فهرس الكتاب

الصفحة 1149 من 2431

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين {الْوَدُودُ} و {الرَّحِيمُ} يقول ابن القيم رحمه الله: «وما ألطف اقتران اسم الله الودود بالرحيم؛ فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ولايحبّه، وكذلك قد يرحم من لايحبّ، والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه ويحبّه مع ذلك فإنه يحب التوابين، وإذا تاب إليه عبده أحبّه ولو كان منه ما كان» 112.

السادس: البر.

اقترن الاسمان البر والرحيم في موضع واحد من كتاب الله، هوقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 28] .

والبّر: هو العطوف على عباده، المحسن إليهم، عم ببره جميع خلقه، فلم يبخل عليهم برزقه 113.

وعن سر الاقتران بين الاسمين الكريمين {الْبَرُّ} و {الرَّحِيمُ} فلأن كليهما عطاء من الله وتكرم، فالرحيم: المريد إكرام عباده المؤمنين في الدنيا بالرزق والعطف والإحسان، وفي الآخرة بالجنة، والبّر: هو المحسن إلى خلقه؛ عمهم برزقه، وخص من شاء منهم بولايته، ومضاعفة الثواب له على طاعته والتجاوز عن معصيته، وكلا الاسمين فيهما إحسان وإكرام وعطاء وتفضل، وكلا الاسمين نعمة، وهذا كله رحمة 114.

4.الأسماء المضافة.

ذهب جمع من أهل العلم إلى اعتبار الأسماء المضافة وعدّها من ضمن الأسماء الحسنى 115، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين ... وغير ذلك ممّا ثبت في الكتاب والسنّة، وثبت في الدّعاء بها بإجماع المسلمين» 116.

ومن الأسماء المضافة ولها تعلق بالرحمة: أرحم الراحمين، وخير الراحمين.

أما أرحم الراحمين: فقد ورد في دعاء أنبياء الله عليهم السلام.

قال تعالى عن موسى عليه السلام: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151] .

وقال عن يوسف عليه السلام في موضعين: {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] .

وقال تعالى: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .

وقال عن أيوب عليه السلام: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] .

وأرحم الراحمين، أي: الأشد رحمة من كل راحم 117، ومن يرحم غاية الرحمة 118.

قال ابن جرير رحمه الله: « {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151] .

يقول: وارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين، فإنك أنت أرحم بعبادك من كل من رحم شيئًا» 119.

وقال ابن عاشور رحمه الله: «وكون الله تعالى أرحم الراحمين؛ لأن رحمته أكمل الرحمات لأن كل من رحم غيره فإما أن يرحمه طلبًا للثناء في الدنيا، أو للثواب في الآخرة، أو دفعًا للرقة العارضة للنفس من مشاهدة من تحق الرحمة له، فلم يخل من قصد نفع لنفسه، وأما رحمته تعالى عباده فهي خلية عن استجلاب فائدة لذاته العلية» 120.

وأما خير الراحمين: فقد ورد في موضعين من القرآن الكريم في سورة المؤمنون وهي قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 109] .

وقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118] .

وخير الراحمين، أي: أفضل من رحم 121، وخير من رحم 122.

قال الواحدي رحمه الله: « {خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} ، أي: أفضل رحمة من الذين يرحمون» 123.

وقال ابن سعدي رحمه الله: « {خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} فكل راحم للعبد، فالله خير له منه، أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأرحم به من نفسه» 124.

5.اقتران الفضل بالرحمة.

اقترن الفضل والرحمة في مواضع من كتاب الله، ومنها قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] .

وقد ذكر بعض أصحاب الوجوه والنظائر أن الفضل إذا اقترن بالرحمة يكون بمعنى المنة أو النعمة.

قال ابن الجوزي رحمه الله: «ذكر أهل التفسير أن الفضل في القرآن على ثمانية أوجه ... السادس: المنة والنعمة، ومنه قوله تعالى في سورة النساء: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] ... وفي النور: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 10] » 125.

وقال الحيري رحمه الله: في بيان الوجوه التي ورد بها الفضل في القرآن الكريم: «أحدها: المنة كقوله في البقرة: {فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [البقرة: 64] وحيث كان» 126.

وقال ابن عثيمين رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} [النساء: 113] : «والفضل هو العطاء الزائد، والرحمة أعم؛ لأن الرحمة يكون فيها دفع المكروه وحصول المطلوب، والفضل حصول المطلوب» 127.

وفي كلام ابن جرير ما يدل للمعنى الذي ذكره ابن عثيمين رحمه الله؛ فقد قال رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ} [النساء: 175] : «يقول: فسوف تنالهم رحمته التي تنجيهم من عقابه، وتوجب لهم ثوابه ورحمته وجنته، ويلحقهم من فضله ما لحق أهل الإيمان به والتصديق برسله» 128.

الله أرحم الراحمين، جعل الرحمة صفةً له سبحانه، ووصف بها من شاء في كتابه، فوصف كتبه، وأنبياءه، وعباده المؤمنين، وبعض مخلوقاته بالرحمة، وسأعرض لمن وصفهم بها من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الكتب السماوية:

نعمة إنزال الكتب من أجل النعم التي أنعم الله بها عباده.

قال تعالى: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 154] .

قال الخازن: «قوله: {وَرَحْمَةً} يعني: إنزاله عليهم رحمةً مني عليهم» 129؛ وذلك لما يحصلون فيه من العلم الكثير، والخير الغزير، وتزكية القلوب والأرواح، وتطهير العقائد، وتكميل الأخلاق، والفتوحات الإلهية، والأسرار الربانية 130.

ومن أعظم الكتب المنزلة: القرآن، والتوراة؛ وجرت العادة أن الله ينوه بالتوراة والقرآن معا؛ لأنهما أعظم الكتب المنزلة؛ لأنه قبل نزول القرآن كانت التوراة أعظم الكتب المنزلة وأجمعها للأحكام، كما قال الله فيه: {وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 154] .

فلما نزل القرآن كان أشمل كتاب وأعظمه؛ لأنه جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وزاد فيه أشياء لم تنزل على غيره؛ ولذا لما نزلت التوراة في قوله: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 154] .

نوّه بالقرآن العظيم بعده فقال: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام: 155] .

ومثل هذا يتكرر في القرآن 131.

وقد ورد وصف كلا الكتابين بالرحمة كما تقدم في الآيتين من سورة الأنعام، كما اقترن وصف الرحمة في كليهما بأوصاف أخرى، كوصفهما بالهدى والبصائر.

قال الشنقيطي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20] : «وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة، ذكر تعالى مثله في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 43] » 132.

وقد جاءت الرحمة بصيغة التنكير في وصف كلا الكتابين في جميع المواضع التي وردت فيها في القرآن الكريم؛ للدلالة على التعظيم والتفخيم؛ حيث لا يقدر قدرها ولا يدرك شأنها 133.

قال الشوكاني رحمة الله: «والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة» 134.

وقد قصر الله الرحمة التي تضمنتها تلك الكتب على المؤمنين فقط، فقال تعالى في التوراة: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف: 154] .

فليس كل أحد يقبل هدى الله ورحمته، وإنما يقبل ذلك وينقاد له، ويتلقاه بالقبول الذين {هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} 135، الذين هم يخافون الله؛ وخصهم لأنهم هم المنتفعون به 136.

وقال تعالى أيضًا عن التوراة: {وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [هود: 17] .

أي: أنزل الله تعالى إلى تلك الأمة إمامًا لهم، وقدوةً يقتدون بها، ورحمةً من الله بهم؛ فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [هود: 17] 137.

وقال سبحانه في القرآن: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] .

فالهدى هو العلم بالحق والعمل به، والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين، وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور 138.

ومما يجدر الإشارة إليه أن التوارة رحمة لمن أنزلت إليهم قبل أن تنسخ بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فكانوا يرجعون إليها في أمور الدين والأحكام، فهداهم الله بها من الضلال؛ وهذا هو السبب للرحمة حتى نسخ الله منها ما نسخ 139؛ فلا يستدل بالمطبوع من التوراة الذي يغيّر إلى الآن آنًا بعد آنٍ، تقرؤه تجد في ذاته دليل بطلانه، وبرهان بهتانه 140.

ثانيًا: الرسل:

الرحمة صفة الأنبياء والمرسلين، وقد جاء ذلك مصرحًا به في القرآن الكريم؛ فقال تعالى عن نبيه يحيى عليه السلام {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا} [مريم: 13] .

والحنان هو الرحمة، والعطف والشفقة 141؛ وقد أعطاه الله هذه الصفة لا بتربية ولا تعليم، فهو مهدي حنون شفيق بمقتضى تكوينه الفطري، ولذا قال تعالى: {مِنْ لَدُنَّا} 142، فأعطاه الله تلك الرحمة التي تيسرت بها أموره، وصلحت بها أحواله، واستقامت بها أفعاله 143، ويجوز أن يكون المعنى أعطيناه رحمةً من لدنا كائنةً في قلبه يتحنن بها على الناس؛ حتى يخلصهم من الكفر 144.

والمعنيان متلازمان؛ قال البغوي رحمه الله: «ومعنى الآية: وآتيناه رحمةً من عندنا وتحننًا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ربهم» 145.

والحنان صفةٌ ضرورية للنبي المكلف برعاية القلوب والنفوس، وتأليفها واجتذابها إلى الخير في رفق 146؛ ولذا قال تعالى في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] .

أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك؛ لأن الأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص؛ فلذا كان من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، معاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالًا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله 147.

وقال تعالى عن نبيه عيسى عليه السلام {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا} [مريم: 21] .

رحمة من الله عز وجل لمريم؛ لما حصل لها من الفخر والثناء الحسن والمنافع العظيمة 148؛ لأنها صارت به أم نبي، له وجاهته ومكانته في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45] .

ورحمة من الله به حيث جعله نبيًا يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده في مهده وكهولته، كما قال تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 45] 149.

ورحمة لمن آمن به؛ لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير؛ لأن كل نبي رحمة لأمته 150.

وخاتم الأنبياء وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وصفه ربه بالرحمة في آيات عدة من كتاب الله، وأخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه بقوله: (إنما أنا رحمة مهداة) 151.

ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .

اشتملت هذه الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام، ومدح مرسله تعالى، ومدح رسالته؛ بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة، وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه 152.

والرحمة على عمومها في الآية الكريمة، وهذا العموم يحتمل وجهين:

أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته 153؛ لأن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر، ومنافق، وكان رحمةً للمؤمنين حيث هداهم طريق الجنة، ورحمةً للمنافقين حيث أمنوا القتل، ورحمةً للكافرين بتأخير العذاب 154.

الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة، فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمةً لهم لكن لم يقبلوها 155.

وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلًا قال: لو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء، سهلة التنازل، فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها، فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي أناس مفرطون كسالى عن العمل، فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها 156، ويوضح ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28] .

وقال الله تعالى في صفة القرآن: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44] 157.

ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 61] .

كان النبي صلى الله عليه وسلم يسعى في إيصال الخير والرحمة إلى المنافقين مع كونهم في غاية الخبث والخزي، ثم إنهم بعد ذلك يقابلون إحسانه بالإساءة، وخيراته بالشرور 158؛ وقد جرأهم على ذلك إغضاؤه صلى الله عليه وسلم عن إجرامهم وإمهالهم حتى يتمكن من الإيمان من وفقه الله للإيمان منهم 159؛ فإنه لو أمره الله تعالى أن يعاملهم بما يخفون من الكفر لكان ذلك أمرًا بقطع رقابهم، وبقاؤهم خير لهم بالمعنى الذي يعتقدونه من لفظ الخير، وخير لهم في نفس الأمر؛ لأنه إمهال لهم يرجى أن يتوب بسببه من فيه استعداد للإيمان منهم بما يراه من آيات الله، وتأييده لرسوله وللمؤمنين 160.

وخص المؤمنين في قوله: {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} وإن كان رحمة للعالمين، لأن ما حصل لهم بالإيمان بسبب الرسول لم يحصل لغيرهم، وخصوا هنا بالذكر وإن كانوا قد دخلوا في العالمين لحصول مزيتهم 161.

وعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا: من اتبعه واهتدى بهداه، وصدّق بما جاء به من عند ربه، لأن الله استنقذهم به من الضلالة، وأورثهم باتّباعه جنّاته 162.

ولذا قال أبو الليث السمرقندي رحمه الله: « {لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} في السر والعلانية» 163.

ويؤيد هذا القول: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فهو مقابل قوله: {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} ، يدل على إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول أو الفعل ينافي الإيمان الذي هو سبب الرحمة، فجزاؤه ضد جزائه وهو العذاب الشديد الإيلام 164.

وقيل المراد بالذين آمنوا هنا: المتظاهرون بالإيمان المبطنون للكفر، وهم المنافقون 165.

وكونه رحمةً لهم؛ لأنه قبل منهم الإيمان الظاهر، لا تصديقًا لهم بل رفقًا بهم، ولم يكشف أسرارهم ولم يهتك أستارهم، وأنه رحمة لهم بقبول ظواهرهم ومعاملتهم بها معاملة المؤمنين 166.

ويؤيد هذا أن الله قال: {لِلَّذِينَ آمَنُوا} فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل المؤمنين بالوصف 167.

وهذا القول لم يرتضه عدد من أهل العلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث رحمة لمن آمن به حقًا، وأما غير المؤمنين فإنهم لم يقبلوا هذه الرحمة بل ردوها، فخسروا دنياهم وآخرتهم 168.

وأما قولهم: أن الله قال: {لِلَّذِينَ آمَنُوا} فعبر عنهم بالفعل، ولم يقل المؤمنين بالوصف؛ فهذا القول ضعيف؛ لأن كثيرا ًما ناط التنزيل الجزاء على الإيمان بالتعبير عن أهله بالفعل الماضي 169.

وأما تفسيرهم كونه رحمةً بالمنافقين بستره عليهم وقبول الإيمان منهم ظاهرًا؛ فهو خطأ أيضًا؛ لأن ذلك يعتبر استدراجًا من الله لهم، وكيف يكون رحمةً لهم وهم يعيشون في الدنيا في أسوأ حال، وهم يتوقعون في كل يوم أن يوقع بهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا انكشفوا وظهرت حقيقتهم، وسيؤول أمرهم في الآخرة إلى أسوأ حال حيث يكونون في الدرك الأسفل من النار؟! 170.

ومن الآيات التي وصف الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم بالرحمة قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .

وصف الله رسوله بصفتين من صفاته العلى، وسماه باسمين من أسمائه الحسنى، فإنه قال: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} وقال: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143] .

وهذا نهاية الكرامة 171.

وتقديم الرأفة باعتبار أن آثارها دفع المضار؛ وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها جلب المنافع والأول أهم من الثاني؛ فهو صلى الله عليه وسلم يسعى بشدة في إيصال الخير والنفع للمؤمنين، وفي إزالة كل مكروه عنهم 172.

ولما كانت الرأفة والرحمة خاصة جاء متعلقها خاصًا وهو قوله: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} 173؛ للاهتمام بالمؤمنين في توجه صفتي رأفته ورحمته بهم، وأما رحمته العامة الثابتة بقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .

فهي رحمة مشوبة بشدة على غير المؤمنين فهو بالنسبة لغير المؤمنين رائف وراحم، ولا يقال: بهم رؤوف رحيم 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت