فهرس الكتاب

الصفحة 1243 من 2431

يعني: أخذ بالأسباب التي تؤدّي إلى الخير. من جهة أخرى فإن القرآن وهو يحدثنا عن شخصيات الأبطال في قصص؛ لم يهتم بمسألة تأريخ عريق لهذه الشخصيات، ولم يعطها أي نوع من الخصوصية؛ بل أرادها أن تكون شخصيات عامة لتكون مثلًا يحتذى، ويتم بها الاعتبار، وتحدث الأثر المراد من القصة، ولو تم تشخيصهم وتعيينهم لقال الناس: إنها حادثة خاصة بهؤلاء، أو أنهم نماذج لا تتكرر؛ لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا عبرة وأسوة تسير في الزمان كله.

إن التمكين لذي القرنين كان بمنحه الأسباب التالية:

1.التمكين بالعلم والتدبير وحسن التصرف: أعطاه من العلوم ما يجعله قادرًا على استقراء سنن الأمم صعودًا وهبوطًا، وزوده الله بعلم منازل الأرض وعرفه ألسنة الأقوام، فكان لا يغزو قومًا إلا خاطبهم بلسانهم، ويقول خير يوسف: «أي جعلنا له مكنة وقدرة على التصرف في الأرض من حيث التدبير والرأي وكثرة الجنود والهيبة والوقار» 132.

2.التمكين بكثرة الأعوان والجنود وأسباب القوة: إن التمكين بكثرة الجنود أسهم في إلقاء الرعب في نفوس الأعداء، الأمر الذي سهل لذي القرنين فتح المشرق والمغرب حتى خضعت له الملوك والشعوب، وكانت العلاقة الطيبة بينه وبين الرعية أثر بالغ في تنفيذ المشاريع التي خطط لها من فتح البلاد وإقامة السدود وضرب الأعداء، كما أن الله أكرم ذي القرنين حيث «مكن له في سياسة النفوس أفرادًا وجماعاتٍ تهذيبًا وتربية وانتظامًا» 133.

3.التمكين في أسباب العمران والحضارة: مكن الله لذي القرنين من خلال ما زوده به من قوة وعلم في بناء الحضارات، «فخطط للمدن وشق القنوات وبنى السدود ونمى الزراعة» 134.

3.السؤال عن موسى وصاحبه.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) } [الكهف:60 - 65] .

من الواضح أن موسى عليه السلام استخدم السؤال ليعرف مكان الخضر عليه السلام ويتعلم منه، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فمرّ بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه؟ فقال أبي: نعم سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه يقول: (بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال موسى: لا فأوحى الله عز وجل إلى موسى: بلى عبدنا خضر. فسأل السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه ... الحديث) 135.

كما استخدم عليه السلام السؤال في اتباعه الخضر، قال تعالى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) } [الكهف:66] .

قال القرطبي في تفسير الآية: «هذا سؤال الملاطف المستنزل المبالغ في حسن الأدب، والمعنى هل يتفق لك ويخف عليك» 136.

وقد استخدم نبي الله موسى عليه السلام السؤال هنا لتحقيق أغراض، منها: الاتباع، والتعلم الراشد.

إن طلب الخضر من نبي الله موسى عليه السلام أن لا يسأله عن شيء حتى يبينه له، يدل على أن السؤال من الوسائل المهمة لمعرفة أسباب القيام ببعض الأمور التي لا يرى لها حكمًا ظاهرة، فيجلي أسرارها وخفاياها.

كان السؤال وسيلة موسى عليه السلام الوحيدة التي استخدمها للتعبير عن إنكاره لما يجرى أمام عينيه، لأنه في تصوره تعدٍّ وظلم في الظاهر، ولهذا كثرت أسئلته الإنكارية التي أوردها القرآن كما جاءت في قوله تعالى: {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا} [الكهف:71] .

وقوله تعالى: {قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} [الكهف:74] .

وقوله تعالى: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف:77] .

فموسى عليه السلام بشخصيته التي لا تتحمل القهر لم يصبر، على تصرفات الخضر، أكثر من الأسئلة بطريقة منكرة، وهذا يدل على فاعلية السؤال وقوة تأثيره في القصة، إذ أثمر معرفةً وفهمًا وتفسيرًا لأمور كانت أسبابها غامضة وغير معروفة وغير ظاهرة للعيان.

وفعل موسى عليه السلام يدل على الآتي: على أنه لا ينبغي لأحد ترك طلب العلم والازدياد منه والرحلة فيه وإن كان قد بلغ فيه مبلغه، ويدل على وجوب التواضع لمن هو أعلم منه 137.

وفي الآيات دلالات على أن الاشتغال بالنوافل وترك التعلم، يورث الجهل، وهذا يتنافى مع مقصد الشريعة التي تأمر أصحابها بزيادة العلم، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجعل من دعائه: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114] .

وقال تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام، {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) } [الكهف:66] .

وقال تعالى حاثا الأمة: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة:122] .

ومن دلالات الآيات أن موسى عليه السلام لما اجتمع بصاحبه، تواضع له كما يتواضع التلاميذ لأساتذتهم، واتبعه في صورة مستفيد منه، وهذا مما يدلّ على أنه نبيٌّ مثله، يوحى إليه كما يوحى إليه، لكن الله عز وجل قد خصّ صاحب موسى عليه السلام من العلوم اللدنيّة والأسرار النبويّة بما لم يطلع الله عليه نبيه موسى الكليم عليه السلام.

وفي قوله تعالى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) } [الكهف:66] دلالة على أن موسى عليه السلام أفضل من صاحبه، وأن الخضر لن يفضل موسى أبدًا، ومع ذلك لما آتاه الله شيئًا من العلم سأله سؤال المتأدب المتلطف معه.

وقد وجه القرآن الكريم المتعلمين إلى الحرص على السؤال والتعلم حتى لو كان من يتعلم منه أقل فضلًا ممن يتعلم، فنبي الله موسى عليه السلام كان حريصًا على التعلم من الخضر مع كونه أفضل منه.

قال تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) } [الكهف:66] .

قال الرازي: «إن موسى عليه السلام مع كثرة علمه وعمله وعلو منصبه واستجماع موجبات الشرف التام في حقه، ذهب إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له» 138.

قال الرازي: «اعلم أن هذه تدل على أن موسى عليه السلام راعى أنواعًا كثيرة من الأدب عندما أراد أن يتعلم من الخضر، حيث جعل نفسه تابعًا {هَلْ أَتَّبِعُكَ} [الكهف:66] .

وثانيها: أنه استأذن في هذه التبعية، هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعًا لك، وهذا مبالغة عظيمة في التواضع» 139.

وأن الأمور لا تجري أو تقاس على حسب الظاهر منها، بل ربما يكون الأمر على خلاف الأمر الظاهر، فلا نستعجل بالأحكام على الخلق، وأن على المسلم أن يعتقد دائمًا أن هناك من هو أعلم منه، وهذا نتعلمه من موقف موسى عليه السلام حين سئل عن هذا الموضوع، فأجاب: ليس على الأرض من هو أعلم مني - ولم يستثن - ولم يقل: إن شاء الله، فأوحى الله إليه أنه يوجد من هو أعلم منك في الأرض في مجمع البحرين.

ولقد دلت هذه القصة على مشروعية الصحبة في طلب العلم، وهذا ما فعله موسى عليه السلام حين خرج ومعه فتاه.

إن القرآن الكريم لم يخبرنا عن اسم صاحب موسى عليه السلام، لتبقى سلسلة المفاجآت المتوالية هي المسيطرة على هذا الجو الغامض الذي أحاط بسيدنا موسى عليه السلام، قال سيد قطب: «إنما يراد به أن يمثل الحكمة الكونية العليا، التي لا ترتب النتائج القريبة على المقدمات المنظورة، بل تهدف إلى أغراض بعيدة لا تراها العين المحدودة» 140.

في هذا المبحث سوف ينحصر الحديث عن سؤالين في القرآن الكريم، وهما سؤال عن الأهلة وسؤال عن الجبال، والمدقق يجد أنهما مخلوقات كونية لها تأثير بالغ في حياة الناس، وخصوصًا الهلال الذي عبر عنه بالجمع رغم أنه واحد، وذلك لعظم فوائده، وملخص الأمر يدور على أن المرء لا بد أن يسأل عما ينفعه ويترك السؤال عما لا يعنيه. وهذا المبحث له مطلبان:

قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) } [البقرة:189] .

روي عن معاذ بن جبلٍ، وثعلبة بن غنمٍ الأنصاريين قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو دقيقًا مثل الخيط، ثمّ يزيد؛ حتّى يمتلئ ويستوي، ويستدير، ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ، لا يكون على حالةٍ واحدةٍ؛ كالشّمس، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} 141.

ثم معنى السؤال عن الأهلة: هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائمًا على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر عز وجل أنه جعل الهلال معرفًا للخلق الأوقات ومعرفة وقت الحج، وعدة النساء وتعرف الشهور، ورمضان ونعرف شهر الحج، وآجال العقود في البيع والإيجار، وسداد الديون وأوقات الزرع، إلخ، لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام، فجعل عز وجل بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الآجال، ويعرفوا وقت الزكاة؛ طلبًا للتخفيف والتيسير عليهم 142. وقيل: إنهم لمّا سألوا عن شيء قليل الجدوى أجيبوا بما فيه فائدةٌ، وعدل عن سؤالهم إذ لا فائدة فيه 143.

وفي الآية دلالة على أن المرء لا بد أن يسأل عما ينفعه ويترك السؤال عما لا يعنيه. فالجواب عن الأهلة بهذا الشكل أفاد بأن السؤال عن سر الاختلاف، ليس فيه منفعة شرعية، وإنما ينبغي الاهتمام بما فيه منفعة دينية 144. وشاهده في السنة قوله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) 145. كما أفادتنا الآية الشهور القمرية لها فوائد عظيمة، إذ بها تعرف كثير من العبادات، وما سمّي الهلال هلالًا إلا لأنه حين يرى يهل الناس بذكر الله 146، وقيل: هو من البيان، أي: لظهوره وقت رؤيته بعد خفائه، ولذلك يقال: تهلّل وجهه: ظهر فيه بشرٌ وسرورٌ 147. فالهلال ليلتان من أول الشهر أو ثلاث، وما بينهما «قمرٌ» 148. ويقال له: «بدرٌ» من 12 إلى 14 149، ولقد جمع الهلال، رغم إفراده؛ اعتبارًا باختلاف أزمانه، وعلى اعتبار أنه هلالًا في شهر غير كونه هلالًا في آخر 150. إن مذهب العرب من الزمان الأول أن تكون السنة قمرية لا شمسية، وهذا الحكم توارثوه عن إبراهيم وإسماعيل، عليها السلام، فأما عند اليهود والنصارى، فليس الأمر كذلك، فالسنة عندهم شمسية.

ويؤيد هذا تجريد الجواب من كلمة قل التي ذكرت في مواقع السؤال من القرآن نحو: مع ما في هذا النظم العجيب من زيادة إخراج الكلام في صورة الحكم الكلي؛ إذ جاء بحكم عام في سياق الشرط فقال: {سَأَلَكَ عِبَادِي} وقال: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} ولو قيل: وليدعوني فأستجيب لهم لكان حكمًا جزئيُّا خاصًّا بهم، فقد ظهر وجه اتصال الآية بالآيات قبلها ومناسبتها لهن وارتباطها بهن من غير أن يكون هنالك اعتراض جملة» 151.

قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) } [طه:105 - 107] .

قال مقاتل: «نزلت في رجال من ثقيف 152 أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا محمد: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فنزلت هذه الآية» 153. وزاد ابن عاشور فقال: «وثقيف أهل جبالٍ لأنّ موطنهم الطّائف وفيه جبل كرى، وسواءٌ كان سؤالهم استهزاءً أم استرشادًا، فقد أنبأهم اللّه بمصير الجبال إبطالًا لشبهتهم وتعليمًا للمؤمنين» 154.

أولًا: مقاصد السؤال:

يمكن تحديد مقاصد السؤال من خلال النقاط التالية:

1.التعنت.

وهو طلب العنت وهو المشقّة 155.

وقال ابن منظور: «أصل التعنت التشديد» 156، وإدخال المشقة والأذى على الغير 157. ومنه سؤال اليهود النبي الكريم عن الروح، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85] .

حيث كانوا يقصدون من مسائلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم المزلة والإنقاص. ولذلك يقال لكل من يتعنت في السؤال فإنه يطلب مزلته 158، وإيذاء المسؤول وإدخال المشقة عليه، ووضح كذلك من سؤال بني إسرائيل لموسى عليه السلام: {لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} [الفرقان:21] .

فقد سألوه سؤال تعنت، لا سؤال مسترشد، والأمثلة على التعنت كثيرة، ومنها ما فعلته قريش عندما طلبت من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بمعجزات وآيات اقترحوها، ولو تدبرت قريش كلام الله لوجدوا في القرآن المسطور وفي الكون المنظور أضعافًا مضاعفة من هاته الآيات التي طلبوها.

قال تعالى عنهم: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) } [الإسراء:90 - 93] .

2.الاحتجاج.

وهو الاستقامة في النّظر سواء كان من جهة ما يطلب معرفته أو من جهة غيره 159.

وغالبًا يصدر عن المشركين، على خصمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجّة. ومثاله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة:217] .

والحجة من الاحتجاج، قال اللّه تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة:150] .

وفي الآية: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} [ص:23] . أي: غلبني في الاحتجاج 160.

ومن أضداده الاعتلال، وهو الاحتجاج بما ليس حجة 161، وفي حديث الدّجّال: (إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه) 162، أي: مغالبه بإظهار الحجّة عليه 163.

ومن الأمثلة عليه قوله تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} [المائدة:109] .

قال ابن عطية: «سؤال موجه للرسل والهدف منه: «لتقوم الحجة على الأمم ويبتدأ حسابهم على الواضح المستبين لكل مفطور» 164.

يقول الماتريدي: «إنه سبحانه «يسأل الرسل عن تبليغ الرسالة إلى قومهم، ويسأل قومهم عن إجابتهم لهم؛ ليقطع احتجاجهم، وإن لم يكن لهم الحجاج» 165.

3.الاستهزاء.

يقول الله تعالى مخبرًا عن استهزاء وسخرية كفار قريش من المؤمنين: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } [الأنعام:53] .

وكسؤال المنافقين تهكمًا وتكبرًا وتبخترًا، ومثاله ما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: (سئل النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن أشياء كرهها، فلمّا أكثر عليه غضب، ثمّ قال للنّاس:(سلوني عمّا شئتم) قال رجلٌ: من أبي؟ قال: (أبوك حذافة) فقام آخر فقال: من أبي يا رسول اللّه؟ فقال: (أبوك سالمٌ مولى شيبة) فلمّا رأى عمر ما في وجهه قال: يا رسول اللّه، إنّا نتوب إلى اللّه عزّ وجلّ) 166.

وتعليق الاستهزاء بالله عز وجل مجازٌ جلّ ربّنا عن الاستهزاء، قال تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) } [البقرة:15] أي: يجازيهم على استهزائهم .. {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة:65 - 66] .

أورد الطبري بسنده عن قتادة: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} ، قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها! فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ما قالوا، فقال: عليّ بهؤلاء النفر! فدعاهم فقال: (قلتم كذا وكذا) ! فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب! 167.

4.الاسترشاد.

أصله أن يسأل الرجل من يرشده، وهذا مقصد المؤمن من أسئلته، فمقصده من سؤاله الاسترشاد، ومعرفة أحكام الله سبحانه وتعالى، وأحكام رسوله صلى الله عليه وسلم في المسائل ليعمل بها، ومثّلوا لسؤال الاسترشاد الذي من هذا القبيل بسؤال الملائكة إذ قالوا لربّهم كما جاء في سورة البقرة.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } [البقرة:30] .

وقد يطرح المتكلم سؤالًا استفهاميًّا ظاهره يشعر بالاستشكال أو الاعتراض، وغرضه الاسترشاد، ويمكن أن نعتبر من الأمثلة على هذا أسئلة موسى للخضر في اعتراضاته على تصرّفاته، كما أبان الله لنا في سورة الكهف، {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) } [الكهف:71] .

5.التقرير.

وهو تحصيل ما لم يصرح به القول 168، يراد منه أن يكون المسؤول متيقظًا لما يراد به من الاطلاع عليه، كما قال الله عز وجل لموسى عليه السلام: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (17) } [طه:17] 169. ومنه الطلب من القوم الإقرار بالشيء.

قال الماتريدي: «وهو كقوله: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [المائدة:116] .

هذا السؤال تقريري لا غير؛ لأنه كان يعلم أنه لم يقل لهم ذلك، لكنه سألهم تقريرًا؛ ليقروا بذلك؛ لئلا يقولوا: هو قال لهم ذلك» 170.

وقوله تعالى: {وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) } [الزخرف:49] أسلوب إنشائي في صورة نداء غرضه التقرير. وكقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر:36] .

6.الامتحان.

وهو من المحن 171، وهو الاختبار.

قال تعالى: {فَامْتَحِنُوهُنَّ} [الممتحنة:10] .

وذلك حتى تظهر حال المسؤول على حقيقتها فيعترف بقصوره عن الإحاطة بالأشياء، كفعل الملائكة عند قوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} [البقرة:31] .

بقولهم: {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة:32] 172.

7.التعجب والبراءة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت