قال ابن عثيمين: «فأشرف وصف للإنسان أن يكون من عباد الله، قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63] » 50.
وقال الرازي في قوله تعالى: {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) } [الزخرف:68] «وقد ذكرنا مرارًا أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد بالمؤمنين المطيعين المتقين، فقوله: {يَاعِبَادِ} كلام الله تعالى، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم: {يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح:
أولها: أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة.
وثانيها: أنه تعالى وصفهم بالعبودية، وهذا تشريف عظيم» 51.
وجاءت تشريفًا لملائكته عليهم السلام:
قال ابن عاشور في قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) } [الزخرف:19] «فالإضافة إلى اسم الرحمان تفيد تشريفهم قال تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء:26] .
والعبودية عبودية خاصة وهي عبودية القرب، كقوله تعالى: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا} [القمر:9] » 52.
وقال الرازي في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) } [الأعراف:206] : «أن هذا تشريف للملائكة بإضافتهم إلى الله، من حيث إنه أسكنهم في المكان الذي كرمه وشرفه وجعله منزل الأنوار ومصعد الأرواح والطاعات والكرامات، وإنما قال تعالى في صفة الملائكة: الذين عند ربك؛ لأنهم رسل الله إلى الخلق كما يقال: إن عند الخليفة جيشا عظيمًا، وإن كانوا متفرقين في البلد، فكذا هاهنا، والله أعلم» 53.
لكل بناءٍ أركان يقوم عليه، وبغيرها يكون بناءً ناقصًا ومشوهًا، ولا يقي صاحبه من برد ولا حر، وهكذا هو بناء عبادة الله سبحانه وتعالى، له ركنان يقوم عليهما، ويصبح مقبولًا عند الله سبحانه وتعالى، وهذان الركنان هما:
أولًا: غاية الحب:
وهو تقديم محبة الله ورسوله على غيرهما.
قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة:24] .
قال البغوي: «لما نزلت الآية الأولى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) } [التوبة:23] .
قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجاراتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ} » 54.
قال القرطبي: «وفي الآية دليل على وجوب حب الله ورسوله، ولا خلاف في ذلك بين الأمة، وأن ذلك مقدم على كل محبوب» 55.
وقال ابن عاشور: «فإذا حصل التعارض والتدافع بين ما أراده الله من المؤمنين وبين ما تجر إليه تلك العلائق، وجب على المؤمن دحضها وإرضاء ربه، وقد أفاد هذا المعنى التعبير «بأحب» لأن التفضيل في المحبة يقتضي إرضاء الأقوى من المحبوبين، ففي هذا التعبير تحذير من التهاون بواجبات الدين مع الكناية عن جعل ذلك التهاون مسببا على تقديم محبة تلك العلائق على محبة الله، ففيه إيقاظ إلى ما يؤول إليه ذلك من مهواة في الدين وهذا من أبلغ التعبير» 56.
والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب بغاية الذل والخضوع، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له، لم تكن عابدًا له، ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدًا له حتى تكون محبا خاضعا» 57.
ولا تنفع عبادة بواحد من هذين دون الآخر؛ ولذا قال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد 58، فـ جنس المحبة يكون لله ولرسوله كالطاعة فإن الطاعة لله ولرسوله 59.
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تقديم محبة الله ورسوله على محبة غيرهما من خصال الإيمان، ومن علامات وجود حلاوة الإيمان في القلوب: ففي «الصحيحين» عن أنس رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار) 60.
ومحبة العبد لله ورسوله وطاعته لهما واتباعه أمرهما.
قال الله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) } [آل عمران:31] .
قال الحسن وابن جريج: نزلت في قوم من أهل الكتاب قالوا: نحن الذين نحب ربنا، وروي أن المسلمين قالوا: يا رسول الله، والله إنا لنحب ربنا فأنزل الله هذه الآية 61.
قال ابن القيم: «فجعل اتباع رسوله مشروطا بمحبتهم لله، وشرطا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود شرطه وتحققه بتحققه فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل إذًا ثبوت محبتهم لله، وثبوت محبة الله لهم بدون المتابعة لرسوله» 62.
ثانيًا: غاية الذل والخضوع:
وهو الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى.
قال جل شأنه: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } [الفاتحة:5] .
قال الطبري: «وتأويل قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لك اللهم نخشع ونذل ونستكين؛ إقرارًا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك» 63.
وقد ذكر الطبري العلة في اختياره لهذا التأويل حيث قال: «لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة» 64.
وقال الماوردي: «وقوله: {نَعْبُدُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن العبادة الخضوع، ولا يستحقها إلا الله تعالى؛ لأنها أعلى مراتب الخضوع، فلا يستحقها إلا المنعم بأعظم النعم، كالحياة والعقل والسمع والبصر. والثاني: أن العبادة الطاعة. والثالث: أنها التقرب بالطاعة. والأول أظهرها؛ لأن النصارى عبدت عيسى عليه السلام، ولم تطعه بالعبادة، والنبي صلى الله عليه وسلم مطاع، وليس بمعبودٍ بالطاعة» 65.
والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله 66.
وفي الآية إعلام بما صدع به الإسلام من تحرير الأنفس لله تعالى وتخليصها لعبادته وحده، فإن كل ذلك إنما يستحقه فاطر الأرض والسموات وحده، وذلك أن لفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب. فلا بد أن يكون العابد محبًا للإله المعبود كمال الحب، ولا بد أن يكون ذليلًا له كمال الذل، وهما لا يصلحان إلا لله وحده 67.
ونستخلص مما سبق أن العبادة تتضمن ركنان أساسيان لا قوام للعبادة بدونهما وهما: غاية الحب مع غاية الذل والخضوع، ولا يستحقها إلا المنعم جل وعلا.
فائدة:
مراتب العبادة ثلاث:
الأولى: أن يعبد الله طمعًا في الثواب وخوفًا من العقاب وهي العبادة، وهي درجة نازلة ساقطة؛ لأنه جعل الحق وسيلة لنيل المطلوب.
الثانية: أن يعبد الله لأجل أن يتشرف بعبادته؛ والانتساب إليه بقبول تكاليفه؛ وهي أعلى من الأولى إلا أنها ليست كاملة؛ لأن المقصود بالذات غير الله.
الثالثة: أن يعبد الله لكونه إلهًا خالقًا مستحقًا للعبادة وكونه هو عبدًا له، وهذه أعلى المقامات وهو المسمى بالعبودية 68.
كما أن لكل عبادة في الإسلام أركان تقوم عليها، فكذلك لها شروط لا تصح إلا بها.
فأما شروط العبادة فهي:
أولًا: إخلاص النية:
فالإخلاص لله تعالى شرط أساسي لقبول العبادة.
قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5] .
وقد اختلفت ألفاظ السلف في معنى قوله: {مُخْلِصِينَ} قال بعضهم: مقرين له بالعبادة، وقال آخرون: قاصدين بقلوبهم رضا الله في العبادة، وقال الزجاج: أي يعبدونه موحدين له لا يعبدون معه غيره، ويدل على هذا قوله: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} [التوبة:31] 69.
قال القرطبي: «وفي الآية دليلٌ على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره» 70.
ففي الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه) 71.
فمن لم يخلص لله في عبادته، لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور، فلا يقبل منه، فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه 72) 73.
وللعلماء تعاريف متعددة لهذه الكلمة، قال الكرخي: الإخلاص أن لا يطلع على عملك إلا الله سبحانه ولا تطلب منه ثوابًا، وقال الشهاب: الإخلاص عدم الشرك وأنه ليس بمعنى الإخلاص المتعارف 74.
فالإخلاص أصل من أصول الدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «وجماع الدين أصلان: ألا نعبد إلا الله ولا نعبده إلا بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110] » 75.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فلا يكون العبد متحققا بـ» {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5] إلا بأصلين عظيمين:
أحدهما: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والثاني: الإخلاص للمعبود، فهذا تحقيق « {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة:5] » 76.
فإن هذين الأصلين هما دين الإسلام الذي ارتضاه الله كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) } [النساء:125] .
ولفظ «أسلم» يتضمن شيئين:
أحدهما: الإخلاص.
والثاني: الاتباع والإذلال 77.
ثانيًا: التزام الشرع:
والتزام الشرع هو المتابعة والموافقة لما جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110] .
قال ابن كثير: « {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} ما كان موافقًا لشرع الله {وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصا لله، صوابًا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم» 78.
ولهذا كان أئمة السلف رحمهم الله يجمعون هذين الأصلين كقول الفضيل بن عياض في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك:2] .
قال: أخلصه وأصوبه.
فقيل له: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟
فقال: إن العمل إذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة 79.
وهو المتفق عليه بين المسلمين، فإنه لا بد له في العمل أن يكون مشروعا مأمورًا به، وهو العمل الصالح، ولا بد أن يقصد به وجه الله، كما قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110] .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا 80.
قال ابن كثير في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود:7] .
«وقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ} أي: ليختبركم {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ولم يقل: أكثر عملًا، بل {أَحْسَنُ عَمَلًا} ، ولا يكون العمل حسنًا حتى يكون خالصًا لله عز وجل، على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمتى فقد العمل واحدًا من هذين الشرطين بطل وحبط» 81.
وأصبح مردودًا على عامله، يعود عليه أحوج ما هو إليه هبًاء منثورًا.
قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) } [الفرقان:23] .
وفي الصحيح عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌ) 82.
وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدًا، فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء 83.
هناك دوافع وأسباب تدفع الإنسان لعبادة الله سبحانه وتعالى، وتجعله دائم الصلة بربه تعالى، وبإمكاننا أن نقسم هذه الدوافع إلى قسمين:
أولًا: دوافع فطرية:
ومن تلك الدوافع:
فمعرفة الخالق مغروسة في الفطرة الإنسانية، وهي عهد الله وميثاقه الذي أخذه سبحانه وتعالى على بني آدم، فقد نص الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، أنه استخرج من صلب آدم ذريته، وأقروا بأن الله تعالى ربهم ومليكهم.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) } [الأعراف:172] .
قال ابن كثير رحمه الله: «يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو» 84.
وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم:30] .
قال المراغي: «أي: الزموا خلقة الله التي خلق الناس عليها، فقد جعلهم بفطرتهم جانحين للتوحيد وموقنين به؛ لكونه موافقا لما يهدي إليه العقل، ويرشد إليه صحيح النظر، كما ورد في الحديث عن النبي أنه قال: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ... ) 85 الحديث» 86.
وثبت أيضًا عن النبي أنه قال فيما يحكى عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم) الحديث 87.
بل إن المشركين في حالة الشدة والبلاء وانقطاع رجائهم عن الدنيا يرجعون إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في أكثر من آية في كتابه، كقوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) } [العنكبوت:65] .
قال الرازي: «وفي الآية إشارة إلى أن المانع من التوحيد هو الحياة الدنيا، وبيان ذلك هو أنهم إذا انقطع رجاؤهم عن الدنيا رجعوا إلى الفطرة الشاهدة بالتوحيد ووحدوا وأخلصوا، فإذا أنجاهم وأرجأهم عادوا إلى ما كانوا عليه من حب الدنيا وأشركوا به سبحانه وتعالى» 88.
وإنما خص بالذكر حال خوفهم من هول البحر في هذه الآية وفي آيات كثيرة في كتاب الله؛ لأن أسفارهم في البر كانوا لا يعتريهم فيها خوف يعم جميع السفر؛ لأنهم كانوا يسافرون قوافل، معهم سلاحهم، ويمرون بسبل يألفونها فلا يعترضهم خوف عام، فأما سفرهم في البحر فإنهم يفرقون من هوله ولا يدفعه عنهم وفرة عدد ولا قوة عدد، فهم يضرعون إلى الله بطلب النجاة ولعلهم لا يدعون أصنامهم حينئذ 89.
فكل فرد من أفراد الناس مفطور أي: مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان، وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وقول جماعة من المفسرين وهو الحق، والقول بأن المراد بالفطرة هنا الإسلام هو مذهب جمهور السلف 90.
ونستخلص مما سبق أن معرفة الله فطر عليها الخلق بأجمعهم، والإقرار بربوبيته سبحانه وتعالى، وأن الانحراف عن هذه المعرفة والإيمان قد تكون من قبل الأبوين، أو المجتمع، أو بسبب الغفلة، أو الشياطين، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم عن حقيقة العباد وذواتهم بأنها فقيرة إليه سبحانه، كما أخبر عن ذاته المقدسة، وحقيقته أنه غني حميد.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) } [فاطر:15] .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «بين سبحانه في هذه الآية أن فقر العباد إليه أمر ذاتي لهم لا ينفك عنهم، كما أن كونه غنيًا حميدًا ذاتي، فغناه وحمده ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، وفقر من سواه إليه ثابت له لذاته، لا لأمر أوجبه، فلا يعلل هذا الفقر بحدوث، ولا إمكان - ردًا على الفلاسفة والمتكلمين- بل هو ذاتي للفقير، فحاجة العبد إلى ربه لذاته، لا لعلة أوجبت تلك الحاجة، كما أن غنى الرب سبحانه لذاته، لا لأمر أوجب غناه، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والفقر لي وصف ذات لازم أبدًا كما أن الغنى أبدًا وصف له ذاتي» 91.
وعرف تبارك وتعالى «الفقراء» في هذه الآية؛ ليريهم شديد افتقارهم إليه، إذ هم جنس الفقراء، وإن كان العالم بأسره مفتقر إليه؛ فلضعفهم جعلوا كأنهم جميع هذا الجنس ولو نكر لكان المعنى: أنتم، يعني: الفقراء 92.
وقال الرازي في سبب نزول هذه الآية: «لما كثر الدعاء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والإصرار من الكفار، وقالوا إن الله لعله يحتاج إلى عبادتنا حتى يأمرنا بها أمرًا بالغًا، ويهددنا على تركها مُبالغًا، فقال تعالى: {أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فلا يأمركم بالعبادة لاحتياجه إليكم وإنما هو لإشفاقه عليكم» 93.
ثانيًا: دوافع شرعية:
ومن تلك الدوافع:
وهي من أعظم الدوافع الشرعية، فهي من صفات المؤمنين الصادقين، وهي باعث الرجاء والخوف؛ الرغبة في ثواب الله تعالى، والرهبة من عذابه وعقابه سبحانه وتعالى، وقد أثنى الله عزو جل على أشرف الخلق إليه، وهم أنبيائه؛ لرغبتهم ورهبتهم.
قال تعالى عن زكريا عليه السلام وأهل بيته: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] .
قال الرازي: «فقال: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} ، وأراد بذلك زكريا وولده وأهله، فبين أنه آتاهم ما طلبوه، وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم، أنهم يسارعون في الخيرات، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به؛ لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة، أما قوله تعالى: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} قرئ: (رَغْبا ورَهْبا) ، وهو كقوله: {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9] .