فهرس الكتاب

الصفحة 2401 من 2431

ويقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) } [النساء:9] .

إنَّ عليهم بالإحسان إلى اليتيم، فلو رأى الواحد منا يتيمًا يكرم في بيئة إيوائية إيمانية لما شغل نفسه، ولما خاف أن يموت ويترك ولدًا صغيرًا، بل يقول الإنسان لنفسه: إنَّ المجتمع فيه خير كثير، وبذلك يستقبل الإنسان قدر الله بنفس راضية، ولا يؤرق نفسه؛ لأنك إن رأيت المجتمع الإيماني قد رعى أيتام غيرك، فستكون على ثقة من أنه يرعى أيتامك، فإن جاء الموت أو لم يأت فلا تشغل نفسك به، لكن إذا رأى الإنسان يتيمًا مضيعًا، فهو يعض على أسباب الحياة ويريد أن يأتي بالدنيا كلها لولده، ونقول لمثل هذا الأب: اعمل لابنك بأن تضع ما تريد أن تدخره له في يد الله؛ لأنَّ الذي خلق آمنُ مِنَ المخلوق 39.

وحقيقة التشريع الإلهي الحكيم منذ أربعة عشر قرنًا، تأتي فوق كلِّ ما تتطلع إليه آمال الحضارات الإنسانية كلها، فاهتمام الشخص باليتامى الصغار الذين خاف عليهم من قبله من الضياع يؤدي إلى أن يأتي من يحفظ أولاده الصغار من بعده، كذلك مما يحقق كمال التكامل الاجتماعي بأبهى معانيه، المنوه عنه في الآية الكريمة: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) } [النساء:9] .

فجعل كافل اليتيم اليوم، إنما يعمل حتى يكفل أيتامه فيما بعد لو ترك ذرية ضعافًا، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من بعدهم 40.

وصارت قضية اليتم والضعف والفقر بهذا القدر قضية إسلامية عظيمة من حيث إنها أوسع أبواب رحمة الله تعالى وأعظم فضائل العبادة، وأرجاها ولا أعظمها من إعانة اليتيم والضعيف والأرملة والمسكين، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل قضية اليتيم شريعة وبابًا واسعًا من أبواب العبادة في هذا الدين، من هنا نقول: النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بأن نتحمل البلاء، وأمرنا أن نشكر الله على النعم.

وبهذا القدر النصر والرزق، فقد روى مصعب بن سعد، قال: رأى سعد رضي الله عنه أنَّ له فضلًا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) 41.

وبهذا القدر لين للقلوب وإدراك للحاجات، فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يشكو قسوة قلبه قال: (أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ارحم اليتيم، وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك) 42.

يتم النبي صلى الله عليه وسلم

لقد شاء الله عز وجل أن ينشأ الرسول صلى الله عليه وسلم يتيمًا بعيدًا عن تربية أبيه وأمه وجده؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فقد أبويه، وهو صغير؛ لأن أباه توفي وهو حمل، وقيل: بعد ولادته بشهرين، وتوفيت أمه، وهو ابن ست سنين، وكفله جده عبد المطلب، ثم مات جده، وهو ابن ثمان سنين، ثم كفله عمه أبو طالب، وقضى معظم فترة طفولته الأولى ببادية بني سعد بعيدًا عن أسرته كلها 43.

ولقد مَنَّ الله تعالى على نبيه بنعمة الإيواء من اليتم، قال سبحانه: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) } [الضحى:6] .

أي: يتيمًا ليس له أبٌ يرحمه، ولا أمٌّ ترأمه، أي: تحبه وتحنو وتعطف عليه، فجعل لك مأوى، تأوي إليه عند عمك أبي طالب، فكفلك 44.

وبعبارة أخرى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا فقيرًا ضعيفًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلًا تنزله، وضمك إلى عمك أبي طالب حتى أحسن تربيتك، وكفاك المؤونة 45، فهو لك مأوى لتربيتك، وقَيِّمًا يحنو عليك ويكفلك، ثم جعلك مأوى الأيتام بعد أن كنت يتيمًا، وكفيل الأنام بعد أن كنت مكفولًا، تذكيرًا بنعمه عليه 46.

وعن مجاهد في معنى الآية: ألم يجدك واحدا في شرفك لا نظير لك، فآواك الله بأصحاب يحفظونك ويحوطونك، فجعل يتيمًا من قولهم: درة يتيمة، وهو بعيد جدًّا 47.

قالت الدكتورة عائشة بنت الشاطئ: «وأمام هذا التتبع، لا نملك إلا أن نستبعد تفسير اليتم بغير ذاك الذي في القرآن، وقد ولد محمد يتيمًا، ثم تضاعف يتمه بموت أمه وجده، لكنه تعالى نجاه من آثار اليتم التي هي بشواهد من آيات الكتاب الكريم: الدع والقهر، والانكسار والجور، مما كان مظنة أنْ يكسر نفسه، فذلك هو قوله تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) } [الضحى:6] .

ترشيحا بهذا الإيواء الإلهي - غير المقيد بمتعلق - إلى ما بعده من نعمة الهداية بعد حيرة وضلال، وتهيئة لحمل الرسالة الكبرى» 48.

الحكمة من يتم النبي صلى الله عليه وسلم:

إن في يتمه صلى الله عليه وسلم حكمًا كبيرة وكثيرة، منها على سبيل المثال:

1.من أبرز الحكم أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في قلوب اليتامى، ولعل في يتمه صلى الله عليه وسلم أسوة للأيتام في كل زمان ومكان؛ ليعرفوا أن اليتم ليس نقمة، بل تكريمًا لليتامى فقد شاء الله تعالى أن يكون نبيه ومصطفاه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يتيمًا.

2.تقوية عزيمته على فضيلة التوكل على مولاه سبحانه، فإذا حزبه أمر لا يقول: أبي ولا أمي ولكن يقول: ربي الله تعالى.

3.أن يكرم اليتامى في شخصه، فإن الطفل من أطفال المسلمين إذا نشأ يتيمًا ورأى الأطفال ينعمون بآبائهم، فإن سلوته في أن الرسول صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا، ومن هنا يهون عليه يتمه ما دام فيه شبه بالنبي صلى الله عليه وسلم 49.

4.حتى لا يكون لأحد كائن من كان فضل عليه فيما هو فيه من نعمة؛ لأن فضله مستمد من الله تعالى مباشرة، وليس من إنسان؛ ولذلك قيل لمحمد بن جعفر الصادق: لم أوتم النبي صلى الله عليه وسلم من أبويه؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه حق.

5.الوصية باليتامى؛ لأنه نشأ يتيمًا وقاسى آلام اليتم، والحكمة في يتم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعرف قدر الأيتام، فيقوم بأمرهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة) وأشار مالك بالسبابة والوسطى 50.

والناظر في ابتلاءاته صلى الله عليه وسلم باليتم بفقد أبويه، يجد أن فيه تعليمًا وتوجيهًا لأولئك الأيتام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة؛ بأن يحتمل أولئك ابتلاء اليتم ويصبروا عليه، وأن يتذكروا أنهم ليسوا هم الأيتام فقط، فقد كان خير الناس وسيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم يتيمًا.

وفي تذكر هذا والنظر فيه ما يخفف الآلام الكثيرة التي يجدها اليتيم في حياته، وما تجده أم اليتامى التي تقوم عليهم في حياتها قال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) } [الضحى:6] .

إن يتم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اليتم الذي كان مركبًا ومتعددًا ومتواصلًا، وكان مقصودًا من رب العالمين، لأنه حلقة مهمة في سبيل إعداد النبي صلى الله عليه وسلم للرسالة، وكل الأحداث والحوادث التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو التي مرت به منذ ولادته إلى بعثته كانت جميعًا تصب في خانة إعداده لذلك النبأ العظيم.

هذا اليتم بعد أن رأى ألمه صلى الله عليه وسلم أصبحت له باليتم قاعدة أساسية فطرية جبلية في سجاياه، من حيث تعامله مع الضعفاء والمساكين والأيتام والأرامل والمذنبين وأهل الخطايا، وما من نبي عليه السلام تعامل مع الخطائين والضعفاء كما تعامل معهم صلى الله عليه وسلم بشهادة الله عز وجل في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران:159] .

في هذا العنوان سيتم الحديث عن الحث على الإحسان إلى اليتامى، وعن مخالطة اليتامى، والتحذير من الإساءة إليهم وذلك فيما يلي:

أولًا: الحث على الإحسان إلى اليتامى:

إن الله تعالى جعل الإحسان إلى اليتيم من بنود المواثيق والعهود التي أخذها الله تعالى على الأمم والشعوب، وألزمهم بها، وحرم عليهم نقضها، فقال في بني إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) } [البقرة:83] .

والآية تشير إلى أن الإحسان حق لليتامى، وليس تفضلا من الناس لأمر الله تعالى بذلك، والإحسان هو فعل ما ينبغي أن يفعل من الخير، والإحسان أعم من الإنعام، والإحسان فوق العدل وذاك أن العدل أن يعطي ما عليه ويأخذ ماله، أما الإحسان فإنه يعطي أكثر مما عليه، ويأخذ أقل مما له.

فتحري العدل لليتيم واجب، وتحري الإحسان ثواب وتطوع، ولكن في هذه الآية الإحسان إلى اليتيم واجب كوجوب العدل معه كما قال تعالى: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء:127] .

والقسط أن يعطى كل ذي حق منهم حقه، ذكرًا كان أو أنثى، الصغير منهم بمنزلة الكبير، قال ابن عباس رضي الله عنه: يريد بالعدل في مهورهن وفي مواريثهن 51.

قال الشنقيطي في قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء:127] .

«القسط: العدل، ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام:152] .

وقوله: {قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [البقرة:220] .

وقوله: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) } [الضحى:9] .

وقوله: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى} [البقرة:177] .

ونحو ذلك من الآيات، فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى» 52.

والإحسان إلى اليتامى يعم كل إحسان قولي وفعلي مما هو إحسان إليهم، وفيه النهي عن الإساءة إليهم، وللإحسان ضدان: الإساءة، وهي أعظم جرمًا، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول، وكذا يقال في صلة الأقارب واليتامى والمساكين 53.

والإحسان إلي اليتيم يكون كما يحسن الرجل لوالديه ولذي القربى منه، فقد أمر الله تعالى بذلك وقرنه مع الإحسان للوالدين ولذي القربى.

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) } [النساء:36] .

وأمر تعالى كذلك بالإحسان إليهم كما يحسن الرجل لأخيه في حال المخالطة.

قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } [البقرة:220] .

وأمر سبحانه تعالى أن ينزلهم الرجل منزلة أولاده في الخشية عليهم من الضياع والاحتياط لهم.

قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) } [النساء:9] 54.

فالإحسان إلى اليتيم بحسن تربيته وحفظ حقوقه من الضياع، والسر في هذا أن اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه العاطفة على تربيته والقيام بشئونه وحفظ أمواله، والأم وإن وجدت تكون في الغالب عاجزة عن تنشئته وتربيته التربية المثلى، إلى أن الأيتام أعضاء في جسم الأمة، فإذا فسددت أخلاقهم وساءت أحوالهم، تسرب الفساد إلى الأمة جمعاء؛ إذ يصبحون قدوة سيئة بين نشئها، فيدب فيها الفساد ويتطرق إليها الانحلال، وتأخذ في الفناء 55.

كما ربط الله تعالى بين الإحسان إلى اليتيم وبين الأمر بتوحيده.

قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36) } [النساء:36] .

وفي هذا دليل على أن عقيدة الأمة لا تكون كاملة وتحت عيونهم يتيم قد أهملوه وحرموه العطف والحنان، وهذا التصرف لا يكون الإ حين نقص العقيدة وضعف الإيمان، وذلك يؤدي إلى نشر الأنانية في الأمة، ويجعل كل فرد يهتم بمصالحه الشخصية دون النظر إلى حقوق الآخرين، فلا يوجد دين عند أمة أساءت معاملة اليتيم وأخذت حقوقه وقهرت قلبه وفؤاده 56.

كما أمر الله بالإحسان إلى اليتيم في قربان ماله، وذلك في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) } [الأنعام:152] .

وقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) } [الإسراء:34] 57.

قال عن ابن عباس رضي الله عنه: «يريد: إن كنت وصيًّا فأصلحت ماله، وقمت لله في ضيعته أكلت بالمعروف إن احتجت إليه، وإن كنت غنيًّا عنه فَعَُفَّ عن أكله. وقال الزجاج التي هي أحسن: هو حفظ ماله عليه، وتثميره بما يوجد السبيل إليه» 58.

وقال السمعاني في تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} «معناه: إلا بالعفة التي هي أحسن، واختلفوا في معناه على أقاويل: أحدها: أن القربان بالأحسن هو حفظ الأصول، وتثمير الفروع، والآخر: أن القربان بالأحسن هو التجارة في ماله، وهذا قريب من الأول، والقول الثالث: أن القربان بالأحسن هو أن لا يخالط مال اليتيم بمال نفسه» 59.

ومن أفضل الإحسان إلى اليتيم إطعامه والإنفاق عليه.

قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) } [الإنسان:8] .

فقد بين الله تعالى أن من صفات الأبرار إطعام اليتيم، كما تشير الآية إلى أن إطعام اليتيم من واجب المواساة، قال الإمام الرازي: «إنه تعالى ذكر أصناف من تجب مواساتهم، وهم ثلاثة أحدهم: المسكين وهو العاجز عن الاكتساب بنفسه، والثاني: اليتيم وهو الذي مات كاسبه فيبقى عاجزًا عن الكسب لصغره مع أنه مات كسبه، والثالث: الأسير وهو المأخوذ من قومه المملوكة رقبته الذي لا يملك لنفسه نصرًا ولا حيلة، وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى هاهنا هم الذين ذكرهم في قوله: « {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) } [البلد:11 - 16] 60.

كما أن الإنفاق عليهم من خير ما ينفقه المنفق، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) } [البقرة:215] 61.

قال الواحدي: «إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد به النفع في الدنيا، والإيثار بما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى، فأخبر الله تعالى أن من قصد ذلك ينبغي له أن يبر بذلك المذكورين في هذه الآية» 62.

وأن ذلك من البر قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة:177] .

والمراد بالبر في اليتامى هو معاملتهم بالإحسان، وبفعل الواجبات والمندوبات وجميع الطاعات الظاهرة والباطنة، وكل ما يتقرب به إلى الله من الإيمان به وصالح الأعمال؛ لأن اليتامى لا كاسب لهم، وليس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته تعالى بالعباد، الدالة على أنه تعالى أرحم بهم من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد، وفرض عليهم في أموالهم الإحسان إلى من فقد آباؤهم؛ ليصيروا كمن لم يفقد والديه؛ ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره، رحم يتيمه 63.

ثانيًا: مخالطة اليتامى:

بين الله تعالى حكم مخالطة اليتيم، بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } [البقرة:220] .

وكان أهل الجاهلية قد اعتادوا الانتفاع بأموال اليتامى، وربما تزوجوا باليتيمة طمعًا في مالها، أو يزوجها من ابن له؛ لئلا يخرج مالها من يده، ثم إن الله تعالى أنزل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } [النساء:10] .

وأنزل في آيات أخرى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) } [النساء:3] .

وقوله: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) } [النساء:127] .

وقوله: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام:152] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت