فهرس الكتاب

الصفحة 875 من 2431

وهو تعجيب من غرابة حالهم بحيث يجدر أن يستفهم عنها المستفهمون 63: «أي ما الذي حصل لهم حال كونهم معرضين عن القرآن المشتمل على التذكرة الكبرى، والموعظة العظمى؟ أو فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك في مكة معرضون عما تدعوهم إليه، وتذكّرهم به؟ كأنهم في نفورهم عن الحق وإعراضهم عنه من حمر الوحش إذا فرت من رماة يرمونها، أو من أسد يريد افتراسها.

فالقسورة: إما جماعة الرماة الذين يتصيدونها، أو الأسد، وهو رأي جمهور اللغويين، سمي بذلك لأنه يقهر السباع، قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركون، إذا رأوا محمدًا صلّى الله عليه وسلّم، هربوا منه، كما يهرب الحمار من الأسد. وهذا التشبيه في غاية التقبيح والتهجين لحالهم، وإعلامهم بأنهم قوم بله.

والآية دليل على أن إعراضهم عن الحق والإيمان بغير سبب ظاهر مقنع، ولا استعداد للتفاهم والاقتناع، ففي تشبيههم بالحمر مذمة ظاهرة، ونداء عليهم بالبلادة والغباوة، وعدم التأثر من مواعظ القرآن، بل صار ما هو سبب لاطمئنان القلوب موجبًا لنفرتهم» 64.

وزادت الآية في بيان عنادهم وإعراضهم بإضراب انتقالي فقالت: (? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ?) وقد تضمنت «حالة أخرى من أحوال عنادهم، إذ قال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية وغيرهما من كفار قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نؤمن لك حتى يأتي إلى كل رجل منا كتاب فيه من الله إلى فلان بن فلان، وهذا من أفانين تكذيبهم بالقرآن أنه منزل من الله» 65.

والمعنى: «بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابًا كما أنزل على النبي. قاله مجاهد وغيره، كقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 124] .

وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل» 66.

فلما صورت الآيات عنادهم وإعراضهم، أعقبته ببيان الدافع الحقيقي وراء هذا العناد والإعراض: وهو أنهم لا يؤمنون بالآخرة ولا يخافون حسابًا على ما عملوا: ( ? ? ? ?) .

و « (?) إبطال لظاهر كلامهم ومرادهم منه، وردع عن ذلك، أي لا يكون لهم ذلك.

ثم أضرب على كلامهم بإبطال آخر بحرف الإضراب فقال: (? ? ? ?) : أي ليس ما قالوه إلا تنصلًا، فلو أنزل عليهم كتاب ما آمنوا وهم (? ? ?) ، أي لا يؤمنون بها، فكني عن عدم الإيمان بالآخرة بعدم الخوف منها، لأنهم لو آمنوا بها لخافوها، إذ الشأن أن يخاف عذابها إذ كانت إحالتهم الحياة الآخرة أصلًا لتكذيبهم بالقرآن» 67.

فلما لم يؤمنوا بالآخرة، لم يخافوا أهوالها ففسدت أعمالهم، قال ابن كثير: «أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها» 68.

وقد دلت الآية على أن التكذيب بالآخرة سبب لعدم الخوف من أهوالها، الذي ينتج عنه عدم الارتداع عن محارم الله وعدم الوقوف عند حدوده.

ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى أيضًا: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الليل: 8 - 11] .

والمعنى: «وأما من بخل بماله، ولم يبذل منه شيئًا في سبيل الله وطريق الخير، واستغنى عن الله ورحمته بزعمه، واكتفى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، وزهد في الأجر والثواب وفضل الله، وكذّب بالجزاء الأخروي، فسنأخذ بيده ونسهله للحال الصعبة التي لا تنتج إلا شرًّا، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح، ويضعف عن فعلها، حتى يصل إلى النار، ولا يفيده شيئًا ماله الذي بخل به، إذا وقع في جهنم ... وقوله: (? ?) معناه سقط في جهنم، أي من حافاتها» 69.

وهو ما بخل واستغنى إلا لأنه كذب بالحسنى، كما أن من أعطى واتقى ما فعل ذلك إلا لأنه صدق بالحسنى، فدل ذلك على أن من كذب بالآخرة تجرأ على حدود الله؛ لأنه لا يدفعه رجاء ثواب لطاعة، ولا يرده خوف عقاب عن معصية.

ومن كان لا يؤمن الآخرة تعلق بالحياة الدنيا كما دل على ذلك قوله جل وعلا: (? ? ? ? ? پ پ پ) [القيامة: 20 - 21] .

ومعنى الآية: «أنتم قوم قد غلبتكم الدنيا بشهواتها، فأنتم تحبونها حبًّا تتركون معه الآخرة والنظر في أمرها» 70.

وقوله جل وعلا أيضًا: (پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإنسان: 27] .

بمعنى « (پ ?) أي: المكذبين لك أيها الرسول بعد ما بينت لهم الآيات، ورغبوا ورهبوا، ومع ذلك، لم يفد فيهم ذلك شيئًا، بل لا يزالون يؤثرون، (?) ويطمئنون إليها، (?) أي: يتركون العمل ويهملون (?) أي: أمامهم (? ?) وهو يوم القيامة، الذي مقداره خمسون ألف سنة مما تعدون، وقال تعالى: (? ? ? ? ?) [القمر: 8] .

فكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا والإقامة فيها» 71.

وقيل في يوم القيامة (? ?) أي: شديدًا ومعنى أنهم يذرونه: يتركونه فلا يؤمنون به، ولا يعملون له 72.

ومن كان حاله كذلك -أي لم يؤمن بالآخرة-، كان همه الحياة الدنيا وحدها، وقصر رجاؤه عن غيرها، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ) [النجم: 29 - 30] .

«أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق واهجره. وقوله: (? ? ? ? ?) أي: وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذاك هو غاية ما لا خير فيه. ولذلك قال: (چ چ چ چ) أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له) 73.

وفي الدعاء المأثور: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا) 74» 75.

وفي الإعراض عنه عدم اهتمام بأمره، وعدم اغترار بحاله، وزهد في مشابهته وحرص على مخالفته.

فلما لم يؤمن هؤلاء بالآخرة تعلقوا بالدنيا ولم يرجوا غيرها، وانقطع علمهم عندها «فهم إنما يبصرون أمر دنياهم ويجهلون أمر دينهم، ثم صغرهم وازدرى بهم، أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة» 76.

ثانيًا: الجهل:

وأما السبب الثاني من أسباب التعدي على حدود الله ومجاوزتها فهو الجهل، وقد أشار إليه أيضًا قوله تعالى (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ) [التوبة: 97] .

وعدم العلم (? ? ں ں ? ? ? ? ?) سبب جلي للتعدي، لأن الذي لا يعرف الحد لا يمكن أن ينتهي إليه، بل لا يعلم أصلًا إن كان جاوزه أو لم يجاوزه.

وقد قيل إن مرد ذلك «لجفائهم، وقسوة قلوبهم، وقلة مشاهدتهم لأهل الخير، فهم لذلك أقسى قلوبًا، وأقلّ علمًا بحقوق الله» 77، وقيل: «السبب في كون الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا بعدهم عن مجالسة العلماء وسماع القرآن والسنن والمواعظ» 78.

لكننا بعد تأمل دقيق، نلحظ أن الجهل المذكور في الآية مرتبط بالكفر والنفاق، فهو جهل من كفر فزهد في الحق وأعرض عنه ولم يرد أن يتعلمه، لا أنه وقع له الجهل بحدود الله ابتداء من غير قصد، فجهل حدود الله، ولو علمها لوقف عندها.

ويؤيد ذلك أن هذا الجهل مرتبط بطائفة واحدة من الأعراب، لا بجميعهم، لأن منهم طائفة مدحهم القرآن الكريم بعد ذلك في قوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 99] .

غير أن الآية -وإن دلت على جهل من أعرض عن الحق وزهد في تعلمه-، فقد أشارت إلى أن الجهل بحدود الله سبب للتعدي عليها ومجاوزتها، حتى ولو لم يقع من العبد بسبب الكفر والنفاق والإعراض.

على أن نصوص القرآن الكريم قد دلت على أن الإعراض عن تعلم الحق المفضي إلى الجهل به سبب للهلاك والعذاب.

قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 57 - 59] .

فـ «لا ظلم أعظم من كفر من ترد عليه الآيات والبينات فيعرض عنها، وينسى ما قدمت يداه، أي: مع إعراضه عن التأمل في الدلائل والبينات يتناسى ما قدمت يداه من الأعمال المنكرة والمذاهب الباطلة، والمراد من النسيان التشاغل والتغافل عن كفره المتقدم» 79.

والإعراض عن التأمل في الدلائل والبينات والتشاغل والتغافل مفض إلى الجهل وعدم العلم، وقيل: « (گ گ گ گ) أي ترك كفره ومعاصيه فلم يتب منها، فالنسيان هنا بمعنى الترك» 80، وهو ناتج عن التشاغل والتغافل والإعراض المفضي إلى الجهل أيضًا.

وهذا الإعراض فرع عن قسوة القلب وما ران عليه من الكفر والمعاصي، كما نصت على ذلك الآية: « (? ? ? ? ? ? ? ں ں ?) بسبب كفرهم، أي نحن منعنا الإيمان من أن يدخل قلوبهم وأسماعهم» 81.

وكذلك قيل في معنى «الضالين» في قوله تعالى في سورة الفاتحة: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الفاتحة: 7] : «هم الذين لم يعرفوا الحق، أو لم يعرفوه على الوجه الصحيح» 82.

هذا والجهل جهلان:

لكن قد يقال: إن من أمكنه العلم وقدر على تطلبه بسؤال العالم ونحوه ففرط فيه ثم وقع في المحارم بطلت حجته ولم يكن له عذر، والأسلم له أن يجتنب ما رابه ويأخذ بالورع، حتى يجتنب الوقوع في الحمى، كما أوصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه) 85. وفي سنن الترمذي عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي: ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة) 86.

ثالثًا: الظلم:

والسبب الثالث من أسباب مجاوزة حدود الله هو «الظلم» كما أشار إلى ذلك قوله سبحانه: (ہ ہہ ہ ھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 229 - 230] .

وقوله جل وعلا: (? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ?) [الطلاق: 1] .

وأصل الظلم: الجور ومجاوزة الحد 87.

وقد وقع بمعنى الشرك في قوله جل وعلا: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [الأنعام: 82] .

كما فسره بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لما نزلت (? ? ? ? ? پ) قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فنزلت (? ? ? ? ? ?) [لقمان: 13] » 88.

والظلم أيضًا: وضع الشيء في غير موضعه 89.

وورد الظلم في القرآن الكريم بمعنيين:

أحدهما: ظلم الإنسان نفسه كما ورد صريحًا في قوله جل وعلا: (? ? ? ? ? ? ?) [الطلاق: 1] .

أي: «ضرّها بمخالفة أمر الله عزّ وجلّ» 90.

والثاني: ظلم الإنسان غيره بمجاوزته لحدوده وتعديه على حقوقه، كما دل على ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 229] .

فأما ظلم العبد غيره فقد يكون باعتدائه عليه بأخذ ماله، أو سفك دمه، أو النيل من عرضه، أو عدم توفيته إياه حقًّا من حقوقه، وقد وقع النص على تحريمه وتعظيم إثمه في الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا) 91.

و «معنى قوله: (حرمت الظلم على نفسي) أي تقدّست عنه وتعاليت، والظّلم مستحيل منه سبحانه وتعالى جدّه؛ لأنه إنّما يكون إذا تعدّيت الحدود وتجوّزت المراسم، والباري جلّت قدرته ليس فوقه أحد يحدّ له حدًّا أو يرسم له رسمًا حتى يكون متجاوزًا لذلك ظالمًا، ولا فوقه من يستحق أن يطيعه حتّى يحلّل له الحلال ويحرّم عليه الحرام، ولكن تحريم الشّيء يقتضي المنع منه والكفّ عنه فسمّى الباري سبحانه تقدّسه عن الظلم بهذا اللّفظ فقال (حرّمت على نفسي) 92.

وقد نص قوله سبحانه (وجعلته بينكم محرمًا) وقوله: (فلا تظالموا) على تحريم ظلم العباد بعضهم بعضًا، وقوله: (فلا تظالموا) : هو بفتح التاء أي لا تتظالموا، والمراد: لا يظلم بعضكم بعضًا، وهذا توكيد لقوله تعالى: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا) وزيادة تغليظ «في تحريمه» 93.

وأما ظلم العبد نفسه «ففيه وجوه، أحدها: ظلم نفسه بتعريضها لعذاب الله، وثانيها: ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع الدنيا والدين، فمثال منافع الدنيا: أنه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة «الطلاق» لا يرغب في التزوج به ولا معاملته أحد، وأما مثال منافع الدين: فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل على الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه» 94.

وظلم العبد غيره ظلم منه لنفسه أيضًا فبينهما عموم وخصوص، ويشهد لذلك أن آية الطلاق لما حدت للأزواج حدودًا أردفت ذلك بقوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ?) » فجعل ظلمهم نساءهم ظلمًا لأنفسهم؛ لأنه يؤدي إلى اختلال المعاشرة واضطراب حال البيت، وفوات المصالح بشغب الأذهان في المخاصمات. وظلم نفسه أيضًا بتعريضها لعقاب الله في الآخرة» 95.

هذا والظلم والجهل أصل كل ضلال، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 72] .

«فالحي العالم الناصح لنفسه لا يؤثر محبة ما يضره ويشقى به ويتألم به، ولا يقع ذلك إلا من فساد تصوره ومعرفته، أو من فساد قصده وإرادته، فالأول: جهل، والثاني: ظلم، والإنسان خلق في الأصل ظلومًا جهولًا ... فأصل كل خير: هو العلم والعدل، وأصل كل شر: هو الجهل والظلم.

وقد جعل الله سبحانه للعدل المأمور به حدًّا، فمن تجاوزه كان ظالمًا معتديًا، وله من الذم والعقوبة بحسب ظلمه وعدوانه، الذي خرج به عن العدل» 96.

والقرب في اللغة: «نقيض البعد. قرب الشيء، بالضم، يقرب قربًا وقربانًا أي: دنا، فهو قريب، الواحد والاثنان والجميع في ذلك سواء» 97.

فإذا ورد في سياق النهي دل على المبالغة فيه، ومنه قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 35] .

«ومعنى (? ?) ههنا: لا تأكلا، ودليل ذلك قوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) أي لا تقرباها في الأكل» 98.

وقد استعمل القرآن الكريم هذه الصيغة في الأمر باجتناب المنهيات على وجه العموم، فقال سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 151] .

كما استعملها في الأمر باجتناب بعض الفواحش المخصوصة، كما قال سبحانه في تحريم الزنا: (ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گ گ) [الإسراء: 32]

«والزنا: وطء المرأة بدون عقد شرعي يجيز للرجل وطأها. والفاحشة: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال. يقال فحش الشيء، فحشًا، كقبح قبحًا- وزنًا ومعنى-، ويقال أفحش الرجل، إذا أتى الفحش بضم الفاء وسكون الحاء-، وهو القبيح من القول أو الفعل. وأكثر ما تكون الفاحشة إطلاقًا على الزنا.

وتعليق النهي بقربانها، للمبالغة في الزجر عنها، لأن قربانها قد يؤدى إلى الوقوع فيها، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» 99.

وفوق تضمن النهي عن «القربان» للمبالغة في الزجر، فإنه تضمن أيضًا النهي عن المقدمات التي تؤدي إلى الوقوع في هذه الفاحشة، بمعنى: «ولا تقربوا الزنى ودواعيه؛ كي لا تقعوا فيه، إنه كان فعلًا بالغ القبح، وبئس الطريق طريقه» 100.

وهذا الأسلوب القرآني تضمن إعجازًا تربويًّا في تأديب المؤمنين وتزكية نفوسهم، وهو يعلمهم -لا مجرد ترك الفواحش-، بل وأن يجعلوا بينهم وبينها مسافات فاصلة تعصمهم من الخطأ والزلل، «وهذا لون حكيم من ألوان إصلاح النفوس، لأنه إذا حصل النهي عن القرب من الشيء، فلأن ينهى عن فعله من باب أولى.

فكأنه سبحانه يقول: كونوا أيها المسلمون بعيدين عن كل المقدمات التي تفضي إلى فاحشة الزنا، كمخالطة النساء، والخلوة بهن، والنظر إليهن ... فإن ذلك يفتح الطريق إلى الوقوع فيها» 101.

ومن الطريف أن السنة النبوية قد سمت المقدمات باسم النتيجة ترهيبًا منها وتنفيرًا، وهو من أبلغ الأساليب التربوية، ومن ذلك ما روى مسلم عن ابن عباس، قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) 102.

فمعلوم أن ما سمي في الحديث «زنا» كزنا العينين واللسان ليس له حكم الزنا الكامل، ولا حد فيه، وقد سماها ابن عباس رضي الله عنهما لممًا: أي صغائر، ولكن تسمية هذه الأمور زنا من باب تسمية المقدمة بالنتيجة، وهو يتضمن تعظيم الصغير حتى لا يتهاون المؤمن به.

وقد ورد النهي عن قربان مال اليتيم أيضًا، ولكنه علق باستثناء يتضمن شرطًا: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 152] .

وقال أيضًا: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 34] .

والنهي عن قربان مال اليتيم يعني النهي عن إنفاقه والتصرف فيه، «ولما اقتضى هذا تحريم التصرف في مال اليتيم، ولو بالخزن والحفظ، وذلك يعرض ماله للتلف، استثني منه قوله: (? ? ? ?) : أي إلا بالحالة التي هي أحسن» 103.

وقد دل الاستثناء على جواز التصرف بشرط أن لا يكون إلا بالتي هي أحسن، وحدت الآية لذلك غاية وهي: أن «يبلغ صاحبه أشده أي: فيسلم إليه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: (? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 6] الآية» 104.

والحاصل أن القرآن الكريم نهى عن قربان فواحش مخصوصة مبالغة في التحذير منها، وتعليمًا للمؤمن أن يجتهد في التحرز منها: جاء في التفسير الوسيط: «قال بعض العلماء: وكثيرًا ما يتعلق النهي في القرآن بالقربان من الشيء، وضابطه بالاستقراء: أن كل منهي عنه من شأنه أن تميل النفوس إليه، وتدفع إليه الأهواء، جاء النهي فيه عن القربان، ويكون القصد التحذير من أن يأخذ ذلك الميل في النفس مكانة تصل بها إلى اقتراف المحرم.

ومن ذلك قوله تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ?) ، (ژ ژ ڑ) ، (ھ ھ ے ے) .

أما المحرمات التي لم يؤلف ميل النفوس إليها، ولا اقتضاء الشهوات لها، فإن الغالب فيها، أن يتعلق النهى عنها بنفس الفعل لا بالقربان منه.

ومن ذلك قوله تعالى: (چ چ چ چ ?) ، وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) .

فهذه وإن كانت فواحش، إلا أنها ليست ذات دوافع نفسية، يميل إليها الإنسان بشهوته، بل هي في نظر العقل على المقابل من ذلك، يجد الإنسان في نفسه مرارة ارتكابها، ولا يقدم عليها إلا وهو كاره لها، أو في حكم الكاره» 105.

وأما إذا ورد النهي عن تعدي الحدود نحو قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) فهو:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت