فهرس الكتاب

الصفحة 1774 من 2431

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، في قوله عز وجل: {ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ} قال: (وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحًى عظيمًا حتى ماتت) 106.

قال السمعاني: وهي آسية بنت مزاحم، وكانت آمنت بالله وبموسى عليه السلام سرا ثم أظهرت، فعذبها فرعون وعاقبها، وقد وتدها بأربعة أوتاد من حديد، فصبرت على ذلك، فأظهرت حينئذ آسية إيمانها 107.

ولقد خلد الله ذكرها وجعلها مثلًا للثبات والإيمان إلى قيام الساعة.

قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) } [التحريم:11] .

قال سيد قطب: «وإفراد امرأة فرعون بالذكر هنا مع مريم ابنة عمران يدل على المكانة العالية التي جعلتها قرينة مريم في الذكر، وهما الاثنتان نموذجان للمرأة المتطهرة المؤمنة المصدقة القانتة» 108.

وقال أبو السعود: «أي جعل حالها مثلًا لحال المؤمنين في أن وصلة الكفرة لا تضرهم حيث كانت في الدنيا تحت أعدى أعداء الله وهي في أعلى غرف الجنة» 109.

فلقد عذبها فرعون عذابًا شديدًا، لكنها استعانت بالله طالبة منه ثلاثة أمور:

أولاها: أن يبني لها بيتًا في الجنة، وقد أراها الله بيتها في الجنة قبل موتها تحت العذاب.

وثانيها: أن ينجيها من أعمال فرعون الوثنية الخبيثة 110.

وثالثها: أن ينجيها من القوم الظالمين، قوم فرعون، وظلمهم هو شركهم بالله؛ فقد دعت بأن ينجيها الله من شركهم 111.

قال ابن القيم: «فطلبت كون البيت عنده قبل طلبها أن يكون في الجنة فإن الجار قبل الدار» 112.

وهذا يدل دلالة واضحة على ثبات إيمانها وصدقها، قال المراغي: «وفى هذا دليل على أنها كانت مؤمنة مصدقة بالبعث» 113.

وقال ابن عاشور: «فكانت امرأة فرعون مثلا لمتانة إيمان المؤمنين» 114.

لقد قيض الله لموسى عليه السلام رجلًا من آل فرعون يدافع عنه، لتسكين الفتنة وإزالة الشر، ذلك الرجل الذي حمل هم الدعوة إلى الله، متبعا ومقتديا بموسى وهارون، وفيما يلي تفصيل قصته.

أولًا: التعريف به:

قال تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ} [غافر:28] .

قال الزمخشري: «كان قبطيًا ابن عم لفرعون: آمن بموسى سرًا وقيل كان إسرائيليًا ومن آل فرعون صفة لرجل، أو صلة ليكتم، أي: يكتم إيمانه من آل فرعون، واسمه: سمعان أو حبيب، وقيل: خربيل، أو حزبيل، والظاهر: أنه كان من آل فرعون» 115.

وقيل: هو ذلك الرجل الذي حذر موسى من المؤامرة في قوله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) } [القصص:20] .

قال السمعاني: «يقال: كان اسمه شمعون، ويقال: شمعان، وقيل: هو حزقيل مؤمن من آل فرعون» 116.

قال القشيري: ومن جعله إسرائيليًا ففيه بعد؛ لأنه يقال: كتمه أمر كذا، ولا يقال: كتم منه، كما قال سبحانه: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء:42] .

وأيضًا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول، يعني: كونه تكلم بهذا الكلام أمام فرعون، وجهر بكلمة الحق ونصر موسى نصرًا مؤزرًا، ودعا الناس إلى الإيمان بالله عز وجل، وخوف فرعون وقومه من أيام الأحزاب التي هلك فيها عاد وثمود وقوم نوح وغيرهم، لو كان من قوم من بني إسرائيل قوم موسى لما كان يحتمل منه فرعون هذا الكلام فهو من قوم فرعون كما تدل الآية 117.

وخلاصة الأمر أن هذا الرجل قد سماه الله مؤمنًا، وقد حمل رسالة للدفاع عن نبي الله موسى ودعوته؛ فقد خلد الله ذكره إلى يوم القيامة، دون النظر لاسمه أيًا كان.

ثانيًا: نهيه عن قتل موسى عليه السلام:

لقد كانت المهمة الأساسية لهذا الرجل المؤمن الصادق أن يوقف جريمة نكراء، ألا وهي قتل نبي الله موسى، فلقد أفصح عن إيمانه بموسى عليه السلام، معرضًا نفسه للقتل والإيذاء، متحديًا جبروت فرعون قائلًا: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر:28] .

ولم يكتم هذا الرجل المؤمن إيمانه خوفًا؛ لذلك أظهر إيمانه في أحرج الأوقات، عندما قال فرعون: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر:26] .

فعند ذلك أظهر هذا الرجل المؤمن إيمانه، فلو كان يكتم إيمانه خوفًا من فرعون لكان أجدر به أن يستمر على كتم إيمانه، وقد وصل الحال مع فرعون إلى أنه هدد بقتل موسى، وقال: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى} .

والحق أنه كان لهذه الكلمة: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} تأثير عظيم في نفس فرعون.

وقد كررها أبو بكر في محاولة عقبة بن أبي معيط خنق رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: (قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أتقتلون رجلا أن يقول: ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟) 118119.

ثالثًا: تحذيره لفرعون وقومه من عذاب الله في الدنيا:

لقد كان ناصحًا أمينًا حكيمًا لا يخاف في الله لومة لائم؛ فبدأ بتذكيرهم نعم الله عليهم، ثم خوفهم بحال الأمم السابقة.

قال تعالى: {يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) } [غافر:29 - 31] .

يذكرهم بأنهم الآن ظاهرون في الأرض، وهذا الظهور ظهور وقتي، ويذكر أيضًا بأن الدولة التي تحارب الدين يؤذن بزوالها، قال ابن كثير: يحذرهم أن يسلموا هذا الملك العزيز، فإنه ما تعرضت الدولة للدين إلا سلبوا ملكهم، فأي دولة تحارب شرع الله لابد أن تزول وأن تذل بعد عز 120.

ولقد حذر هذا الرجل المؤمن الصالح قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، فبدأ بتخويف العذاب الدنيوي، فقال: يا قومي، إني أخشى عليكم إن كذبتم موسى أن يصيبكم مثلما أصاب الأقوام الذين تحزبوا على أنبيائهم وكذبوا رسلهم من الأمم الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود ومن بعدهم كقوم لوط، فقد حل بهم بأس الله، ولم يجدوا لهم ناصرا ينصرهم، ولا عاصما يحميهم، فقوله: مثل دأب، أي مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب 121.

رابعًا: تحذيره لفرعون وقومه من عذاب يوم القيامة:

أعقب تخويفهم بعقاب الدنيا الذي حل مثله بقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم بأن خوفهم وأنذرهم عذاب الآخرة عاطفًا جملته على جملة عذاب الدنيا 122.

قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) } [غافر:32 - 33] .

في ذلك اليوم ينادي الملائكة الذين يحشرون الناس للموقف، وينادي أصحاب الأعراف على أصحاب الجنة وأصحاب النار، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة؛ فالتنادي واقع في صور شتى، وتسميته {يَوْمَ التَّنَادِ} ، تلقي عليه ظل التصايح وتناوح الأصوات من هنا ومن هناك، وتصور يوم زحام وخصام. وتتفق كذلك مع قول الرجل المؤمن: {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} ، وقد يكون ذلك فرارهم عند هول جهنم، أو محاولتهم الفرار، ولا عاصم يومئذ ولات حين فرار. وصورة الفزع والفرار هي أولى الصور هنا للمستكبرين المتجبرين في الأرض، أصحاب الجاه والسلطان، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} ، ولعل فيها إشارة خفية إلى قولة فرعون: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} 123.

خامسًا: دعوته لقومه:

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) } [غافر:38 - 44] .

قال الزمخشري: «قال أهدكم سبيل الرشاد فأجمل لهم، ثم فسر فافتتح بذم لدنيا وتصغير شأنها، لأن الإخلاد إليها هو أصل الشر كله، ومنه يتشعب جميع ما يؤدى إلى سخط الله ويجلب الشقاوة في العاقبة، وثنى بتعظيم الآخرة والاطلاع على حقيقتها، وأنها هي الوطن والمستقر، وذكر الأعمال سيئها وحسنها وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف وينشط لما يزلف، ثم وازن بين الدعوتين: دعوة إلى دين الله الذي ثمرته النجاة، ودعوتهم إلى اتخاذ الأنداد الذي عاقبته النار، وحذر، وأنذر، واجتهد في ذلك واحتشد» 124.

وقد أجمل المراغي قول الرجل المؤمن لقومه فقال: «اعلم أن هذا المؤمن لما رأى تمادى قومه في تمردهم وطغيانهم أعاد إليهم النصح مرة أخرى، فدعاهم أولًا إلى قبول هذا الدين الذي هو سبيل الخير والرشاد، ثم بين لهم حقارة الدنيا وعظم شأن الآخرة، وأنها هي الدار التي لا زوال لها، ثم ذكر أنه يدعوهم إلى الإيمان بالله الذي يوجب النجاة والدخول في الجنات، وهم يدعونه إلى الكفر الذي يوجب الدخول في النار، ثم أردف هذا بيان أن الأصنام لا تستجاب لها دعوة، فلا فائدة في عبادتها، ومرد الناس جميعا إلى الله العليم بكل الأشياء، وهو الذي يجازى كل نفس بما كسبت، وأن المسرفين في المعاصي هم أصحاب النار ثم ختم نصحه بتحذيرهم من بأس الله وتفويض أمره إلى الله الذي يدفع عنه كل سوء يراد به» 125.

سادسًا: عاقبة أمره:

لقد كانت العاقبة للمتقين في هذه القصة، كما هي العاقبة دائمًا، قال تعالى: {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) } [غافر:45] .

وكانت نهاية مؤمن فرعون تختلف عن نهاية مؤمن آل يس، فمؤمن آل يس قتلوه، ورجموه بالحجارة كما تهددوا الرسل، وانتقل من دار البلاء إلى رحمة الله عز وجل، ولما عاين الكرامة: {قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) } [يس:26 - 27] .

وأما مؤمن آل فرعون {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا} ؛ فالمؤمن دائمًا رابح سواء قتل فانتقل إلى كرامة الله ورحمته وما عند الله خير، أو انتصر في الدنيا فوقاه الله سيئات ما مكروا.

فمن يعمل مع الله عز وجل، ويتاجر معه لا يمكن أن يخسر بحال من الأحوال، قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) } [فاطر:29] .

وقال سبحانه: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) } [النساء:74] .

فالمؤمن رابح في كل الأحوال سواء انتصر أو استشهد، بخلاف الكافرين والمكذبين، الذين يحاربون شرع الله عز وجل، هم في خسارة وبوار في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) } [الأنفال:36] .

فتجارتهم خاسرة في الدنيا والآخرة.

قال السمعاني: اختلف القول في نجاته، منهم من قال: نجا حين نجا موسى وبنو إسرائيل، وذلك عند مجاوزة البحر، والقول الثاني: أن مؤمن آل فرعون لما قال هذه الأقوال، ونصح هذه النصيحة طلبه فرعون ليقتله فهرب، فبعث في طلبه جماعة، فوجدوه في جبل يصلي وحوله السباع يحرسونه ففزعوا ورجعوا 126.

تعرض فرعون وقومه جراء كفره وادعائه الربوبية والالوهية، لأنواعٍ شتى من العقاب؛ فهناك العقاب الدنيوي، كالقحط والجدب، ونقص الثمرات، والموت غرقًا، وهناك العقاب البرزخي المتمثل في عرضه وقومه على النار غدوًا وعشيًا، ثم العذاب الأخروي، ألا وهو العذاب الشديد في نار جهنم، وفيما يلي تفصيل ذلك.

أولًا: العقوبات في الدنيا:

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) } [الأعراف:130 - 136] .

ولقد اختبرنا قوم فرعون وأتباعه على ما هم عليه من الضلالة بالسنين، أي بالجدب سنة بعد سنة، والقحط، يقال منه: «أسنت القوم» ، إذا أجدبوا، ونقص من الثمرات، واختبرناهم مع الجدوب بذهاب ثمارهم وغلاتهم إلا القليل لعلهم يذكرون، عظة لهم وتذكيرًا لهم، لينزجروا عن ضلالتهم، ويفزعوا إلى ربهم بالتوبة 127.

قال الزمخشري: «أما السنون فكانت لباديتهم وأهل مواشيهم. وأما نقص الثمرات فكان في أمصارهم» 128.

قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) } [الأعراف:133] .

أي: فأرسلنا عليهم عقوبة على جرائمهم تلك المصائب والنكبات، وهى آيات بينات على صدق رسالة موسى، إذ قد توعدهم بوقوع كل واحدة منها على وجه التفصيل، لتكون دلالتها على صدقه واضحة لا تحتمل تأويلًا بأنها وقعت لأسباب لا ارتباط لها برسالته، فاستكبروا عن الإيمان بها لرسوخهم في الإجرام والإصرار على الذنوب وإن كانوا يعتقدون صدق دعوته وصحة رسالته.

وقد عدد سبحانه هنا من الآيات خمسًا وفى سورة الإسراء تسعًا وهى:

1.الطوفان: فقد نزلت عليهم أمطار أغرقت أرضهم وأتلفت زرعهم وثمارهم.

2.الجراد: وقد أكل الأخضر واليابس.

3.القمل: وقد امتلأت بها أجسادهم وملابسهم.

4.الضفادع: وقد امتلأت بها مياههم وأوانيهم وفراشهم وأسرتهم.

5.الدم: فقد كانت مياه المصريين تتحول إلى دم 129.

ثم كان الانتقام بالغرق؛ قال تعالى: فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف:136] .

قال الشعراوي: «يوضح هنا سبحانه أنه مادام قد أخذهم بالعقاب في ذواتهم، وفي مقومات حياتهم، وفي معكرات صفوهم لم يبق إلا أن يهلكوا؛ لأنه لا فائدة منهم؛ لذلك جاء الأمر بإغراقهم، لا عن جبروت قدرة، بل عن عدالة تقدير؛ لأنهم كذبوا بالآيات وأقاموا على كفرهم» 130.

ويلاحظ هنا أن أهم ما في القضية وهو الإغراق، فقد ذكر على هيئة الإيجاز، وهو الحادث الذي جاء في سورة أخرى بالتفصيل.

ثانيًا: العقوبات في القبر:

قال تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ? وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] .

«ومعنى عرضهم على النار أن أرواحهم تشاهد المواضع التي أعدت لها في جهنم، وقوله: غدوًا وعشيًا كناية عن الدوام لأن الزمان لا يخلو عن هاذين الوقتين» 131.

قال الجزائري: «إخبار بأن أرواح آل فرعون تعرض في البرزخ على النار غدوًا وعشيًا وذلك بأن تكون في أجواف طير سود على خلاف أرواح المؤمنين فإنها تكون في أجواف طير خضر ترعى في الجنة. إلى يوم القيامة» 132.

والتحقيق أن فرعون يعذب هو وقومه بعد موتهم وقبل قيام الساعة، قال القرطبي: «والجمهور على أن هذا العرض في البرزخ» 133.

وقال الزحيلي: «إن أرواح فرعون وقومه بعد موتهم في عالم البرزخ، وقبل مجيء القيامة تعرض على النار وتحرق فيها صباحًا ومساء إلى قيام الساعة» 134.

وقد أخرج البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة) 135.

ثالثًا: العقوبات في الآخرة:

قال تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ? وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) [غافر:45] .

قال الشنقيطي: «وحاق بآل فرعون سوء العذاب معناه: أنهم لما أرادوا أن يمكروا بهذا المؤمن وقاه الله مكرهم، ورد العاقبة السيئة عليهم، فرد سوء مكرهم إليهم، فكان المؤمن المذكور ناجيا في الدنيا والآخرة، وكان فرعون وقومه هالكين في الدنيا والآخرة والبرزخ» 136.

لقد انهت الآيات قصة فرعون بفاصلة تناسب نهايته البغيضة.

قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر:46] .

قال ابن عاشور: «هذا ذكر عذاب الآخرة الخالد، أي يقال: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، وعلم من عذاب آل فرعون أن فرعون داخل في ذلك العذاب بدلالة الفحوى» 137.

ويقول الزحيلي: «ثم أوضح الله تعالى ذلك العذاب السيء، فقال: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم تقوم الساعة، أدخلوا آل فرعون أشد العذاب أي إن أرواح فرعون وقومه بعد موتهم في عالم البرزخ، وقبل مجيء القيامة تعرض على النار وتحرق فيها صباحًا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار، ويقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون في جهنم، حيث يكون العذاب فيها أشد ألمًا وأعظم نكالًا» 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت