وإن من أسباب الاتخاذ المذموم: اتباع غواية الشيطان، فالشيطان يسعى في إغواء العباد، وتزيين الشر لهم؛ ليضلهم، وقد نهانا الله عن اتباع غواية الشيطان، وعن اتخاذه وليًا، بل دعانا لاتخاذه عدوًا؛ لأنه يضل الناس ليكونوا من حزبه ثم يكونوا من أصحب السعير.
قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .
يقول ابن عاشور: «وأعقب الأمر باتخاذ الشيطان عدوًا بتحذير من قبول دعوته وحثٍ على وجوب اليقظة لتغريره وتجنب توليه بأنه يسعى في ضر أوليائه وحزبه، فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير، وهذا يؤكد الأمر باتخاذه عدوًا؛ لأن أشد الناس تضررًا به هم حزبه وأولياؤه، وجملة {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} تعليل لجملة {فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} » 66.
فإن اتباع غواية الشيطان تسبب اتخاذه وليًا من دون الله، وتوقع العبد في اتباع كل مذموم، «ذلك الشيطان الذي لعنه الله، والذي صرح بنيته في إضلال فريق من أبناء آدم، وتمنيتهم بالأمنيات الكاذبة في طريق الغواية، من لذة كاذبة، وسعادة موهومة، ونجاة من الجزاء في نهاية المطاف! كما صرح بنيته في أن يدفع بهم إلى أفعال قبيحة، وشعائر سخيفة، من نسج الأساطير، كتمزيق آذان بعض الأنعام؛ ليصبح ركوبها بعد ذلك حرامًا، أو أكلها حرامًا -دون أن يحرمها الله- ومن تغيير خلق الله وفطرته بقطع بعض أجزاء الجسد أو تغيير شكلها في الحيوان أو الإنسان، كخصاء الرقيق، ووشم الجلود، وما إليها من التغيير والتشويه الذي حرمه الإسلام» 67.
قال تعالى: {لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 118 - 119] .
«وقد جعل الإسلام المعركة الرئيسة بين الإنسان والشيطان، ووجه قوى المؤمن كلها لكفاح الشيطان والشر الذي ينشئه في الأرض والوقوف تحت راية الله وحزبه، في مواجهة الشيطان وحزبه، وهي معركة دائمة لا تضع أوزارها؛ لأن الشيطان لا يمل هذه الحرب التي أعلنها منذ لعنه وطرده، والمؤمن لا يغفل عنها، ولا ينسحب منها، وهو يعلم أنه إما أن يكون وليًا لله، وإما أن يكون وليًا للشيطان وليس هنالك وسط، والشيطان يتمثل في نفسه وما يبثه في النفس من شهوات ونزوات، ويتمثل في أتباعه من المشركين وأهل الشر عامة، والمسلم يكافحه في ذات نفسه، كما يكافحه في أتباعه، معركة واحدة متصلة طوال الحياة، ومن يجعل الله مولاه فهو ناجٍ غانم، ومن يجعل الشيطان مولاه فهو خاسر هالك» 68.
استعمل القرآن الكريم أساليب متعددة في عرض الاتخاذ، نذكر هذه الأساليب خلال السطور الآتية مع ذكر أمثلة على كل أسلوب.
أولًا: الخبر:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب الخبر في عدد من الآيات القرآنية؛ للإخبار عن موضوعات عدة منها:
1.الإخبار عن اتخاذ المنافقين مسجد ضرار؛ لإلحاق الأذى والضرر بالمؤمنين، والتفريق بينهم، وتقوية للكفر 69، وهذا اتخاذ مذموم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] .
2.الإخبار عن حرمة اتخاذ الأخدان للمسلمين والمسلمات، والإرشاد للزواج 70.
قال تعالى: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] .
وقال تعالى: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء: 25] .
3.الإخبار عن اتخاذ مريم للحجاب ساترًا لها؛ للتفرغ للعبادة 71.
قال تعالى: {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] .
4.الإخبار أن الله غني عن اتخاذ الولد، وتنزهه سبحانه وتعالى عن الشريك والولد والصاحبة، وأن الملائكة هم عباد لله مكرمون.
قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] .
5.الإخبار عن شكوى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قومه باتخاذهم القرآن مهجورًا، تلاوة وعلمًا وعملًا.
قال تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] .
6.الإخبار عن المشركين الذين اتخذوا آلهة يتولونها من دون الله، فالله يحصي أفعالهم ويجازيهم بها يوم القيامة 72.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} [الشورى: 6] .
7.الإخبار عن اتخاذ المنافقين أيمانهم الكاذبة وقاية وسترًا يستترون بها من نسبتهم إلى النفاق؛ لحفظ أموالهم وحقن دمائهم 73.
قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المنافقون: 2] .
ثانيًا: النهي:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب النهي في عدد من الآيات القرآنية؛ للنهي عن أفعال عدة، هي من الأفعال المذمومة التي نهى القرآن الكريم عن اتخاذها، ومن أمثلة ذلك:
1.النهي عن اتخاذ آيات الله هزوًا.
قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [البقرة: 231] .
2.نهي المؤمنين من أن يتخذوا من الكفار بطانة وأخلاء.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] .
3.النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .
4.نهي المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] .
5.النهي عن الشرك مع الله، واتخاذ الآلهة مع الله.
قال تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [النحل: 51] .
6.النهي عن اتخاذ الأيمان وسيلة خداع ومكر، بإظهار الوفاء بالعهد وإبطان النقض 74.
قال تعالى: {وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا} [النحل: 94] .
7.نهي المؤمنين أن يتخذوا عدو الله وعدوهم أولياء.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1] .
ثالثًا: الأمر:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب الأمر في عدد من الآيات القرآنية، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
1.أمر الله للمسلمين بأن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.
قال تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] .
2.أمر الله للمسلمين أن يتخذوا الشيطان عدوًا.
قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .
3.أمر الله لنبيه أن يتخذه وكيلًا، فيتوكل عليه وحده لا شريك له.
قال تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: 9] .
فهذا أمر بتخصيص الله بالتوكل عليه 75.
وبذلك نرى أن الآيات أمرت باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، واتخاذ الله وكيلًا، وكذلك اتخاذ الشيطان عدوًا، وهذه من أمثلة الاتخاذ المحمود، الذي أرشدنا القرآن إليه.
رابعًا: النفي:
استعمل القرآن الكريم أسلوب النفي في عرض الاتخاذ، في:
1.نفي الولد عن الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111] .
«والمراد: نفي الناصر له على وجه مؤكد، فإن الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس» 76.
وكذلك نفى الله عن نفسه الولد في قوله سبحانه وتعالى: {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الفرقان: 2] .
حيث نزه سبحانه وتعالى نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة بنات الله، وعما قالت اليهود: عزير ابن الله، وعما قالت النصارى: المسيح ابن الله، تعالى الله عن ذلك 77.
وجاء النفي أيضًا عن اتخاذه الولد في قوله سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} [مريم: 35] .
ففي هذه الآية «نفى سبحانه وتعالى عن نفسه الولد، أي: ما كان من نعته اتخاذ الولد» 78.
2.نفي اتخاذ المجاهدين الخلص بطانة من الكفار.
قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16] .
«والمعنى: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه؛ حتى يتبين الخلص منكم، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله، ولم يتخذوا وليجة، أي: بطانة، من الذين يضادون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين» 79.
خامسًا: الثناء على أهل الاتخاذ المحمود:
من الأساليب التي استعملها القرآن الكريم في عرض الاتخاذ: هو الثناء، فقد أثنى الله سبحانه وتعالى على نفسه، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالثناء عليه لتنزهه عن اتخاذ الولد، فالله سبحانه وتعالى له الكمال والثناء والحمد والمجد من جميع الوجوه، المنزه عن كل نقص.
قال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] .
ومعنى {الْحَمْدُ لِلَّهِ} : الثناء عليه بما هو أهله 80، «وقل: الحمد لله والثناء بالجميل على الفعل الجميل لله سبحانه وتعالى الذي لم يتخذ ولدًا فهو ليس محتاجًا إليه، واتخاذ الولد من صفات الحوادث وهو منزه عنها، ولم يكن له شريك في الملك؛ لأنه غير محتاج إليه، ولو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا، ولم يكن له ولي من الذل، أي: لم يكن له ناصر من الذل ومانع له منه، ولم يوال أحدًا من أجل الذل؛ إذ هو القادر المقتدر الخالق صاحب النعم جل جلاله وكبره تكبيرًا، وعظمه تعظيمًا يتناسب مع جلاله وقدسيته، والله أكبر ولله الحمد» 81.
ولقد أثنى الله سبحانه وتعالى على المؤمنين من الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله.
قال تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 99] .
يقول ابن عاشور: «هؤلاء هم المؤمنون من الأعراب وفاهم الله حقهم من الثناء عليهم» 82.
يقول الزمخشري في بيان قوله سبحانه وتعالى: {أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ} : «ألا إنها شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقد من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنتين بثبات الأمر وتمكنه، وكذلك قوله: {سَيُدْخِلُهُمُ} وما في السين من تحقيق الوعد، وما أدل هذا الكلام على رضا الله تعالى عن المتصدقين، وأن الصدقة منه بمكان، إذا خلصت النية من صاحبها» 83.
وبذلك نرى أن الآيات مدحت من يستحق المدح من أهل الاتخاذ المحمود.
سادًسا: ذم أهل الاتخاذ المذموم:
لقد ذم الله سبحانه وتعالى أهل الاتخاذ المذموم، ومثال ذلك ذم الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون مغرمًا.
قال تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة: 98] .
فهذه الآية تبين أن من الأعراب من يعد نفقته التي ينفقها في جهاد مشرك، أو في معونة مسلم، أو في بعض ما ندب الله إليه عباده {مَغْرَمًا} ، أي: غرمًا لزمه، لا يرجو له ثوابًا، ولا يدفع به عن نفسه عقابًا 84.
وهذا اتخاذ مذموم، ذمه الله بقوله: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} والسَوْء -بفتح السين- مصدر ساءه يسوءه سوءًا، إذا فعل به ما يكره، وقيل: المفتوح بمعنى الذم، والمضموم بمعنى العذاب والضرر، والدوائر جمع دائرة، وهي ما يحيط بالإنسان من مصيبة ونكبة، تصورًا من الدائرة المحيطة بالشيء من غير انفلاتٍ منها، وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة الموصوف إلى صفته للمبالغة، وفي هذا التعبير ما فيه من الذم لهؤلاء المنافقين؛ لأنه سبحانه وتعالى جعل السوء كأنه دائرة تطبق عليهم فلا تفلتهم، وتدور بهم، فلا تدع لهم مهربًا أو منجاة من عذابها وضررها 85.
وذم الله الذين يتخذون الصلاة هزوًا ولعبًا، بتحقير عقولهم.
قال تعالى: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 58] .
يقول ابن عاشور: « {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} تحقير لهم؛ إذ ليس في النداء إلى الصلاة ما يوجب الاستهزاء فجعله موجبًا للاستهزاء سخافة لعقولهم» 86.
فهذا ذم للاتخاذ المذموم وأهله، وهو تسفيه لهؤلاء الذين يحادون الله ورسوله، ويهزءون ممن يولي وجهه إلى الله، راكعًا وساجدًا، ولو عقلوا لعلموا أنهم بعملهم هذا، يحاربون الله ويصدون الناس عن أداء حقه عليهم من الولاء لجلاله، والشكران لنعمه، إنهم ظلموا أنفسهم ظلمًا فوق ظلم 87.
يقول ابن كثير: «هذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام من الكتابيين والمشركين الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزوًا يستهزئون بها، ولعبًا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد» 88.
وكذلك ذم الله قوم موسى الذين اتخذوا العجل إلهًا يعبدونه من دون الله.
قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] .
«أكد سبحانه وتعالى ذمهم بقوله: {اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ} أي: اتخذوا العجل معبودًا لهم وهم يشاهدونه لا يكلمهم بأي كلام، ولا يرشدهم إلى أي طريق، ولا شك أنهم بهذا الاتخاذ كانوا ظالمين لأنفسهم بعبادتهم غير الله، وبوضعهم الأمور في غير مواضعها» 89.
سابعًا: الاستفهام الإنكاري:
ورد الاتخاذ في القرآن الكريم بأسلوب الاستفهام الإنكاري في عدد من الآيات، ومن أمثلة ذلك:
-الاستنكار على الذين ادعو أنه لن تمسهم النار، أتخذوا عهدًا عند الله حتى لا يعذبهم 90؟
قال تعالى: (وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ? قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ? أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 80] .
-استنكار إبراهيم عليه السلام على أبيه آزر لاتخاذه أصنامًا آلهة من دون الله، وهي لا تضر ولا تنفع 91.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ? إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [الأنعام: 74] .
-أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يستنكر على الذين اتخذوا من دونه -وهو الخالق- أولياء لا يملكون النفع والضر لأنفسهم، فكيف سينفعون غيرهم؟ 92.
قال تعالى: (مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ? قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا) [الرعد: 16] .
-الاستنكار على من اتخذ إبليس وذريته أولياء من دون الله، واستبدال من خلقهم وأنعم عليهم بعدوهم 93.
قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ? بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) [الكهف: 50] .
-استنكار الرجل الصالح ناصح أهل القرية على نفسه أن يتخذ آلهة من دون الله، وذلك من تمام التعريض بالمخاطبين استنكارًا عليهم بجعل الأوثان آلهة لا تدفع ضر ولا تشفع 94.
قال تعالى: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} [يس: 23] .
وهكذا نجد أن الاستفهام في المواضع السابقة جاء لإنكار اتخاذ مذموم فعله المتخذون؛ فاستحقوا استنكار فعلهم.
-إن الاتخاذ أمر اختياري يتخذه المتخذ، ولما أمرنا الله باتخاذ كل محمود ونهانا عن اتخاذ كل مذموم، جعل لكل اتخاذ عاقبة، إما ثواب وإما عقاب، فمن اتخذ اتخاذًا محمودًا أفلح وفاز، ومن اتخذ اتخاذًا مذمومًا خسر وخاب.
أولًا: عاقبة الاتخاذ المحمود:
إن أهل الإيمان الذين التزموا أوامر الله وانتهوا عما نهى، هم أصحاب الاتخاذ المحمود، الذين يتخذون الله وليًا ووكيلًا، ويتخذوا القرآن دستورًا ومنهج حياة، ويتبعوا سبيل الهدى ويتخذوه طريقًا، هؤلاء عاقبتهم الفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة، فيحيون حياة طيبة في الدنيا، ويظلهم الله برحمته في الآخرة.
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .
قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} [الجاثية: 30] .
وقد بين الله سبحانه وتعالى عاقبة أهل الإيمان من الأعراب الذين يتخذون ما ينفقون قربات عند الله، فقد أثنى على فعلهم، ووعدهم برحمته.
قال تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 99] .
فهذا وعد من الله سبحانه وتعالى لهم، بإدخالهم في رحمته التي هي الجنة، فإنه يغفر ذنوبهم أولًا، ويدخلهم الجنة ثانيًا، هذه سنته -تعالى في أوليائه، يطهرهم ثم ينعم عليهم بجواره 95.
يقول الشعراوي: «ورحمة الله هي نعيم مقيم، وهي دائمة وباقية ببقاء الله الذي لا يحد، أما الجنة فباقية وخالدة بإبقاء الله لها، إذن: فدخولك في رحمة الله أعلى من دخولك جنته، فحين يقال: «دخل في الرحمة» فمعنى ذلك أن الرحمة ستظله إلى ما لا نهاية» 96.
وعاقبة أهل الإيمان، أصحاب الاتخاذ المحمود، مغفرة من الله، حيث بين الله هذه العاقبة الحسنة بعد أن دعا إلى اتخاذ الشيطان عدوًا.