وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) [النساء:60 - 61] 81.
وهذا يدل على أنهم إنما يعرضون عن حكم الله متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكوا. فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن وسارعوا إلى الحكم وأذعنوا ببذل الرضا 82.
فيخبر سبحانه عن نوع معين من المباح، وهو إعراض الزوج عن زوجته، في حالة كراهيتها أو دمامة أو كبر في السن؛ مما يرغب الزوج عن زوجته، فيبين الله تعالى ما هو الحل والمخرج من ذلك الأمر.
قال الله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) } [النساء:128] .
وكان سبب نزول هذه الآية عن عائشة رضي الله عنها، {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} قالت: (الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثرٍ منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلٍ فنزلت هذه الآية في ذلك) 83.
ففي هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ودمامة، أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيذهب الزوج إلى طلاقها، أو إلى إيثار شابة عليها، ونحو هذا مما يقصد به صلاح نفسه ولا يضرها هي ضررًا يلزمه إياها، بل يعرض عليها الفرقة أو الصبر على الأثرة، فتزيد هي بقاء العصمة، فهذه التي أباح الله تعالى بينهما الصلح، ورفع الجناح فيه، إذ الجناح في كل صلح يكون عن ضرر من الزوج يفعله حتى تعالجه، وأباح الله تعالى الصلح مع الخوف، وظهور علامات النشوز أو، وهو مع وقوعها مباح أيضًا 84.
قال النحاس: الفرق بين النشوز و أن النشوز التباعد، و ألا يكلمها ولا يأنس بها 85.
1.إن الإعراض عن الله تعالى سبب للعقوبات العاجلة والآجلة، وبه تزيغ القلوب، وتطمس البصائر، فتعمى عن الحق، وترتكس في الإثم، فيضيق الصدر، وتسود الدنيا عند المعرضين، وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم من أعرض عن تعلم شرع الله تعالى، فعن أبي واقدٍ الليثي (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالسٌ في المسجد والناس معه؛ إذ أقبل ثلاثة نفرٍ فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحدٌ، قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أحدهما فرأى فرجةً في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله، فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) 86.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه) ، أي: لم يرحمه وسخط عليه.
وهو معنى من الله تعالى؛ لأن من أعرض عن نبيه وزهد فيه فليس بمؤمن، وإن كان هذا مؤمنًا وذهب لحاجة من حوائج الدنيا وضرورة دعته إلى ذلك، فيكون إعراض الله تعالى عنه ترك رحمته وعفوه، وتقريبه وقبوله الذى أعطاها صاحبيه، فلم يثبت له حسنة ولا نفى عنه سيئة؛ إذ لم يكن منه ما يثاب بذلك 87.
أولًا: عاقبة أهل الإعراض في الدنيا: