قال ابن القيم: «ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام ويخفى عليهم حكم هذه المسألة، وحصول الإسلام من جميع السبايا، وكن عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهن عن الإسلام جارية واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعًا، فمقتضى السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن» 83.
وقد أشار سيد قطب إلى حكمة هذا التشريع عند حتمية وجود سبايا كوافر في المجتمع المسلم، فكيف يصنع بهن؟ إن الفطرة لا تكتفي بأن يأكلن ويشربن، فهناك حاجة فطرية أخرى لا بد لهن من إشباعها وإلا التمسنها في الفاحشة التي تفسد المجتمع كله وتدنسه! ولا يجوز للمسلمين أن ينكحوهن وهن مشركات، لتحريم الارتباط الزوجي بين مسلم ومشركة، فلا يبقى إلا طريق واحد هو إحلال وطئهن بلا نكاح ما دمن مشركات، بعد استبراء أرحام المتزوجات منهن؛ وانقطاع صلتهن بأزواجهن في دار الكفر والحرب» 84.
ووجه الدلالة أن النهي صريح في الآية، كما أنها تشمل حكمًا آخر هو أن الله تعالى قد أسقط الإثم عمن أكرهت على الزنى.
ومن هنا اتفق العلماء على أنه لا حد على امرأة مستكرهة؛ وذلك لأنها لم تقصد ولم ترض بالزنى 85.
ويترتب على ذلك محو كل الآثار الضارة المترتبة على هذا الإكراه، ومنها الكسب غير المشروع، حيث حرمت الآية الكريمة كسب المال، وتحصيله عن طريق امتهان فاحشة الزنى والترويج لها، نظرًا لما فيها من تضييع للنسل وإفساد للمجتمع، وفي هذا دلالة على أن مصلحة المال متأخرة في الاعتبار والأهمية، عن سائر الكليات الأخرى 86.
والآية انتقال إلى نوع من التشريع من شؤون المعاملات بين الرجال والنساء التي لها أثر في الأنساب، ومن شؤون حقوق الموالي والعبيد، وهذا الانتقال لمناسبة ما سبق من حكم الاكتساب المنجر من العبيد لمواليهم وهو الكتابة فانتقل إلى حكم البغاء.
وسبب نزول هذه الآية: أن جاريتين كانتا لعبد الله بن أبي بن سلول المنافق يقال لهما معاذة ومسيكة قد أسلمتا، فأمرهما بالزنى لتكسبا له بفرجيهما، كما هي عادة أهل الجاهلية قبل الإسلام، فشكتا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [النور:33] .
أي: لأجل مال قليل يعرض لكم ويزول عنكم بسرعة 87.
وقوله: (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور:33] .
أي: لهن رحيم بهن؛ لأن المكره لا إثم عليه فيما يقول ولا فيما يفعل فامتنع المنافق من ذلك 88.
والبغاء مصدر: باغت الجارية، إذا تعاطت الزنى بالأجر حرفة لها، فالبغاء الزنى بأجرة، واشتقاق صيغة المفاعلة فيه للمبالغة والتكرير ولذلك لا يقال إلا: باغت الأمة، ولا يقال: بغت، وهو مشتق من البغي بمعنى الطلب؛ لأن سيد الأمة بغى بها كسبًا، وتسمى المرأة المحترفة به بغيًا 89.
وقد كانت في المدينة إماء بغايا منهن ست إماء شابات جميلات لعبد الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، وهن: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، وكان يكرههن على البغاء بعد الإسلام طلبًا لكسبهن، وفيه نزلت الآيات الكريمة المتقدمة 90.
قال ابن العربي: روى مالك عن الزهري أن رجلًا من أسرى قريش في يوم بدر قد جعل عند عبد الله بن أبي، وكان هذا الأسير يريد معاذة على نفسها، وكانت تمتنع منه؛ لأنها أسلمت، وكان عبد الله بن أبي يضربها على امتناعها منه، رجاء أن تحمل منه - أي: من الأسير القرشي- فيطلب فداء ولده، أي: فداء رقه من ابن أبي، ولعل هذا الأسير كان موسرًا له مال بمكة، وكان الزاني بالأمة يفتدي ولده بمائة من الإبل يدفعها لسيد الأمة، وأنها شكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية 91.
والبغاء الذي كان منتشرًا في الجاهلية كان على نوعين:
الأول: البغاء في صورة النكاح.
الثاني: البغاء العام في الإماء والحرائر.
أما الأول: فكانت تحترفه بعض الإماء اللواتي لم يكن لهن من يكفلهن، أو الحرائر اللواتي لم يكن لهن بيت، أو أسرة تضمهن، فكانت إحداهن تجلس في بيت، وتتفق في آن واحد مع عدة رجال، على أن ينفقوا عليها، ويقوموا على أمرها ويقضوا منها حاجتهم، فإذا حملت ووضعت أرسل إليهم حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت وهو ابنك يا فلان، فتسمي من أحبت باسمه، فيلتحق نسبه به، فهذا نوع من البغاء كان يتناكح به أهل الجاهلية.
وقد أثبتت عائشة رضي الله عنها أن الإسلام هدم أنكحة الجاهلية الثلاثة، وأبقى النكاح المعروف، ولكنها لم تعين ضبط زمان ذلك الهدم 92.
وأما البغاء العام: فكان معظمه بواسطة الإماء، وربما وقع من بعض الحرائر أيضًا وهو أيضًا على وجهين:
الأول: أن بعض السادة كانوا يفرضون على إمائهم مبلغًا كبيرًا من المال يتقاضونه منهن في كل شهر، فكن يكسبن بالفجور؛ لأنه لا يمكنهن أن يدفعن ما فرضه عليهن سادتهن بحرفة طاهرة، فكن يحترفن البغاء.
والوجه الثاني: أن بعض العرب كانوا يجلسون الفتيات الشابات من إمائهن في الغرفات، وينصبون على أبوابهم رايات، تكون علمًا لمن أراد أن يقضي منهن حاجته، وكانت بيوتهن تسمى المواخير، وكانوا يستدرون من ورائهن المال، فإذا أبت إحداهن أو تعففت عن ممارسة هذه الرذيلة ضربها سيدها وأكرهها على مزاولة الحرفة، حتى لا ينقطع عنه ذلك المورد الخبيث، الذي كان يكسبه المال الوفير.
وكان بمكة تسع بغايا شهيرات يجعلن على بيوتهن رايات مثل رايات البيطار ليعرفهن الرجال، وهن كما ذكر الواحدي: أم مهزول جارية السائب المخزومي، وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحية القبطية جارية العاصي بن وائل، ومزنة جارية مالك بن عميلة بن السباق، وجلالة جارية سهيل بن عمرة، وأم سويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة جارية ربيعة بن أسود. وقرينة أو قريبة جارية هشام بن ربيعة، وقرينة جارية هلال بن أنس.
وقالوا: إن عبد الله بن أبي كان قد أعد معاذة لإكرام ضيوفه، فإذا نزل عليه ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الكرامة له، فأقبلت معاذة إلى أبي بكر فشكت ذلك إليه، فذكر أبو بكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أبا بكر بقبضها فصاح عبد الله بن أبي: من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا، فأنزل الله هذه الآية، أي: وذلك قبل أن يتظاهر عبد الله بن أبي بالإسلام.
قال في التحرير والتنوير: وتقدم أن من البغايا عناق ولعلها هي أم مهزول كما يقتضيه كلام القرطبي في تفسير قوله تعالى: (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3] .
ولم أقف على أن واحدة من هؤلاء اللاتي كن بمكة أسلمت وأما اللائي كن بالمدينة فقد أسلمت منهن معاذة ومسيكة وأميمة، ولم أقف على أسماء الثلاث الأخر في الصحابة فلعلهن هلكن قبل أن يسلمن 93.
وجميع هذه الآثار متظافرة على أن هذه الآية كان بها تحريم البغاء على المسلمين والمسلمات المالكات أمر أنفسهن 94.
ولا ريب أن الخطاب بقوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) ) موجه إلى المسلمين، فإذا كانت قصة أمة ابن أبي حدثت بعد أن أظهر سيدها الإسلام، و كان هو سبب النزول فشمله العموم لا محالة، وإن كانت حدثت قبل أن يظهر الإسلام فهو سبب ولا يشمله الحكم؛ لأنه لم يكن من المسلمين يومئذ، وإنما كان تذمر أمته منه داعيًا لنهي المسلمين عن إكراه فتياتهم على البغاء، وأيًا ما كان فالفتيات مسلمات؛ لأن المشركات لا يخاطبن بفروع الشريعة 95.
وقد كان إظهار عبد الله بن أبي الإسلام في أثناء السنة الثانية من الهجرة فإنه تردد زمنًا في الإسلام، ولما رأى قومه دخلوا في الإسلام دخل فيه كارهًا مصرًا على النفاق، ويظهر أن قصة أمته حدثت في مدة صراحة كفره، لما علمت مما روي عن الزهري من قول ابن أبي حين نزلت: من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا، ونزول سورة النور كان في حدود السنة الثانية، فلا شك أن البغاء الذي هو من عمل الجاهلية استمر زمنًا بعد الهجرة بنحو سنة.
ولا شك أن البغاء يمت إلى الزاني بشبه، لما فيه من تعريض الأنساب للاختلاط، وإن كان لا يبلغ مبلغ الزنى في خرم كلية حفظ النسب، من حيث كان الزنى سرًا لا يطلع عليه إلا من اقترفه، وكان البغاء علنًا، وكانوا يرجعون في إلحاق الأبناء الذي تلدهم البغايا بآبائهم إلى إقرار البغي بأن الحمل ممن تعينه. واصطلحوا على الأخذ بذلك في النسب، فكان شبيهًا بالاستلحاق، على أنه قد يكون من البغايا من لا ضبط لها في هذا الشأن، فيفضي الأمر إلى عدم التحاق الولد بأحد.
ولا شك في أن الزنى كان محرمًا تحريمًا شديدًا على المسلم من مبدأ ظهور الإسلام، وكانت عقوبته فرضت في حدود السنة الأولى بعد الهجرة، بنزول سورة النور.
ولا يعقل أن يكون البغاء محرمًا قبل نزول هذه الآية؛ إذ لم يعرف قبلها شيء في الكتاب والسنة يدل على تحريم البغاء؛ ولأنه لو كان كذلك لم يتصور حدوث تلك الحوادث التي كانت سبب نزول الآية؛ إذ لا سبيل للإقدام على محرم بين المسلمين أمثالهم؛ ولذلك فالآية نزلت توطئة لإبطاله كما نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى?) [النساء:43] توطئة لتحريم الخمر البتة، وهو الذي جرى عليه المفسرون مثل: الزمخشري والفخر بظاهر عباراتهم دون صراحة بل بما تأولوا به معاني الآية، إذ تأولوا قوله: (ان اردن تحصنا) بأن الشرط لا يراد به عدم النهي عن الإكراه على البغاء، إذا انتفت إرادتهن التحصن، بل كان الشرط خرج مخرج الغالب؛ لأن إرادة التحصن هي غالب أحوال الإماء البغايا المؤمنات؛ إذ كن يحببن التعفف، أو لأن قصة سبب نزول الآية كانت معها إرادة التحصن 96.
والداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء في الإسلام بأنه عن إكراه، وعن منع من التحصن، ففي ذكر القيدين إيماء إلى حكمة تحريمه وفساده وخباثة الاكتساب به.
وذكر (ان اردن تحصنا) لحالة الإكراه؛ إذ إكراههم إياهن لا يتصور إلا وهن يأبين وغالب الإباء أن يكون عن إرادة التحصن، هذا تأويل الجمهور ورجعوا في الحامل على التأويل إلى حصول إجماع الأمة على حرمة البغاء، سواء كان الإجماع لهذه الآية أو بدليل آخر انعقد الإجماع على مقتضاه، فلا نزاع في أن الإجماع على تحريم البغاء، ولكن النظر في أن تحريمه هل كان بهذه الآية.
أقول: إن ذكر الإكراه جرى على النظر لحال القضية التي كانت سبب النزول.
والذي يظهر من كلام ابن العربي أنه قد نحا بعض العلماء إلى اعتبار الشرط في الآية دليلًا على تحريم الإكراه على البغاء بقيد إرادة الإماء التحصن، فقد تكون الآية توطئة لتحريم البغاء تحريمًا باتًا، فحرم على المسلمين أن يكرهوا إماءهم على البغاء؛ لأن الإماء المسلمات يكرهن ذلك، ولا فائدة لهن فيه، ثم لم يلبث أن حرم تحريمًا مطلقًا، كما دل عليه حديث أبي مسعود الأنصاري: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي) 97.
فإن النهي عن أكله يقتضي إبطال البغاء، وقد يكون هذا الاحتمال معضودًا بقوله تعالى بعده: (وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور:33] .
ونقل ابن عاشور عن الأصفهاني: وقيل إنما جاء النهي عن الإكراه، لا عن البغاء؛ لأن حد الزنى نزل بعد هذا، وهذا يقتضي أن صاحب هذا القول يجعل أول السورة نزل بعد هذه الآيات، ولا يعرف هذا، وقوله: (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) متعلق بتكرهوا أي: لا تكرهوهن لهذه العلة، ذكر هذه العلة لزيادة التبشيع كذكر (ان اردن تحصنا) ، و (عرض الحياة الدنيا) هو الأجر الذي يكتسبه الموالي من إمائهم، وهو ما يسمى بالمهر أيضًا 98.
وقوله: (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) فهو صريح في أنه حكم متعلق بالمستقبل؛ لأنه مضارع في حيز الشرط، وهو صريح في أنه عفو عن إكراه.
وأما صورة الإكراه: فإنما يحصل الإكراه متى وجد التخويف بما يقتضي تلف النفس كالتهديد بالقتل، أو بما يوجب تلف عضو من الأعضاء، وأما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة. فحال الإكراه على الزنى كحال الإكراه على الكفر، وقد قال تعالى فيه: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل:106] .
وقد ذكر بعض المفسرين أن الله تعالى إنما ذكر إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه.
وقال بعضهم: خرج مخرج الأغلب؛ إذ الغالب أن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن.
والمقصود به التقبيح والتشنيع على هذا المنكر الفظيع الذي كان يعمله أهل الجاهلية، حيث كانوا يكرهوا الفتيات على البغاء مع إرادتهن للتعفف 99.
قوله تعالى: (وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النور:33] .
قيل: غفور لهن.
وقيل: غفور لهم.
وقيل: لهن ولهم.
والراجح عفور لهن. وإلى ذلك ذهب البغوي 100، القرطبي 101، ابن كثير 102، البيضاوي، المحلي، الشوكاني، وابن عاشور 103، والشنقيطي.
وقال رحمه الله: «وأظهرها أن المعنى غفور لهن؛ لأن المكره لا يؤاخذ بما أكره عليه، بل يغفره الله لعذره بالإكراه، كما يوضحه قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: 106] . ويؤيده قراءة ابن مسعود، وجابر بن عبدالله، وابن جبير: (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم) 104.
ذكره عنهم القرطبي 105.
وذكره الزمخشري 106 عن ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، أن الموعود بالمغفرة والرحمة هو المعذور بالإكراه دون المكره؛ لأنه غير معذور في فعله القبيح، وذلك البيان المذكور بقوله: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ) [النحل: 106] » 107.
قال ابن عاشور: «فلا يخطر بالبال أن الله غفور رحيم لهم - أي المكرهين- بعد أن نهاهم عن الإكراه؛ إذ ليس لمثل هذا التبشير نظير في القرآن، وأما الإماء المكرهات فإن الله غفور رحيم لهن» 108.
وبناء على ما تقرر عند علماء الأصول 109 من أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فإن الروايات الواردة في سبب نزول الآية تدل على تعرض بعض الإماء للإكراه على الزنى وشكاتهم ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم 110، وهذا يدل دلالة واضحة على القول الراجح في الآية أن المغفرة لهن 111.
قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى? نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ?42?يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ?43?) [آل عمران:42 - 43] .
وتكرر فعل (اصْطَفَاكِ) ؛ لأن الاصطفاء الأول اصطفاء ذاتي، وهو جعلها منزهة زكية، والثاني بمعنى التفضيل على الغير. فلذلك لم يعد الأول إلى متعلق. وعدي الثاني. ونساء العالمين نساء زمانها، أو نساء سائر الأزمنة. وتكليم الملائكة والاصطفاء يدلان على نبوءتها والنبوءة تكون للنساء دون الرسالة.
وإعادة النداء في قول الملائكة: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي) لقصد الإعجاب بحالها؛ لأن النداء الأول كفى في تحصيل المقصود من إقبالها لسماع كلام الملائكة، فكان النداء الثاني مستعملًا في مجرد التنبيه الذي ينتقل منه إلى لازمه وهو التنويه بهذه الحالة والإعجاب بها 112؛ لذا وصوها بالمحافظة على الصلاة بعد أن أخبروها بعلو درجتها وكمال قربها إلى الله تعالى؛ لئلا تفتر ولا تغفل عن العبادة 113، قال مجاهد: لما قيل لها: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي) قامت حتى ورمت قدماها 114.
هذا الإعداد الذي أعدها الله وهيأها به لتكون وابنها آية للعالمين (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:91] .
نحا بها نحو الكمال البشري، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد) 115.
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون) 116.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون. وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) 117.
وهذا المذكور في الكتاب والسنة إثبات لعفتها وطهارتها ونقائها.
قال ابن عطية: «واختلف الناس في الفرج الذي أحصنت مريم، فقال الجمهور: هو فرج الدرع الذي كان عليها، وأنها كانت صينة، وأن جبريل عليه السلام: نفخ فيها الروح من جيب الدرع، وقال قوم من المتأولين: هو الفرج الجارحة، فلفظة (أَحْصَنَتْ) : إذا كان فرج الجارحة متمكنًا حقيقة، والإحصان: صونه، وفيه هي مستعملة، وإذا قدرنا فرج الدرع فلفظ (أَحْصَنَتْ) فيه مستعارة من حيث صانته، ومن حيث صار مسلكًا لولدها وهو مدح بالكناية دلالة على الطهر والنقاء فالثوب المحصن فتحاته أو جيوبه يدل ذلك على نقاء وطهر صاحبه 118.
وفي رأيي أن القائلين بالفرج الجارحة هنا على خطأ بيَن، فالقرآن الكريم عند تناوله موضوع الفرج الجارحة يتناوله بطريقة عالية من الأدب الراقي، من حيث استخدامه للرمز ولا يمكن أن يخالف هنا، فيكون الكلام عن نفخ في فرج حقيقي ظاهرًا مكشوفًا.
وما ذهبنا إليه هو ما رجحه في أضواء البيان أن النفخ كان في جيب درعها فوصل إلى جوفها، فصار بسببه حملها عيسى عليه السلام 119، وبهذا فسر في الكشاف آية النفخ 120.
وأوضح ابن تيمية أن نفخ جبريل في جيب الدرع على أنه الفرج مخالف لصريح القرآن، ورجح أنه نفخ في جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها 121.
وكذلك قال الله تعالى في حقها: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التحريم:12] .
فقوله: (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) فعلى الأرجح أنه نسبها إلى حال أهلها وعائلتها من كونهم من القانتين، فهي من هؤلاء الموصوفين بالقانتين فاقتضى استخدام جمع المذكر تغليبًا، وإشارة على أن عبادتها في نفس مستوى عبادة الرجال عمومًا.
قال أبو السعود في تفسيره: « (وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) أي: من عداد المواظبين على الطاعة، والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعات الرجال حتى عدت من جملتهم، أو من نسلهم، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام» 122.
ولما حدثت المعجزة وولدت مريم عيسى عليه السلام، عرض بنو إسرائيل بالقذف، فقالوا: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ?28?) [مريم:28] .
فمدحوا أباها، ونفوا عن أمها البغاء، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك سماه الله بهتانًا.
قال تعالى: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى? مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) [النساء:156] .
وكفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها، والمعنى ما كان أبوك امرأ سوء، وما كانت أمك بغيًا، وأنت خلافهما، وقد أتيت بهذا الولد، لذلك أخذ فقهاء المالكية من ذلك أن المعرة إذا حصلت بالتعريض وجب أن يكون قذفًا كالتصريح، والمعول على الفهم 123.
والثابت في عقيدة المسلمين في مريم عليها السلام أنها محصنة عفيفة طاهرة مطهرة عذراء، خلق الله ابنها عيسى عليه السلام بكلمة منه، دون أب، والله على كل شيء قدير، فقد خلق آدم عليه السلام دون أب وأم، وقد أراد الله إكرامها بأن تكون مظهر عظيم قدرته في مخالفة السنة البشرية لحصول حمل أنثى دون قربان ذكر، ليرى الناس مثالًا من التكوين الأول كما أشار إليه قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى? عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ? خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [آل عمران:59] 124.
وكل معجزة ظهرت من عيسى عليه السلام كما أنها نعمة في حقه، فكذلك هي نعمة في حق أمه؛ لأنها تدل على براءة ساحتها مما نسبوها إليه واتهموها به وحمل مريم ما كان من الرجال كسائر النساء، وإنما كان بروح منه 125.
ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?23?يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?24?يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ?25?) [النور:23 - 25] .