى الله عليه وسلم ليكون الشبه في التمثيل أقوى 148.

وقوله تعالى: {كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} ، وهما نوح ولوط عليهما السلام، ووصفهما بالصلاح، مع أنهما نبيان والنبوة أعظم هبة من الله لعبد من عباده تنويهًا بوصف الصلاح، وإيماء إلى أن النبوة صلاح ليعظم بذلك شأن الصالحين، ولتكون الموعظة سارية إلى نساء المسلمين في معاملتهن أزواجهن، فإن وصف النبوءة قد انتهى بالنسبة للأمة الإسلامية، مع ما في ذلك من تهويل الأذى لعباد الله الصالحين وعناية ربهم بهم ومدافعته عنهم 149.

وقوله تعالى: {فَخَانَتَاهُمَا} ، أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، وليس المراد بقوله: {فَخَانَتَاهُمَا} ، في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة، والخيانة والخون ضد الأمانة وضد الوفاء، وذلك تفريط المرء ما اؤتمن عليه وما عهد به، {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} ، وتنكير {شَيْئًا} للتحقير، أي: أقل غنى وأجحفه بله الغنى المهم، وزيادة مع الداخلين لإفادة مساواتهما في العذاب لغيرهما من الكفرة الخونة 150.

{وَقِيلَ} ، لهما عند موتهما أو يوم القيامة، وعبر بالماضي لتحقق الوقوع، {ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} ، أي: مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام 151.

ثانيًا: الأمم المذمومة في القرآن الكريم:

ذم القرآن الكريم أممًا كعاد وثمود وقوم فرعون وقوم نوح وقوم لوط، وبيان ذلك كما يأتي:

ذم القرآن الكريم قوم عاد.

قال تعالى: {وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) } [هود:59 - 60] .

بينت الآية الصفات الذميمة لقوم عاد عليه السلام، فبينت أنهم جحدوا آيات ربهم، وعصوا رسله، واتبعوا أمر رؤسائهم الطغاة، {وَتِلْكَ عَادٌ} ، أي: وتلك هي قصة قبيلة عاد مع نبيها هود عليه السلام وتلك هي عاقبتها، وكانت الإشارة للبعيد تحقيرًا لهم، وتهوينًا من شأنهم بعد أن انتهوا، وبعدوا عن الأنظار والأفكار، وقد كانوا يقولون: من أشد منا قوة 152.

والجحد: الإنكار الشديد، مثل إنكار الواقعات والمشاهدات، وهذا يدل على أن هودًا أتاهم بآيات فأنكروا دلالتها 153.

وجمع الرسل في قوله: {وَعَصَوْا رُسُلَهُ} ، وإنما عصوا رسولًا واحدًا، وهو هود عليه السلام؛ لأن المراد ذكر إجرامهم، فناسب أن يناط الجرم بعصيان جنس الرسل؛ لأن تكذيبهم هودًا لم يكن خاصًا بشخصه لأنهم قالوا له: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) } [هود:53] .

فكل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام فهم مكذبون به 154.

وقوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} ، أي: أطاعوا في الشرك أمر كل جبار عنيد لا يستدل بدليل، ولا يقبله من غيره، يريد رؤساءهم وكبراءهم، ودعاتهم إلى تكذيب الرسل، والجبار: المتكبر، والعنيد: مبالغة في المعاندة، يقال: عند، إذا طغى، ومن كان خلقه التجبر، والعنود لا يأمر بخير ولا يدعو إلا إلى باطل، فدل اتباعهم أمر الجبابرة المعاندين على أنهم أطاعوا دعاة الكفر والضلال والظلم 155.

وقوله تعالى: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، أي: جعلت تابعة لهم في الدارين، أي: لازمة، والتعبير عن ذلك بالتبعية للمبالغة، فكأنها لا تفارقهم، وإن ذهبوا كل مذهب، بل تدور معهم، حيث ما داروا 156.

وقوله تعالى: {أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} ، دعا عليهم بالهلاك أو باللعنة، وفيه من الإشعار بالسخط عليهم، والمقت، ما لا يخفى فظاعته، وتشهير بالقوم، وإذاعة لجريمتهم في الناس، واستدعاء لكل ذي سمع ونظر، أن يشهد هؤلاء القوم، وينظر إليهم وهم متلبسون بهذا الجرم الغليظ، فلا يقول فيهم إلا ما يسوءهم ويخزيهم، وتكرير حرف التنبيه، وإعادة (عاد) للمبالغة في تهويل حالهم، والحث على الاعتبار بنبئهم 157.

ذم القرآن الكريم قوم ثمود.

قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) } [فصلت:17] .

في الآية الكريمة ذم قوم ثمود عليه السلام بسوء العاقبة وصفاتهم الذميمة، {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} ، أي: وأما ثمود فبينا لهم الحق على لسان نبيهم صالح، ودللناهم على سبل النجاة بنصب الأدلة التكوينية، وإنزال الآيات التشريعية، فكذبوه واستحبوا العمى على الهدى، والكفر على الإيمان 158.

واستحبوا العمى معناه: أحبوا، فالسين والتاء للمبالغة، أي: كان العمى محبوبًا لهم، والعمى: هنا مستعار للضلال في الرأي، أي: اختاروا الضلال بكسبهم. وضمن (استحبوا) معنى: فضلوا، وهيأ لهذا التضمين اقترانه بالسين والتاء للمبالغة؛ لأن المبالغة في المحبة تستلزم التفضيل على بقية المحبوبات، فلذلك عدي (استحبوا) بحرف على، أي: رجحوا باختيارهم، وتعليق على الهدى بفعل (استحبوا) لتضمينه معنى: فضلوا وآثروا 159.

ثم ذكر جزاءهم على ما اختاروه لأنفسهم فقال: {الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ، أي: فأرسلنا عليهم صيحة ورجفة وذلًا وهوانًا، بما كانوا يكسبون من الآثام بكفرهم بالله وتكذيبهم رسله 160.

وكان العقاب مناسبًا للجرم؛ لأنهم استحبوا الضلال الذي هو مثل العمى، فمن يستحبه فشأنه أن يحب العمى، فكان جزاؤهم بالصاعقة؛ لأنها تعمي أبصارهم في حين تهلكهم 161.

ذم القرآن الكريم قوم فرعون.

قال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) } [المؤمنون:45 - 48] .

يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى، عليه السلام، وأخاه هارون إلى فرعون وملئه، بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما، لكونهما بشرين، كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك الله فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين 162.

ثم ذمهم بأوصافهم القبيحة فقال: {فَاسْتَكْبَرُوا} جميعًا عن الاستماع إلى دعوة موسى وهارون عليهما السلام، {وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ} أي: مغرورين متكبرين، مسرفين في البغي والعدوان 163.

ثم ذكر ما استتبعه هذا العتو والجبروت: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} ، أي: فقال فرعون وملؤه كيف ندين لموسى وأخيه، وبنو إسرائيل وقومهما خدمنا وعبيدنا يخضعون لنا ويتلقون أوامرنا؟ وما قصدوا بهذا إلا الزراية بهما والحط من قدرهما، وبيان أن مثلهما غير جدير بمنصب الرسالة، وقد قاسوا الشرف الديني والإمامة في تبليغ الوحى عن الله بالرياسة الدنيوية المبنية على نيل الجاه والمال 164.

وقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} ، أي: فكذب فرعون وأتباعه موسى وهارون عليهما السلام فيما جاءا به من عند ربهما عز وجل، فكانت نتيجة هذا التكذيب أن أغرقنا فرعون ومن معه جميعًا 165.

وقد جاء ذم قوم فرعون في آيات أخر، منها قوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) } [النمل:12] .

وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) } [هود:96 - 99] .

ذم القرآن الكريم قوم نوح عليه السلام.

قال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) } [الفرقان:37] .

ذم الله تعالى قوم نوح عليه السلام بسوء عاقبتهم في الدنيا والآخرة، ووصفهم بالتكذيب، وقوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ} ، والمراد بالرسل: نوح ومن قبله، أو نوح وحده، وعبر عنه بالرسل، لأن تكذيبهم له يعتبر تكذيبًا لجميع الرسل؛ لأن رسالتهم واحدة في أصولها.

وقوله سبحانه: {وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً} ، أي: بعد أن أغرقناهم بسبب كفرهم، جعلنا إغراقهم أو قصتهم عبرة وعظة للناس الذين يعتبرون ويتعظون، والتعبير بـ {آيَةً} بصيغة التنكير، يشير إلى عظم هذه الآية وشهرتها، ولا شك أن الطوفان الذي أغرق الله تعالى به قوم نوح من الآيات التي لا تنسى.

وقوله سبحانه: {وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} ، بيان لسوء مصير كل ظالم يضع الأمور في غير مواضعها، أي: وهيأنا وأعددنا للظالمين عذابًا أليمًا موجعًا، بسبب ظلمهم وكفرهم، وعلى رأس هؤلاء الظالمين قوم نوح، الذين كفروا به وسخروا منه 166.

وقد جاء ذم قوم نوح عليه السلام في آيات أخر منها: قوله تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46) } [الذاريات:46] ، خارجين عن الاستقامة بالكفر والعصيان 167.

وقوله سبحانه: {وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) } [النجم:52] .

ذمهم الله تعالى بالظلم والطغيان لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب، وهم الباقون بالظلم والمتقدمون فيه، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، والبادئ أظلم، وأما أطغى فلأنهم سمعوا المواعظ وطال عليهم الأمد ولم يرتدعوا حتى دعا عليهم نبيهم، ولا يدعو نبي على قومه إلا بعد الإصرار العظيم والظالم 168.

ذم القرآن الكريم قوم لوط عليه السلام.

قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) } [الأعراف:80 - 85] .

ذم الله تعالى قوم لوط عليه السلام بأفعالهم القبيحة التي تخالف الفطرة، وسوء العاقبة، فيخبر تعالى عن عبده لوط عليه السلام، أنه أنذر قومه نقمة الله بهم، في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة، استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء 169.

وقوله: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} ، أي: واذكر لوطًا حين قال لقومه موبخًا لهم: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت الغاية في القبح والفحش 170.

وابتداء قصة لوط وقومه بذكر (لوطًا) لأنه لم يكن لقوم لوط اسم يعرفون به، وقوم لوط كانوا خليطًا من الكنعانيين وممن نزل حولهم، ولذلك لم يوصف بأنه أخوهم؛ إذ لم يكن من قبائلهم، وإنما نزل فيهم واستوطن ديارهم، ولوط عليه السلام هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام، وكان لوط عليه السلام قد نزل ببلاد (سدوم) ولم يكن بينهم وبينه قرابة 171.

{أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} ، أي: أتفعلون تلك الفعلة التي بلغت نهاية القبح والفحش، والتي ما فعلها أحد قبلكم في زمن من الأزمان، والاستفهام في {أَتَأْتُونَ} للإنكار والتوبيخ، والإتيان المستفهم عنه مجاز في التلبس والعمل، أي: أتعملون الفاحشة، وكني بالإتيان على العمل المخصوص وهي كناية مشهورة، والفاحشة: الفعل الدنيء الذميم 172.

ثم ذمهم بأنهم أول من عملها: {مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} ، أي: ما عملها أحد قبلكم في أي زمان، بل هي من مبتدعاتكم في الفساد، فأنتم فيها أسوة وقدوة، فتبوءون بإثمها وإثم من اتبعكم فيها إلى يوم القيامة 173.

والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد النكير وتشديد التوبيخ والتقريع، فإن مباشرة القبح قبيح واختراعه أقبح، فأنكر عليهم أولًا إتيان الفاحشة 174.

ثم بين الأفعال الذميمة التي يعملونها فقال: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ} ، أي: إنكم أيها القوم لممسوخون في طبائعكم حيث تأتون الرجال الذين خلقهم الله ليأتوا النساء، ولا حامل لكم على ذلك إلا مجرد الشهوة الخبيثة القذرة، ولا ذم أعظم منه، لأنه وصف لهم بالبهيمية، وأنه لا داعي لهم من جهة العقل ألبتة كطلب النسل ونحوه 175.

والإتيان: كناية عن الاستمتاع والجماع، من أتى المرأة إذا غشيها، والتأكيد -بإن واللام- كناية عن التوبيخ؛ لأنه مبني على تنزيلهم منزلة من ينكر ذلك، لكونهم مسترسلين عليه غير سامعين لنهي الناهي. والإتيان كناية عن عمل الفاحشة 176.

وفي إيراد لفظ الرجال دون الغلمان والمردان ونحوهما، مبالغة في التوبيخ والتقريع 177.

ثم انتقل من غرض الإنكار إلى غرض الذم والتحقير والتنبيه إلى حقيقة حالهم بقوله: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} ، أي: إنكم لا تأتون هذه الفاحشة ثم تندمون على ما فعلتم، بل أنتم قوم مسرفون فيها وفي سائر أعمالكم ولا تقفون فيها عند حد الاعتدال 178.

والإسراف مجاوزة العمل مقدار أمثاله في نوعه، أي: المسرفون في الباطل والجرم، ووصفهم بالإسراف بطريق الجملة الاسمية الدالة على الثبات، أي: أنتم قوم تمكن منهم الإسراف في الشهوات، فلذلك اشتهوا شهوة غريبة لما سئموا الشهوات المعتادة 179.

ثم أخبر القرآن عن جوابهم القبيح على نصائح نبيهم لهم، فقال: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} ، أي: وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار وتلك النصيحة شيئًا من الحجج المقنعة أو الأعذار المسكنة لثورة الغضب، بل كان جوابهم الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم، وما حجتهم على تبرير ما عزموا عليه إلا أن قالوا: إن هؤلاء أناس يتطهرون ويتنزهون عن مشاركتهم في فسوقهم ورجسهم، فلا سبيل إلى معاشرتهم ولا مساكنتهم، لما بينهم من الفوارق في الصفات والأخلاق، وهذا الجواب منهم يدل على منتهى السخرية والتهكم، والافتخار بما كانوا فيه من القذارة، وقد بلغ من وقاحتهم وفجورهم أن يفعلوا الفاحشة ويفخروا بها ويحتقروا من يتنزه عنها، وهذا أسفل الدركات، ولا يهبط إليه إلا من لا يؤمن بالله واليوم الآخر 180.

والتطهر: تكلف الطهارة، وحقيقتها النظافة، وتطلق الطهارة -مجازًا- على تزكية النفس والحذر من الرذائل وهي المراد هنا، وتلك صفة كمال، وقولهم: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} ، قصدوا به ذمهم، وهم قد علموا هذا التطهر من خلق لوط عليه السلام وأهله لأنهم عاشروهم، ورأوا سيرتهم، ولذلك جيء بالخبر جملة فعلية مضارعية لدلالتها على أن التطهر متكرر منهم، ومتجدد، وذلك أدعى لمنافرتهم طباعهم والغضب عليهم وتوجه إنكار لوط عليه السلام عليهم 181.

وقوله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} ، أي: فأنجيناه وأهل بيته الذين آمنوا معه إلا امرأته، فإنها لم تؤمن به، بل خانته بولاية قومه الكافرين، فكانت من جماعة الهالكين أو الباقين الذين نزل بهم العذاب في الدنيا، وبعده عذاب الآخرة 182.

وقوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} ، أي: وأرسلنا عليهم مطرًا عجيبًا أمره، وهو الحجارة التي رجموا بها، {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} ، أي: فانظر أيها المعتبر هذا القصص وتأمله حق التأمل، لتعلم عقاب الأمم على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة، وهذا العقاب أثر طبيعي لذلك، فإنك ترى الترف والفسق يفسدان أخلاق الأمم ويذهبان ببأسها ويفرقان كلمتها ويجعلانها شيعًا وأحزابًا متعادية، فيسلط الله عليها من يستذلها ويسلبها استقلالها، ويسخرها لمنافعه، ولا يزال بها هكذا حتى تنقرض وتكون من الهالكين 183.

وقد ذم القرآن قوم لوط عليه السلام في آيات أخر.

قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) } [العنكبوت:28 - 29] .

وقال سبحانه: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) } [الشعراء:165 - 166] .

أي: متجاوزون لحدود الفطرة وحدود الشريعة، وقال جل وعلا: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) } [النمل:55] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت