هذا والقرآن الكريم هاد: «أنزله الله تعالى على محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب اهتداء للبشرية قاطبة، يرشدها لأقوم الطرق، وأصح المناهج، وأعدل المسالك، وهي توحيد الله والإيمان برسله، والدعوة إلى مكارم الأخلاق، وأفضل مناهج الحياة» 25.
وقد ورد ذلك صريحًا في قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 9 - 10] .
«والمعنى: إن هذا القرآن الكريم، الذي أنزله الله تعالى عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم، يرشد الناس ويدلهم ويهديهم -في جميع شؤونهم الدينية والدنيوية- إلى الملة التي هي أقوم الملل وأعدلها، وهي ملة الإسلام. فمنهم من يستجيب لهذه الهداية فيظفر بالسعادة، ومنهم من يعرض عنها فيبوء بالشقاء» 26.
وقد وقع المهدي إليه في الآية مضمرًا موصوفًا بأنه الأقوم من بين سائر ما يهدي إليه.
قال ابن عاشور: «و {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} صفة لمحذوف دل عليه {يَهْدِي} أي: للطريق التي هي أقوم؛ لأن الهداية من ملازمات السير والطريق، أو للملة الأقوم، وفي حذف الموصوف من الإيجاز من جهة ومن التفخيم من جهة أخرى ما رجح الحذف على الذكر.
والأقوم: تفضيل القويم. والمعنى: إنه يهدي للتي هي أقوم من هدي كتاب بني إسرائيل الذي في قوله: {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [الإسراء: 2] .
ففيه إيماء إلى ضمان سلامة أمة القرآن من الحيدة عن الطريق الأقوم؛ لأن القرآن جاء بأسلوب من الإرشاد قويم ذي أفنان لا يحول دونه ودون الولوج إلى العقول حائل، ولا يغادر مسلكًا إلى ناحية من نواحي الأخلاق والطبائع إلا سلكه إليها تحريضًا أو تحذيرًا، بحيث لا يعدم المتدبر في معانيه اجتناء ثمار أفنانه، وبتلك الأساليب التي لم تبلغها الكتب السابقة كانت الطريقة التي يهدي إلى سلوكها أقوم من الطرائق الأخرى، وإن كانت الغاية المقصود الوصول إليها واحدة» 27.
وهذا الإضمار -كما يشير إليه ابن عاشور- أبلغ من التصريح، وذلك أنه لو وقع التصريح به لكان قصرًا لهدايته على بعض معانيها دون البعض الآخر، وذلك أن «هذا وصف إجمالي لمعنى هدايته إلى التي هي أقوم لو أريد تفصيله لاقتضى أسفارًا، وحسبك مثالًا لذلك أساليب القرآن في سد مسالك الشرك، بحيث سلمت هذه الآية في جميع أطوارها من التخليط بين التقديس البشري وبين التمجيد الإلهي، فلم تنزل إلى حضيض الشرك بحال، فمحل التفضيل هو وسائل الوصول إلى الغاية من الحق والصدق، وليس محل التفضيل تلك الغاية حتى يقال: إن الحق لا يتفاوت» 28.
على أن صاحب التحرير يميل في كلامه هذا إلى أن السعة في أساليب الدلالة على الهداية لا في الغاية المهدي إليها، وهو ما قد لا نوافقه عليه؛ لأن التفضيل في قوله سبحانه: {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} واقع على المهدي إليه لا على أساليب الهداية، والأقرب أن نقول -والله أعلم-: إن هذا القرآن يهدي للأقوم من الأقوال والأفعال والمعتقدات، والتصورات والنظم، والأحكام والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وطرق فض النزاعات وإيصال الحقوق إلى أهلها، وحماية الضعفاء والرحمة بالمستضعفين من اليتامى والنساء والولدان، وغير ذلك مما لا سبيل إلى حصره. ولذلك شواهد يمكن التمثيل بها من سورة الإسراء نفسها التي وردت فيها هذه الآية؛ فإن السورة قد تضمنت هداية للناس جماعة كما تضمنت هدايتهم لأقوم السبل أفرادًا، وشملت هداياتها العلاقة بالوالدين، كما شملت أصول الأخلاق، والسبيل الأفضل في التصرف في المال، وما يجب وما يجتنب في العلاقات الأسرية، وأحكام الدماء رابطة لذلك كله بالحبل الأعظم: توحيد الله وقصد وجهه وطلب رضوانه، والحذر من عقابه:
فأما هداية الناس جماعة فشواهدها في السورة مخاطبة الجماعة في نحو: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ} {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} ، {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} .
وأما هدايتهم أفرادًا فشواهدها خطاب الواحد خاصة في الأحكام المتعلقة بما يتفرع عن شيء في النفس كالكبر في نحو قوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 36 - 37] .
وأما الهداية لأقوم السبل في العلاقة بالوالدين فدل عليها قوله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 - 24] .
وفي الإحسان إلى الأقارب وأهل الحاجة: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} . {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء: 28] .
ولأصول الأخلاق دل عليها: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] .
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .
{وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37] .
{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38] .
وللسبيل الأفضل في التصرف في المال: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء: 26] .
{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27] .
{وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: 29] .
ولما يجب وما يجتنب في العلاقات الأسرية: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31] .
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32] .
وأحكام الدماء: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33] .
ويرتبط كل ذلك من قبل ومن بعد برباط عظيم: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} ، {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39] .
ومن الهداية بيان صفات الموفقين؛ ليقتدى بهم: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109] .
ومن الهداية بيان سبيل الشر وعاقبة أهله؛ ليجتنب: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 4] .
{مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] .
{وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] .
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا} [الإسراء: 17] .
وبالجملة فقد حاولنا التمثيل لسعة أبواب الهداية التي تضمنها القرآن الكريم من سورة الإسراء التي ورد النص فيها على أنه يهدي للتي هي أقوم؛ للدلالة على كثرتها وسعتها وتعذر إحصائها، وأنه تضمن الإرشاد لكل خير. وتجدر الإشارة في ختام هذا الموضع إلى أن أغلب ما ذكر من الهدايات استنادًا إلى نصوص القرآن الكريم السابقة مرتبط بأمور الدنيا، وذلك يدحض فكرة سائدة تجعل الدين قسيمًا للدنيا، ويرسخ حقيقة أن العبادة الصحيحة هي إقامة الحياة وتقويمها وفق منهج القرآن وفي ذلك السعادة في الدنيا والآخرة.
عهد الله بحفظ الكتب السابقة إلى البشر فحرفوا فيها وانحرفوا عن تعليماتها، وتكفل سبحانه وتعالى بحفظ القرآن من التبديل والتغيير فبقي كما أنزل من عنده، وسيبقى إلى أن يرث الأرض ومن عليها، وسوف نتناول حفظ القرآن عن سائر الكتب فيما يأتي:
أولًا: صفة حفظ الكتب السابقة:
نص القرآن الكريم على أن الكتب السابقة، خلافًا له، قد عهد بحفظها إلى البشر، وهم عرضة للغلط والهوى والانحراف.
قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] .
فنصت الآية على أن حفظ التوراة أوكل للربانيين والأحبار {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} ، قال ابن عاشور: «والاستحفاظ: الاستئمان، واستحفاظ الكتاب أمانة فهمه حق الفهم بما دلت عليه آياته. استعير الاستحفاظ الذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم والتبليغ للأمة على ما هو عليه. فالباء في قوله: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا} للملابسة، أي: حكمًا ملابسًا للحق متصلًا به غير مبدل ولا مغير، ولا مؤوَّل تأويلًا لأجل الهوى» 29.
فالاستحفاظ -وفقًا لرأيه- هو في الأساس ائتمان على بيان المعاني الصحيحة، المرتبط والمتفرع عن كونهم متميزين عن عموم الناس بعلم الكتاب وتعليمه، ولكنه يعطف عليه أيضًا حفظ حرفه من التبديل فيقول: «ويدخل في الاستحفاظ بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان.
ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد ما حكاه عياض في (المدارك) 30، عن أبي الحسن بن المنتاب، قال: كنت عند إسماعيل يوما فسئل: لم جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن؟ فقال: لأن الله تعالى قال في أهل التوراة: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} فوكل الحفظ إليهم. وقال في القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} فتعهد الله بحفظه، فلم يجز التبديل على أهل القرآن. قال: فذكرت ذلك للمحاملي، فقال: لا أحسن من هذا الكلام» 31.
وعليه فالاستحفاظ كما كان على تبيين المعاني وترك تحريفها، كان على اللفظ وترك تبديله، والمستحفظون هم الربانيون والأحبار.
و «الربانيون: هم الذين يسوسون الناس بالعلم ويربونهم بصغاره قبل كباره، عن ابن عباس وغيره. وقال أبو رزين: الربانيون: العلماء الحكماء. وقال مجاهد: الربانيون: فوق العلماء. والألف واللام للمبالغة.
والأحبار: قال ابن عباس: هم الفقهاء: والحبر والحبر الرجل العالم، وهو مأخوذ من التحبير وهو التحسين، فهم يحبرون العلم، أي: يبينونه ويزينونه، وهو محبر في صدورهم. قال الجوهري: والحبر والحبر واحد أحبار اليهود، وبالكسر أفصح: لأنه يجمع على أفعال دون الفعول، قال الفراء: هو حبر بالكسر، يقال ذلك للعالم. وقال الثوري: سألت الفراء لم سمي الحبر حبرًا؟ فقال: يقال للعالم حبر وحبر فالمعنى: مداد حبر ثم حذف كما قال: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] .
أي: أهل القرية. قال: فسألت الأصمعي فقال: ليس هذا بشيء، إنما سمي حبرًا؛ لتأثيره، يقال: على أسنانه حبر أي: صفرة أو سواد. وقال أبو العباس: سمي الحبر الذي يكتب به حبرًا؛ لأنه يحبر به، أي: يحقق به. وقال أبو عبيد: والذي عندي في واحد الأحبار: الحبر -بالفتح-، ومعناه: العالم بتحبير الكلام والعلم وتحسينه. قال: وهكذا يرويه المحدثون كلهم بالفتح» 32.
وكل من الأحبار والرهبان: «كانوا حفظة على كتاب الله وحراسا له من سوء الفهم وسوء التأويل، ويحملون أتباعه على حق فهمه وحق العمل به» 33، ولكنهم بدلوه.
وأما دافع هذا التبديل فهو الخوف والطمع، وقد تضمنت الآية الإشارة إلى ذلك في قوله سبحانه: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .
قال ابن جرير في سياق بيان معناها: «يقول تعالى ذكره لعلماء اليهود وأحبارهم: لا تخشوا الناس في تنفيذ حكمي الذي حكمت به على عبادي، وإمضائه عليهم على ما أمرت، فإنهم لا يقدرون لكم على ضر ولا نفع إلا بإذني، ولا تكتموا الرجم الذي جعلته حكمًا في التوراة على الزانيين المحصنين، ولكن اخشوني دون كل أحدٍ من خلقي، فإن النفع والضر بيدي، وخافوا عقابي في كتمانكم ما استحفظتم من كتابي» 34. ثم روى بسنده عن السدي قال: «يقول: لا تخشوا الناس فتكتموا ما أنزلت» 35. ولذلك عقب النص على استحفاظ الأحبار والرهبان على الكتاب (بجملة) {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} المتفرعة بالفاء على قوله: {وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} ؛ إذ الحفيظ على الشيء الأمين حق الأمانة لا يخشى أحدًا في القيام بوجه أمانته ولكنه يخشى الذي استأمنه» 36.
قال ابن جرير: «وأما قوله: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} يقول: ولا تأخذوا بترك الحكم بآيات كتابي الذي أنزلته على موسى، أيها الأحبار، عوضًا خسيسًا، وذلك هو (الثمن القليل) ، وإنما أراد تعالى ذكره، نهيهم عن أكل السحت على تحريفهم كتاب الله، وتغييرهم حكمه عما حكم به في الزانيين المحصنين، وغير ذلك من الأحكام التي بدلوها طلبًا منهم للرشى، كما قال ابن زيد: لا تأكلوا السحت على كتابي، وقال مرة أخرى: لا تأخذوا به رشوة. وعن السدي: ولا تأخذوا طمعًا قليلًا على أن تكتموا ما أنزلت» 37.
والخطاب في الآية متردد بين أن يكون موجهًا لليهود الذين كانوا معاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم أو الذين كانوا قبلهم، قال في التحرير: «فيجوز أن يكون الخطاب بقوله: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ} ليهود زمان نزول الآية، والفاء للتفريع عما حكي عن فعل سلف الأنبياء والمؤمنين؛ ليكونوا قدوة لخلفهم من الفريقين، والجملة على هذا الوجه معترضة، ويجوز أن يكون الخطاب للنبيئين والربانيين والأحبار، فهي على تقدير القول، أي: قلنا لهم: فلا تخشوا الناس. والتفريع ناشئ عن مضمون قوله: بما استحفظوا من كتاب الله؛ لأن تمام الاستحفاظ يظهر في عدم المبالاة بالناس رضوا أم سخطوا، وفي قصر الاعتداد على رضا الله تعالى» 38.
وفي كلتا الحالتين ففي الآية وصية للصالحين، وهي حجة على المحرفين، وفيها بيان للدوافع التي حملت من حرف منهم على الجرأة عليه.
هذا ومع تطاول العهد، فقد نشأت منهم فئة فاجرة اشترت بآيات الله ثمنا قليلا ووطأتها لكل ظالم خوفًا أو طمعًا، بل إنهم استطابوا ذلك واستمرؤوه بما خالج قلوبهم من القسوة: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13] .
وأصبح كثير منهم طلاب دنيا؛ يصدون عن سبيل الله حفاظا على مناصبهم ومصالحهم وما ينالهم من أموال الجهلة والدهماء الذين اتخذوهم أربابا من دون الله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة 34 - 35] .
هذا وكانت حكمته سبحانه قد قضت أن يعهد إليهم بحفظ كتب علم أنهم مبدلوها، ابتلاء لهم وامتحانًا، وقد سبق في علمه جل وعلا أن رسلًا آخرين سيأتونهم من بعد ذلك بالوحي من عنده، ولما تختم رسالته بعد. وهناك أمور قد وطأت لهذا التحريف وسهلته.
ثانيًا: أسباب التحريف في الكتب السابقة:
تقدم أن الله سبحانه وتعالى قد أوكل حفظ الكتب السابقة إلى الأحبار والرهبان واستحفظهم عليها، على خلاف القرآن الذي تولى هو جل وعلا حفظه.
ويلاحظ من ناحية الأسباب فرق أساس ميز الكتب السابقة عن القرآن الكريم؛ ففي الوقت الذي نزل هو منجما نزلت هي جملة واحدة، وكان نزوله منجمًا على أمة أمية تعتمد على الحفظ سببًا في وجوده عند عمومهم وجميعهم كما يأتي، فلا قدرة لأحد منهم على أن يستأثر به من دونهم فيزيد فيه أو ينقص دون أن يتنبهوا لذلك ويعلموا به، وأن يكونوا حجة على تحريفه، بينما كان ذلك الاستئثار في مقدور الأحبار والرهبان الذين كان الكتاب موجودًا عندهم من دون سائر الناس.
ولئن لم ينص نصًّا صريحًا على أن الكتب السابقة قد نزلت جملة واحدة، فقد وقع في نصوص القرآن ما يوحي بشيء من ذلك، كقوله تعالى في شأن ألواح موسى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] .
والألواح: «التوراة. وروي في الخبر أنه قبض عليه جبريل -عليه السلام -بجناحه فمر به في العلا حتى أدناه حتى سمع صريف القلم حين كتب الله له الألواح. وقال مجاهد: كانت الألواح من زمردة خضراء. وابن جبير: من ياقوتة حمراء. وأبو العالية: من زبرجد. والحسن: من خشب، نزلت من السماء. وقيل: من صخرة صماء، لينها الله لموسى عليه السلام فقطعها بيده ثم شقها بأصابعه، فأطاعته كالحديد لداود» 39.
قال الرازي: «واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح، وعلى كيفية تلك الكتابة، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه.
وأما قوله: {لِكُلِّ شَيْءٍ} فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح» 40.