فهرس الكتاب

الصفحة 1143 من 2431

هذه الغزوة: غزوة سيف البحر، أو سرية الخبط 46، وكانت في رجب سنة ثمانٍ، بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ساحل البحر يتلقون عيرًا لقريش، بينهم وبين المدينة خمس ليال، وخرج بهم أبو عبيدة رضي الله تعالى عنه، ولما كانوا في أثناء الطريق انتهى زاد الجيش، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجمعها فكانت مزود تمر، والمزود هو: ما يوضع فيه الزاد، قال جابر: فكان أبوعبيدة يعطينا تمرةً تمرةً، فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله، قال: وانطلقنا في ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر فأكلنا منها نصف شهر .. الحديث.

أولًا: لا تملك المعبودات من دون الله الرزق:

من ثوابت الإيمان التي يجب على المسلم أن يؤمن بها ويتمسك بها أن تكون ثقته أن الرزق بيد الله، وأنه سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن على الإنسان أن يلجأ في طلب الرزق إليه سبحانه.

قال تعالى: (پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت: 16] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ?) [العنكبوت: 17] .

في الآية السابقة: وجوب إفراد الله تعالى بالدعاء والعبادة، أما هذه الآية فهي كالتفسير للآية السابقة، وقد دلت على وجوب الدعاء لله وحده وطلب الرزق منه، وعلى وجوب إفراد الله بجميع أنواع العبادة (?) ، وعلى وجوب شكر الله على نعمه، (?) هذا فعل أمر.

ثانيًا: التقرب إلى المعبودات من دون الله بنصيب من رزق الله:

العبادة حق لله وحده لا شريك له سواءً كانت ذبحًا أو نذرًا أو سجودًا أو ركوعًا أو طوافًا ونحوها، فإن من جعل شيئًا منها لمخلوق كائنًا من كان فقد أشرك بالله تعالى في عبادته، واتخذ مع الله أندادًا.

وبيان ذلك أن الذبح أو النذر لغير الله تعالى شرك بالله تعالى؛ لأنهما عبادتان يجب صرفهما لله تعالى وحده، فمن صرفهما لغيره فقد أشرك، كما أن هؤلاء الذين ينحرون أو ينذرون لغير الله تعالى سواءً كان للأموات، أو للجن، أو للملائكة عليهم السلام، أو لطلعة سلطان ونحوها، إنما يفعلون ذلك عن اعتقاد باطل، فيعتقدون أنها تجلب النفع أو تدفع الضر، ومنهم من يقدم تلك النحائر والنذور إلى هذه المعبودات من أجل أن تقربهم عند الله زلفى.

يقول الله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ) [المائدة: 3] .

يقول ابن عطية في تفسير قوله تعالى: (پ پ پ ? ?) «يعني: ما ذبح لغير الله تعالى، وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل، وكذلك النصارى، وعادة الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به، فذلك إهلاله» 47.

يقول ابن تيمية: «قوله تعالى: (پ پ پ ? ?) [المائدة: 3] .

ظاهره أنه ما ذبح لغير الله تعالى، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواءً لفظ به أو لم يلفظ، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرًا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربًا به إليه لحرم، وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين قد يتقربون إلى الكواكب، بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان» 48.

ويقول ابن كثير: «وقوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ) [المائدة: 3] .

قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب، فهو من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا» 49.

أولًا: الإيمان والتقوى:

الإيمان بالله تعالى سبب من أسباب الرزق، لقوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [96: الأعراف] .

ومن لوازم الإيمان بالله تعالى: شكره سبحانه، فكما أن الإيمان سبب في الرزق فالشكر سبب في زيادته، والشكر مبني على ثلاثة أركان هي: الاعتراف بها -أي: بالنعمة- باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة وليّها ومسديها ومعطيها سبحانه 50.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 7] ؛ فقد بينت الآية الكريمة أن الشكر سبب في زيادة النعم، والمزيد يتضمن الحفظ والزيادة، ومتى لم ير الإنسان نفسه في مزيدٍ فليستقبل الشكر.

وذكر القرطبي أن الآية نص في أن الشكر سبب المزيد في الرزق وأنه أحد الأقوال في الآية 51، وأن الكفر عمومًا بعدم الإيمان وعدم رد النعمة إلى الله تعالى سبب في العذاب لأن الكفر بالنعمة كفر ببارئها. كما جاءت الأحاديث الشريفة مؤكدة للمعنى الذي أشارت إليه الآية الكريمة، فعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يرزق الله عبدًا الشكر فيحرمه الزيادة) ؛ لأن الله تعالى يقول: (? ? ?) 52.

كما جعل الله تعالى التقوى في الآية نفسها سببًا من أسباب الرزق، وفي هذا إشارة إلى أن رغد العيش وسعة الرزق تكون بالإيمان والتقوى.

وفي آية أخرى أفرد الله سبحانه التقوى سببًا من أسباب الرزق، فقال: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ?) [الطلاق: 2] .

وقد يتصوّر أكثر الناس أن السعي في الأرض والمشي في مناكبها هو السبب الوحيد لتحصيل الرزق، ولكن اللّه سبحانه، الذي هو باسط الرزق ومسبب أسبابه، يؤكد في كتابه المجيد أن الأمر مختلف، فالتقوى والإيمان في البيان القرآني من أسباب الرزق أيضًا:

التقوى عرفها العلماء بقولهم: امتثال أمر الله، واجتناب نهيه، والوقاية من سخطه وعذابه عز وجل؛ ولذا من صان نفسه عن المعاصي هو متق لله، ومن قام بالواجبات والأوامر وحافظ عليها كان من المتقين لله تعالى، أما من عرض نفسه بالمعصية لسخط الله وعقوبته فقد أخرج نفسه عن وصف المتقين، والدليل على ارتباط التقوى بالرزق قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 66] .

أي: لأكثر الله الرزق النازل عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض، ولأسبغ عليهم الدنيا إسباغًا 53.

ومن صور التقوى: التفرغ لعبادة الله عز وجل: ومعناه: حضور القلب وخشوعه وخضوعه لله أثناء العبادة، فعن معقل بن يسارٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول ربّكم تبارك وتعالى: يا ابن آدم، تفرّغ لعبادتي، أملأ قلبك غنىً، وأملأ يديك رزقًا، يا ابن آدم، لا تباعد منّي، فأملأ قلبك فقرًا، وأملأ يديك شغلًا) 54.

ثانيًا: التوكل:

جعل الله التوكل عليه من أسباب الرزق كذلك. وحقيقة التوكل على الله هي الاعتماد عليه سبحانه، وإسناد الأمر إليه، والتفويض الكامل له، واستسلام القلب له؛ اعتمادًا على كفاية الله عبده، وإحسان العبد الظنّ بربه، وإثباتًا للتوحيد في الأمر كله لله سبحانه، حيث لا خالق ولا فاعل إلا هو، وهو تام العلم والقدرة والرحمة، فمن آمن بذلك توكل على الله 55، كما دل قوله تعالى: (ہ ہ ہ ھ ھ ھھ) إلى كفاية الله لكل من توكل عليه في أي أمر من الأمور، ويدخل في هذا العموم الرزق. وفي سنن الترمذي عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا) 56.

ففي هذا الحديث دلالة على الجمع بين الرزق والتوكل، وأن الناس لو توكلوا على الله لرزقهم كما يرزق الطير، التي تخرج من أعشاشها صباحًا خاوية البطون من الجوع تبحث عن رزقها، وتعود مساءً ممتلئة الحواصل، شبعةً من رزق الله 57.

فترك الأسباب ومجرد تفويض الأمر إلى الله في نظرهم هو الإيمان. وحقيقة الأمر أن التوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم والكسب سنته، فمن عمل على حاله فلا يتركنّ سنّته 58، والتوكل على الله في عموم حاجات المسلم من علامات إيمان المرء، ويتأكد ذلك في التوكل على الله في الرزق، وتحصيله، قال أبو حاتم بن حبّان رحمه الله الواجب على العاقل: لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، فالنظام: هو السلك الذي تنظم فيه حبات العقد.

وقرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر، ووجود الراحة، وما توكل أحدٌ على الله جل وعلا من صحة قلبه، حتى كان الله جلّ وعلا بما تضمّن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده: إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب.

وأنشدني منصور بن محمد الكريزي 59:

توكل على الرحمن في كلّ حاجةٍ

أردتّ فإن الله يقضي ويقدر

متى ما يرد ذو العرش أمرًا بعبده

يصبه، وما للعبد ما يتخيّر

وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه

وينجو بإذن الله من حيث يحذر

قال ابن حجر: والمراد بالتوكل اعتقاد ما دلت عليه هذه الآية: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 6] .

وليس المراد به: ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين لأن ذلك قد يجر إلى ضد ما يراه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا 60.

ثم إن التوكّل على الله -وليس بمعنى التواك- من أبواب الرزق، فعلى الإنسان أن يعمل ويجدّ في طلب الرزق، ولا يعني أن عمله بالطاعة يغنيه عن العمل الدّنيوي لجلب الرزق، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (لو توكّلتم على الله حق توكّله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا، وتروح بطانًا) 61.

وقد قال ابن تيمية: وأما قوله: (يا عبادي، كلّكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، وكلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) 62.

فيقتضي أصلين عظيمين؛ أحدهما: وجوب التوكّل على الله في الرّزق المتضمّن جلب المنفعة؛ كالطعام، ودفع المضرّة كاللّباس، وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرةً مطلقةً 63.

قال ابن القيم رحمه الله: «التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل 64.

ثالثًا: الاستغفار:

والاستغفار: طلب المغفرة قولًا وفعلًا، والغفران والمغفرة: هو أن يصون الله عز وجل العبد من أن يمسه العذاب 65.

ثمرات الاستغفار:

إن من منن الله الكبرى، والفضائل العظمى، ما رتّب على الاستغفار من عظيم الجزاء، ومن ذلك:

قال تعالى: (گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ?) [النساء: 110] .

أي: من تجرأ على المعاصي، واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًّا، يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع، والعزم على ألا يعود، فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة، فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدّم من الأعمال الصالحة، ويوفّقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلًا عن توفيقه؛ لأنه قد غفره، وكذا سائر المعاصي الصغيرة والكبيرة، وسمي (?) ؛ لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن، وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق، يشمل ظلمها بالشرك فما دونه، وسمى ظلم النفس ظلمًا؛ لأن نفس العبد ليست ملكًا له، يتصرف فيها بما يشاء، وإنما هي ملك لله تعالى قد جعلها أمانة عند العبد، وأمره أن يقيمها على طريق العدل، بإلزامها الصراط المستقيم علمًا وعملًا، فيسعى في تعليمها ما أمر به، ويسعى في العمل بما يجب 66.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 33] .

وقد دلّت هذه الآية على فضيلة الاستغفار وبركته، بإثبات أن المسلمين أمنوا من العذاب، الذي عذّب الله به الأمم؛ لأنهم استغفروا من الشرك باتّباعهم الإسلام 67 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في هذه الأمة أمانان: رسول الله صلى الله عليه و سلم، والاستغفار، فذهب أمان، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي أمان، يعني: الاستغفار 68.

قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [نوح: 10 - 12] .

هذه الآيات نزلت في قوم نوح لما كذبوه زمانًا طويلًا فحبس الله عز وجل عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فرجعوا فيه إلى نوح، فقال نوح عليه السلام: (? ? ? ? ?) ، أي: استغفروا ربكم من الشرك حتى يفتح عليكم أبواب نعمه، والغفار أبلغ من الغفور، وهو من الغافر، وأصل الغفر: الستر والتغطية، والمغفرة من الله ستره للذنوب وعفوه عنها بفضله ورحمته لا بتوبة العباد وطاعتهم 69.

ولتحريك داعي الاستغفار قال الله عز وجل: (? ? ?) ، فبين أنه دائم المغفرة كثيرها للتائبين، ووعدهم أنهم إن آمنوا يرزقهم الله تعالى الخصب ويدفع عنهم ما هم فيه 70، فالآيات تدل على أن الاشتغال بالطاعة سبب لانفتاح أبواب الخيرات، ويحكي لنا القرآن الكريم أن نبي الله هود عليه السلام قد تفطن لثمرة الاستغفار، وأنه من أسباب الرزق والعز والقوة؛ حيث قال عز وجل على لسانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 52] .

والمعني: كما يقول السعدي: « (? ?) عما مضى منكم (? ? ?) فيما تستقبلونه، بالتوبة النصوح، والإنابة إلى الله تعالى، فإنكم إذا فعلتم ذلك (? ? ? ?) بكثرة الأمطار التي تخصب بها الأرض، ويكثر خيرها، (? ? ? ?) فإنهم كانوا من أقوى الناس، ولهذا قالوا: (گ گ گ گ?) [فصلت: 15] .

فوعدهم أنهم إن آمنوا، زادهم قوة إلى قوتهم، أي: عزًا مضمومًا إلى عزكم أو مع عزكم» 71.

وكان أكثر دعاء نبينا صلي الله عليه وسلم: (اللّهمّ ربّنا آتنا في الدّنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النّار) 72.

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «قال ابن كثير: الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها دخول الجنة، وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة» 73.

فإذا ما استغفر المسلم ولم يجد نتيجة، فليتذكر أنه ليس المراد بالاستغفار مجرد قول «استغفر الله» بل الرجوع عن الذنوب وتطهير الألسنة والقلوب 74.

وليعلم أن الخلل فيه هو لا في غيره، وأن استغفاره لم يتجاوز لسانه، وأن استغفاره دون وعي، ودون عمل يحتاج إلى استغفار.

قال تعالى حاكيًا قول شعيب عليه السلام لقومه: (ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 90] .

قال السعدي في سرده لفوائد قصة شعيب: «ومنها: أن التائب من الذنب كما يسمح له عن ذنبه ويعفى عنه، فإن الله تعالى يحبه ويودّه ولا عبرة بقول من قال: (إن التائب إذا تاب فحسبه أن يغفر له ويعود عليه بالعفو، وأما عود الود والحب فإنه لا يعود) ، فإن الله تعالى قال: (ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 90] » 75.

رابعًا: الدعاء:

لقد أمر الله تعالى عباده بأن يدعوه وحضهم على الدعاء وسماه عبادة، ووعدهم بأن يستجيب لهم، وأخبرهم بأنه قريب يجيب دعوة من دعاه، ويستحي أن يرد يدي عبده خاليتين.

قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 186] .

وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا) 76.

وللدعاء أهمية كبرى، وثمرات جليلة، وفضائل عظيمة، وأسرار بديعة منها 77:

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [غافر: 60] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 29] .

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [غافر: 60] .

قال الإمام الشوكاني في هذه الآية: «والآية الكريمة دلت على أن الدعاء من العبادة؛ فإنه سبحانه وتعالى أمر عباده أن يدعوه، ثم قال: (? ? ? ٹ ٹ) . فأفاد ذلك أن الدعاء عبادة، وأن ترك دعاء الرب سبحانه استكبار» 78.

ويجمع خيري الدنيا والآخرة سؤال الله حسنة في الدنيا، وفي الآخرة حسنة، فهذا من جوامع الدّعاء؛ سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان يدعو بها النبيّ صلى الله عليه وسلم أكثر؟ قال: كان أكثر دعوة يدعو بها، يقول: (اللهمّ آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار) ، قال: وكان أنسٌ إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاءٍ دعا بها فيه 79.

قال ابن كثير: «جمعت هذه الدعوة كلّ خيرٍ في الدنيا، وصرفت كلّ شرٍّ، فإنّ الحسنة في الدنيا تشمل كلّ مطلوب دنيوي؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسّرين، ولا منافاة بينها، فإنّها كلها مندرجةٌ في الحسنة في الدنيا» 80.

وقال الله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ) [المائدة: 114 - 115] .

والمعنى: « (? ? ? ? ? پ) أي: يا الله المطلوب لكل مهمّ، الجامع للكمالات، الذي ربانا بها، ناداه سبحانه وتعالى مرتين بوصف الألوهية والربوبية، إظهارًا لغاية التضرع ومبالغةً في الاستدعاء، (پ پ پ ? ?) أي: التي فيها ما تعدنا من نعيم الجنة، (? ? ? ? ?) أي: يكون يوم نزولها عيدًا نعظمه ونسرّ به، نحن الذين يدركونها. ومن بعدنا الذين يسمعونها فيتقوّون في دينهم، (العيد) العائد، مشتق من (العود) لعوده في كل عام بالفرح والسرور، وكل ما عاد عليك في وقت فهو عيد، وقيل: العيد: ما اعتادك من هم أو مرض أو حزن ونحوه، كل يوم فيه جمع، (? ?) أي: على كمال قدرتك وصدق وعدك وتصديقك إياي، (?) أي: أعطنا ما سألناك، (? ٹ ٹ) أي: خير من يرزق، لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض 81.

ومن صور الدعاء: الاستعاذة بالله من المأثم والمغرم:

عن عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصّلاة: (اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدّجّال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللّهمّ! إنّي أعوذ بك من المأثم والمغرم) . قالت: فقال له قائلٌ: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: (إنّ الرّجل إذا غرم، حدّث فكذب، ووعد فأخلف) 82.

خامسًا: الإنفاق:

ومن صوره:

1 -الإنفاق في سبيل الله تعالى:

قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [سبأ: 39] .

والمعنى: (? ? ? ?) في فعل الخيرات التي أمر الله بها في كتابه وبيّنها رسوله صلّى الله عليه وسلّم، (? ?) أي: يعوضه عليكم إما في الدنيا وإما في الآخرة، (? ? ?) أي: إن الناس مجرد وسطاء، فإن رزق العباد لبعضهم بعضًا إنما هو بتيسير الله وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة، وإنما الرازق الحقيقي هو الله تعالى 83.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم أنفق أنفق عليك) 84.

2 -الإنفاق على أهل العلم:

عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: كان أخوان على عهد النّبيّ صلى الله عليه وسلم فكان أحدهما يأتي النّبيّ صلى الله عليه وسلم والآخر يحترف فشكا المحترف أخاه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: (لعلّك ترزق به) 85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت