أولًا: المعنى اللغوي:
(وسط) الواو والسين والطاء: بناء صحيح يدل على العدل والنصف، وأعدل الشيء: أوسطه ووسطه، وسطت القوم أسطهم وسطًا وسطة، أي: توسطتهم وفلان وسيط في قومه إذا كان أوسطهم نسبًا، والأصبع الوسطى، والتوسيط: أن تجعل الشيء في الوسط، والتوسيط: قطع الشيء نصفين، والتوسط بين الناس من الوساطة، والوسط من كل شيء: أعدله، ويقال أيضًا: شيء وسط، أي: بين الجيد والرديء، وعبد وسط وأمة وسط وشيء أوسط، وللمؤنث وسطى بمعناه، وواسطة القلادة: الجوهر الذي في وسطها، وهو أجودها، ووسوط الشمس توسطها السماء، وجلست وسط القوم بالسكون وسطًا، فهو واسط، والمفعول موسوط.
يقال: شيء وسط، أي: بين الجيد والرديء، واليوم الأوسط والليلة الوسطى، ويجمع الأوسط على الأواسط مثل الأفضل والأفاضل، ويجمع الوسطى على الوسط مثل: الفضلى والفضل 1.
ويلاحظ مما سبق أن لفظة (وسط) تأتي على عدة معان منها: اسمًا لما بين طرفي الشيء، وبمعنى خيار، وأفضل، وأجود، فأوسط الشيء أفضله، وتأتي بمعنى: عدل كما تقدم أن أعدل الشيء أوسطه، وتأتي بمعنى الشيء بين الجيد والرديء.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الوسطية تعني: الاعتدال والتوازن، ويعنى بها: التعادل بين طرفين متقابلين أو متضادين بدون إفراط أو تفريط، بحيث لا ينفرد أحدهما بالتأثير ويطرد الطرف المقابل، وبحيث لا يأخذ أحد الطرفين أكثر من حقه، ويطغى على مقابله ويحيف عليه، وهذه الوسطية هي العدل والطريق الأوسط الذي تجتمع عنده الفضيلة 2.
وأهل السنة يتميزون بالوسطية بين الفرق الأخرى التي تقف على طرفي نقيض.
وردت مادة (وسط) في القرآن الكريم (5) مرات 3.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) } [العاديات:5]
الاسم ... 1 ... {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة:143]
اسم التفضيل ... 3 ... {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) } [القلم:28]
وجاء الوسط الميثاق في القرآن بمعناها اللغوي: المعتدل من كل شيء، ويلزم منه التوسط في منتصفٍ أو بين طرفين، ويلزم أيضًا على هذا المعنى أن يكون الوسط هو الأعدل والأفضل والأخير 4.
الغلو:
الغلو لغةً:
أصل الغلو تجاوز الحد، وغلا الرجل في الأمر، أي: تشدد فيه حتى جاوز الحد وأفرط كغلو اليهود في دينها 5.
الغلو اصطلاحًا:
«الغلو في الدين البحث عن بواطن الأشياء، والكشف عن عللها وغوامض متعبداتها» 6.
الصلة بين الوسطية والغلو:
بالنظر إلى معنى مادة (غلو) والمعنى الاصطلاحي لها، نجد أنها ضد الوسطية، حيث إن الوسطية تعني الاعتدال بين الغلو والتساهل.
الإفراط:
الإفراط لغةً:
فرط في الأمر يفرط فرطًا، وفرط عليه، أي: عجل، والإفراط: تجاوز الحد في الأمر 7.
الإفراط اصطلاحًا:
«الإفراط يستعمل في تجاوز الحد من جانب الزيادة والكمال» 8.
الصلة بين الوسطية والإفراط:
بين الوسطية والإفراط تضاد، حيث إن الإفراط هو تجاوز الحد، والوسطية تعني الاعتدال.
التفريط:
التفريط لغةً:
يعني: التقصير في الشيء حتى يضيع ويفوت، وقصر فيه وضيعه حتى فات؛ لأنه إذا قصر فيه فقد قعد به عن رتبته التي هي له 9.
التفريط اصطلاحًا:
«والتفريط يستعمل في تجاوز الحد من جانب النقصان والتقصير» 10.
الصلة بين الوسطية والتفريط:
بين الوسطية والتفريط تضاد فهما على طرفي نقيض، حيث إن التفريط هو القصور والنقصان، أما الوسطية فهي الاعتدال.
الصراط المستقيم:
الصراط المستقيم لغةً:
الصراط و السراط والزراط: الطريق، وصراط مفرد: جمعه صُرُط 11.
والمستقيم لغة: من استقام يستقيم، استقم استقامة فهو مستقيم، واستقام العود: استوى، واستقام ميزان النهار: انتصف، واستقام على الطريق: اهتدى، والدين المستقيم: الدين الحقيقي أو الصحيح، والصراط المستقيم: الطريق المستقيم، طريق الهدى وسواء السبيل 12.
الصراط المستقيم اصطلاحًا:
الصراط المستقيم: طريق الهدى وسواء السبيل 13.
الصلة بين الوسطية والصراط المستقيم:
فالصراط المستقيم يمثل الوسطية ويحقق معناها، فهو وسط بين الغلو والجفاء، وهو كذلك وسط بين الإفراط والتفريط، فهما مترادفان.
إن الوسطية منهج رباني حميد يمنع العبد من الحيف والجور، وإن من خصائص الإسلام أنه دين وسط، فهو وسط بين اليهودية والنصرانية، وهناك ملامح لهذه الوسطية في القرآن والسنة تبين عظمة الإسلام في طرحه عدة قضايا تنظم حياة المرء المسلم من أهمها: العدل، والحكمة، والاستقامة، والتيسير، ورفع الحرج.
أولًا: العدل:
العدل: هو ضد الظلم، وإحقاق الحق، وإخراج الحق عن الباطل، وهو الأمر المتوسط بين الإفراط والتفريط 14.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .
وفي قول للطبري أن التأويل جاء بأن الوسط العدل، وذلك معنى الخيار؛ لأن الخيار من الناس عدولهم، ووصف الله عز وجل الإسلام بالوسط لتوسطهم بالدين، وقول الطبري هنا لدليل كبير على أن العدل من ملامح الوسطية 15.
ومن هنا فقد جاءت آيات كثيرة تبين وجوب العدل في الشهادة وفي الحكم، والشهادة هي إحدى مقدمات الحكم في كثير من الأحكام، بل وفي حكم المرء على نفسه قبل غيره من الأهل والأقارب.
وبما أن الوسط يعني: العدل كما تقرر سابقًا، فقد جاءت الكثير من الآيات القرآنية التي تبين وجوب العدل في جميع الأمور، فأمر الله عز وجل بالعدل في الشهادة والحكم هو إقرار لمنهج الوسطية.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:135] .
ففي هذه الآية دلالة بينة على منهج العدل والوسط، والتحذير من الجور واتباع الهوى، حيث أمرنا الله عز وجل بالعدل في الشهادة ولو كانت الشهادة بحق أنفسنا أو والدينا أو أقاربنا، لا نفرق بين غني فننحاز لغناه، ولا فقير فنجور عليه، وعلينا التزام العدل في أحكامنا على الدوام، فهذه مصلحة أرادها الله جل جلاله 16.
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8] .
دلت هذه الآية على العدل، الذي هو ملمح أساس من ملامح الوسطية، ليس مع النفس والأقارب فحسب، بل مع الاعداء حيث حثنا على عدم ترك العدل وإيثار العدوان على الحق، فلقد أمر بالعدل مع العدو وإن أبغضناه، وألا نتجاوز بالعدوان، فاستعمال العدل مع كل أحد صديقًا كان أو عدوًا 17.
والحكم بين الناس بالعدل أمر قد انعقد عليه الإجماع، وتكرر ذكره في القرآن الكريم.
وفي قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام:152] . أمرٌ بالتزام العدل فيما نقول، بدون محاباة لأحد، ولو كان أقرب الناس إلينا.
كذلك أداء الأمانات والحقوق المالية إلى أصحابها، وإصدار الحكم بالعدل والحق، وهذا يشمل الحكم بينهم في الدماء والأموال والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو 18.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:58] .
وفيما يتعلق بسلوك المؤمنين بعضهم مع بعض في حالة الخلافات أوصى كتاب الله عز وجل بفض كل نزاع قد يقع بينهم، على أساس العدل المطلق دون محاباة لطرف، وفي إطار الأخوة الإسلامية بالإنصاف بينهما، وهذا حكم الله في كتابه الذي جعله عدلًا بين خلقه 19.
قال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات:9] .
ويخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل والقسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90] .
وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل:126] .
و قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى:40] .
وغيرها من الآيات الدالة على العدل؛ لتنظم حياة المرء على أساس من المحبة وعدم التنافر.
ثانيًا: الاستقامة:
إن رأس الأعمال الصالحة أن يكون الإنسان مستقيمًا في الوسط غير مائل إلى طرفي الإفراط والتفريط، فتكون الاستقامة في أمر الدين والتوحيد وفي جميع الأمور الحياتية 20.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30] .
البشرى بالجنة والأمان لمن استقام على الطريقة وداوم السير على الصراط المستقيم، فلم تزل قدمه عن طريق العبودية، واعتدل على منهج الطاعة ومنهج العبادة قولًا وعملًا، دون إفراط أو تفريط.
فالذين استقاموا على شريعته فامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، ولزموا محجته، فلا يلحقهم ما يخافونه ويكرهونه في الآخرة، ولا يروعون؛ لأنهم خافوه تعالى في الدنيا فأمنهم في الآخرة، 21 قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف:13] .
قال عمر رضي الله عنه: «الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب» 22.
قال ابن القيم: «فالاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله» 23.
والحديث في هذه الآية عن الاستقامة، وما يترتب عليها من الآثار الطيبة في الدنيا والآخرة، فهذه الاستقامة هي السحابة الممطرة التي يحيي الله بها النفوس.
قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن:16] 24.
والاستقامة هي اتباع صراط الله المستقيم، وعدم الالتفات إلى غيره من بنيات الطريق، فهو الطريق الواضح الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، مبتعدين عن الطرق المختلفة والأهواء المضلة والبدع الرديئة 25.
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153] .
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، رفعه قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا) 26.
ولما كانت الاستقامة جامعة لكثير من الأمور التي أمرنا بها الله عز وجل، فقد ورد الحث عليها في القرآن كثيرًا، كقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [فصلت:6] .
فالتزام الاستقامة في طريقنا إلى الله جل جلاله بالإيمان به وطاعته، والإخلاص في عبادته هو المقصود الأسمى 27.
وقال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [الشورى:15] .
وذكر القشيري وغيره عن بعضهم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال له: يا رسول الله قلت: (شيبتني هود وأخواتها) فما شيبك منها؟ قال: (قوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} ) 28.
أي: دم يا محمد على ما أمرت به من عبادة الله عز وجل، وطاعته فيما أمر، وتبليغ رسالته، ولا تتبع أهواء الكفار والمضلين مما يحبون من الكفر والباطل كله 29.
وكقوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود:112] .
فالاستقامة تقتضي طاعة الله تعالى، والوقوف عند حدوده التي أذن فيها من واجب، ومستحب، ومباح، وتجنب الحدود التي نهى الله عنها، وفي حديث النفر الثلاث الذين استقلوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم لخير مثال على الاستقامة الحقة في عبادته عز وجل دون إفراط أو تفريط، فهذا هو العمل الذي يمثل الوسطية.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟! قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال:(أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) 30.
إذن فالاستقامة هي بأن يصوم ويفطر، وينام ويرقد، ويتزوج النساء، والخروج عنها انحراف عن الاستقامة، فما الاستقامة إلا الالتزام بسنته صلى الله عليه وسلم والأخذ بها.
وهذه الآية دعوة للاستقامة والسير على المنهج الحق.
قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير:27 - 28] .
فهذا القرآن موعظة وزجر لمن أراد أن يتبع الحق ويقيم عليه 31.
واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله تعالى في كل ركعة من فريضة أو نافلة أن يثبتنا عليه.
قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:6 - 7] .
ومما سبق يتضح لنا أن سورة الفاتحة وضعت القاعدة، ورسمت المنهج الوسطي، وحددت معالمه، حيث بين الله لنا أن الصراط المستقيم هو منهج الوسط، حيث قال واصفًا الصراط المستقيم الذي فيه ضمان السعادة في الدنيا والآخرة: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ومنهج المغضوب عليهم يمثل التفريط، بينما يمثل منهج الضالين الإفراط، فهما منهجان دائران بين الغلو والجفاء، فهو طريق الذين قسم لهم نعمته، لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه، أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلًا إليه، إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين 32.
قال ابن كثير: غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق 33.
ونحن مأمورون بالالتزام بسبيل الذين أنعم الله عليهم؛ لأنه هو الصراط المستقيم، وهو المنهج الوسط بين طريقين منحرفين فاسدين، وهما طريقا اليهود والنصارى.
ثالثًا: الحكمة:
الحكمة: هي العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وجميع الأمور لا تصلح إلا بالحكمة التي هي وضع الأشياء مواضعها، وتنزيل الأمور منازلها، والإقدام في محل الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام 34.
وذكر سيد قطب أن الحكمة القصد والاعتدال، وإدراك العلل والغايات، والبصيرة المستنيرة التي تهديه للصالح الصائب من الحركات والأعمال 35.
وهي فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي 36.
الحكمة: أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعديه حده، ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه 37.
وهذه الآراء كلها فيها دلالات واضحة على الوسطية وصلتها بالحكمة، ونخلص مما سبق أن الحكمة لا بد من اعتبارها عند تحديد معنى الوسطية، حيث إننا عرفنا سابقًا أن الوسطية هي السير على الطريق المستقيم الذي ارتضاه الله لنا، وعدم الجنوح إلى الإفراط أو التفريط، وهو عين الحكمة وجوهرها؛ وذلك أن الخروج عن الوسطية سواء كان بإفراط أو تفريط له آثاره السلبية وعواقبه الوخيمة، وهذا يخالف الحكمة التي علينا التحلي بها وينافيها.
وقال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة:269] .
والله عز وجل عندما أنزل الشريعة السمحة كان عليمًا حكيمًا بأحوال العباد، فلم ينه عن فعل إلا لحكمة سواء أدركناها أم لا، ولم يأمر بفعل إلا لحكمة أيضًا، فقد نزل تعالى الأمور منازلها، ووضع الأشياء مواضعها.
وسنورد بعض الأمثلة على ذلك حيث قال تعالى في قضية السرقة: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة:38] .
ولا شك أن قطع يد السارق فيه تحذير للسارق نفسه من العودة إلى السرقة، وتحذير لغيره من أن يفعل مثل ما فعل؛ حتى لا يجزى مثل جزائه، وكان العقاب بقطع اليد لحكمة عظيمة فإذا قطعت يد السارق كف عن العودة إلى هذه الجريمة غالبًا، وسلم الناس من آثارها، وارتدع بها من يفكر في السرقة، فكان حكم الله هنا حكيمًا وسطيًا بعيدًا عن الإفراط والغلو بالعقاب، وبعيدًا عن التفريط واللامبالاة، كما بين الشرع لنا مكان القطع والمقدار الذي تقطع به اليد، ولم يجعل الأمور خاضعة للاجتهاد 38.
وعن حكم الزانية والزاني بين الله عز وجل فيهما القول الفصل، فقالجل جلاله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2] .
وقد فرقت الشريعة السمحة الحكيمة بين الثيب والمحصن في العقاب، ولم يجعلهم سواء، وهذا جوهر العدالة والوسطية في الأحكام.
وفي الحديث عن عدة المطلقة والأرملة فرق الله عز وجل في مدة كل منهما، حيث قال عز وجل في حق المطلقات: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] .