فهرس الكتاب

الصفحة 1863 من 2431

يقول الرازي: «إنه عليه السلام قال: «إنكم متى فعلتم ذلك فالله تعالى يكثر النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك النعم» ، وهذا غاية ما يراد من السعادات، فإن النعم إن لم تكن حاصلةً تعذر الانتفاع، وإن كانت حاصلةً إلا أن الحيوان قام به المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود أيضًا، أما إذا كثرت النعمة وحصلت القوة الكاملة على الانتفاع بها فههنا تحصل غاية السعادة والبهجة، فقوله تعالى: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) إشارةٌ إلى تكثير النعم، لأن مادة حصول النعم هي الأمطار الموافقة.

وقوله: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى? قُوَّتِكُمْ) إشارةٌ إلى كمال حال القوى التي بها يمكن الانتفاع بتلك النعمة، ولا شك أن هذه الكلمة جامعةٌ في البشارة بتحصيل السعادات وأن الزيادة عليها ممتنعةٌ في صريح العقل، ويجب على العاقل أن يتأمل في هذه اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب الكريم من الأسرار المخفية» 54.

وقال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ?6?إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ?7?الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ?8?) [الفجر:6 - 8] .

قال ابن كثير: «وقوله: (ذَاتِ الْعِمَادِ) لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقةً وأقواهم بطشًا، ولهذا ذكرهم هودٌ بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ? فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأعراف: 69] .

وقال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ? أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ?) [فصلت: 15] .

وقال هاهنا: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم» 55.

فهذه نعم أنعم الله بها عليهم وامتن عليهم بها، ولكنهم طغوا وتجبروا، فأهلكهم الله كما أهلك غيرهم.

قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ(6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14 ) ) [الفجر:6 - 14] .

وقد جمع الله في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ القديم، مصرع:

هؤلاء هم (الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ(11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ)، وليس وراء الطغيان إلا الفساد، فالطغيان يفسد الطاغية ويفسد الذين يقع عليهم الطغيان سواء، كما يفسد العلاقات والارتباطات في كل جوانب الحياة، ويحول الحياة عن خطها السليم النظيف المعمر الباني، إلى خط آخر لا تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض بحال.

إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا يفيء إلى ميزان ثابت، ولا يقف عند حد ظاهر، فيفسد هو أول من يفسد، ويتخذ له مكانا في الأرض غير مكان العبد المستخلف، وكذلك قال فرعون: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى?) ، عندما أفسده طغيانه، فتجاوز به مكان العبد المخلوق، وتطاول به إلى هذا الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فساد!

ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع السخط الدفين والحقد الكظيم؛ فتتعطل فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية وملكات الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو الحرية، والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن، وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة والغرائز المريضة، وميدانًا للانحرافات مع انطماس البصيرة والإدراك، وفقدان الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو فساد أي فساد!

ثم هو يحطم الموازين والقيم والتصورات المستقيمة؛ لأنها خطر على الطغاة والطغيان، فلا بد من تزييف للقيم، وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات كي تقبل صورة البغي البشعة وتراها مقبولة مستساغة.

فلما أكثروا في الأرض الفساد كان العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ(13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)، فربك راصد لهم ومسجل لأعمالهم، فلما أن كثر الفساد وزاد صب عليهم سوط عذاب، وهو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب، حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية على الطغاة الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد.

(ک ک ک) : يرى ويحسب ويحاسب ويجازي وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور لكن بحقائق الأشياء 56.

وقد حذر الله من الاغترار بالقوة في غير ما آية، فقال تعالى: وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى? عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) [الأحقاف:26] .

يقول الرازي: «والمعنى أنا فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمعًا فما استعملوه في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصارًا فما استعملوها في تأمل العبر، وأعطيناهم أفئدةً فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى، بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنيا ولذاتها؛ فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئًا.

ثم بين تعالى أنه إنما لم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل أنهم كانوا يجحدون بآيات الله، وقوله: (إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ) بمنزلة التعليل، ولفظ إذ قد يذكر لإفادة التعليل، تقول: ضربته (إذ) أساء. والمعنى ضربته لأنه أساء. وفي هذه الآية تخويفٌ لأهل مكة، فإن قوم عادٍ لما اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل والحجة نزل بهم عذاب الله، ولم تغن عنهم قوتهم ولا كثرتهم، فأهل مكة مع عجزهم وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله تعالى ويخافوا» 57.

ولما اغتر قارون بقوته قال الله: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِنْدِي ? أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ? وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ?78?) [القصص:78] .

يقول الطبري: «يقول جل ثناؤه: أولم يعلم قارون حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علمٍ عنده علمته أنا منه فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتي من الكنوز أن الله قد أهلك من قبله من الأمم من هو أشد منه بطشًا، وأكثر جمعًا للأموال ولو كان الله يؤتي الأموال من يؤتيه لفضلٍ فيه وخيرٍ عنده ولرضاه عنه لم يكن يهلك من أهلك من أرباب الأموال الذين كانوا أكثر منه مالًا، لأن من كان الله عنه راضيًا فمحالٌ أن يهلكه الله وهو عنه راضٍ، وإنما يهلك من كان عليه ساخطًا» 58.

فالكلام تهديدٌ للمجرمين ليحذروا من أن يؤخذوا بغتةً، ويحتمل أن يكون السؤال بمعناه الحقيقي، أي: لا يسأل المجرم عن جرمه قبل عقابه؛ لأن الله قد بين للناس على ألسنة الرسل بحدي الخير والشر، وأمهل المجرم، فإذا أخذه أخذه بغتةً، وهذا كقوله تعالى: (حَتَّى? إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام: 44] 59.

وقال الله محذرا أهل مكة: (ٹ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ) [محمد:13] .

وهذا تهديدٌ شديدٌ ووعيدٌ أكيدٌ لأهل مكة في تكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله عز وجل قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد قوةً من هؤلاء، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟! فإن رفع عن كثيرٍ منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم، (يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ? مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ) [هود: 20] 60.

وقال تعالى: (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ? أُولَ?ئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(69 ) ) [التوبة:69] .

وقال: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ? فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ?9?) [الروم:9] .

وقال: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ? وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ? إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ?44?) [فاطر:44] .

فلما عرض وصف الأمم السابقة بأنهم أشد قوةً من قريشٍ في معرض التمثيل بالأولين تهديدًا واستعدادًا لتلقي مثل عذابهم أتبع ذلك بالاحتراس عن الطماعية في النجاة من مثل عذابهم بعلة أن لهم من المنجيات ما لم يكن للأمم الخالية، كزعمهم أن لهم آلهةً تمنعهم من عذاب الله بشفاعتها أو دفاعها، فقيل: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) أي: هبكم أقوى من الأولين أو أشد حيلةً منهم أو لكم من الأنصار ما ليس لهم، فما أنتم بمفلتين من عذاب الله؛ لأن الله لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، كقوله: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ? وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) [العنكبوت: 22] 61.

أولًا: القوة في الدين:

والقوة في الدين تشمل أمورا كثيرة، ومن ذلك:

1.أخذ الدين بقوة.

قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة:63] .

ومعنى الآية: خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض فاقبلوه واعملوا باجتهادٍ منكم في أدائه من غير تقصيرٍ ولا توانٍ. وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوةٍ بجدٍ 62.

وقال تعالى: (يَا يَحْيَى? خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ? وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم:12] .

أي: بجدٍّ واجتهادٍ، وذلك بتفهم المعنى أولًا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم يعمل به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه، ويتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات العمل به 63.

2.الثبات على الدين.

ومن القوة في الدين الثبات عليه، قال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى? مِنْ أُمَّةٍ ? إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ? وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [النحل:92] .

يقول الطاهر: «وقد ذكر من قصتها أنها كانت امرأةً خرقاء مختلة العقل، ولها جوارٍ، وقد اتخذت مغزلًا قدر ذراعٍ وصنارة مثل أصبعٍ وفلكة عظيمة على قدر ذلك، فكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فتنقض ما غزلته، وهكذا تفعل كل يومٍ، فكان حالها إفساد ما كان نافعًا محكمًا من عملها وإرجاعه إلى عدم الصلاح، فنهوا عن أن يكون حالهم كحالها في نقضهم عهد الله وهو عهد الإيمان بالرجوع إلى الكفر وأعمال الجاهلية. ووجه الشبه الرجوع إلى فسادٍ بعد التلبس بصلاحٍ» 64.

وهذا يشمل جميع ما عاهد العبد عليه ربه من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها، إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد عليه هو وغيره، كالعهود بين المتعاقدين، وكالوعد الذي يعده العبد لغيره ويؤكده على نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها مع القدرة، ولهذا نهى الله عن نقضها 65.

3.تبليغه للناس.

ومن القوة في الدين تبليغه للناس، قال تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ? سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ(145 ) ) [الأعراف:145] .

فأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ الشرع بقوة، وأن يبلغه لقومه، والواجب على هؤلاء أن يتحركوا لنشر هذا الدين، وتبليغه للعالمين.

يقول الطاهر: «والقوة هنا في قوله: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ) تمثيلٌ لحالة العزم على العمل بما في الألواح بمنتهى الجد والحرص دون تأخيرٍ ولا تساهلٍ ولا انقطاعٍ عند المشقة ولا مللٍ، بحالة القوي الذي لا يستعصي عليه عملٌ يريده. ومنه قوله تعالى: (يَا يَحْيَى? خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ?) [مريم:12] .

وهذا الأخذ هو حظ الرسول وأصحابه المبلغين للشريعة والمنفذين لها، فالله المشرع، والرسول المنفذ، وأصحابه وولاة الأمور هم أعوانٌ على التنفيذ، وإنما اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من خصائصه من يقوم مقامه في حضرته وعند مغيبه، وهو وهم فيما سوى ذلك كسائر الأمة.

فقوله: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) [الأعراف: 145] .

تعريجٌ على ما هو حظ عموم الأمة من الشريعة وهو التمسك بها» 66.

4.أخذ الدين بشمولية.

قال تعالى: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ? سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) [الأعراف:145] .

فالأمر الإلهي الجليل لموسى عليه السلام أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم.

هذا الأمر على هذا النحو فضلًا على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية التي أفسدها الذل وطول الأمد بالعزم والجد لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه - كذلك - يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها.

إن العقيدة أمر هائل عند الله سبحانه وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ الإنسان وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة كذلك.

والمنهج الذي تشرعه العقيدة في وحدانية الله سبحانه وعبودية البشر لربوبيته وحده منهج يغير أسلوب الحياة البشرية بجملتها، ويقيم هذه الحياة على أسلوب آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية، حيث تقوم ربوبية غير ربوبية الله سبحانه، ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي ينبثق من تلك العقيدة.

وأمر له هذه الخطورة عند الله وفي حساب الكون وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ الإنسان يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه، ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلًا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص أو من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر.

وليس معنى هذا - بطبيعة الحال - هو التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! فهذا ليس من طبيعة دين الله.

ولكن معناه الجد والهمة والحسم والصراحة وهي صفات أخرى ومشاعر أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض!

ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل - بصفة خاصة - بعدما أفسدها طول الذل والعبودية في مصر تحتاج إلى هذا التوجيه، لذلك نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوكيد، تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة الخاوية على الاستقامة والجد والوضوح والصراحة.

ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول العبودية والذل والخضوع للإرهاب والتعبد للطواغيت، فبدت عليها أعراض الالتواء والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبًا للمشقة.

كما هو الملحوظ في واقع كثير من الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من تكاليفها، وتسير مع القطيع لأن السير مع القطيع لا يكلفها شيئًا! 67.

فالواجب على العباد أن يأخذوا التكاليف كلها، كما قال تعالى: (ھ ے يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة:208] .

فتأويل ذلك دعاءٌ للمؤمنين إلى رفض جميع المعاني التي ليست من حكم الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام، والنهي عن تضييع شيءٍ من حدوده 68.

ولما دعا الله الذين آمنوا أن يدخلوا في السلم كافة حذرهم أن يتبعوا خطوات الشيطان، فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان، إما الدخول في السلم كافة، وإما اتباع خطوات الشيطان، إما هدى وإما ضلال، إما إسلام وإما جاهلية، إما طريق الله وإما طريق الشيطان، وإما هدى الله وإما غواية الشيطان، وبمثل هذا الحسم ينبغي أن يدرك المسلم موقفه، فلا يتلجلج ولا يتردد ولا يتحير بين شتى السبل وشتى الاتجاهات.

إنه ليست هنالك مناهج متعددة للمؤمن ليختار واحدًا منها، أو يخلط واحدا منها بواحد، كلا! إنه من لا يدخل في السلم بكليته، ومن لا يسلم نفسه خالصة لقيادة الله وشريعته، ومن لا يتجرد من كل تصور آخر ومن كل منهج آخر ومن كل شرع آخر، إن هذا في سبيل الشيطان، سائر على خطوات الشيطان.

ليس هنالك حل وسط، ولا منهج بين بين، ولا خطة نصفها من هنا ونصفها من هناك! إنما هناك حق وباطل، هدى وضلال، إسلام وجاهلية، منهج الله أو غواية الشيطان، والله يدعو المؤمنين في الأولى إلى الدخول في السلم كافة ويحذرهم في الثانية من اتباع خطوات الشيطان، ويستجيش ضمائرهم ومشاعرهم، ويستثير مخاوفهم بتذكيرهم بعداوة الشيطان لهم، تلك العداوة الواضحة البينة التي لا ينساها إلا غافل، والغفلة لا تكون مع الإيمان 69.

إن الملاحظ في عامة أوساط الناس انحصار مفهوم الحديث في القوة الظاهرة المكتسبة في ظاهر بدن الإنسان، فتجد في الواقع أكثر الناس ممن لهم في ذلك الشأن أقوياء في البدن ضعفاء في الروح، بل ربما كانت هذه القوة مصدر شقاء هذه الأجساد في كثير من الأحيان، ترى ذلك في الواقع أكثر من أن تقدر على حصره.

وثمة معنى عظيم الأثر في تحقيق أثر الإنسان في الأرض، وأكبر حادٍ له إلى صناعة المجد، وأقوى الأسباب في تحقيق غايات الإنسان وبناء تاريخه في الدنيا، هذا المعنى يغفل عنه الناس، ولا يأخذ من حياتهم الحيز الذي شغله معنى القوة الظاهرية في بناء أنفسهم، وهو لا يكلفهم مالًا، ولا يتطلب منهم مجهودًا كما يتطلب منهم المعنى الأول، ألا وهو معنى الصلة بالله تعالى.

إن الصلة بالله تعالى تصنع في حياة الإنسان من النشاط والحركة والقوة والتأثير ما لا يصنعه بناء كمال الأجسام، ولا سبيل للمقارنة بين المعنيين، وأضرب لك لتقريب هذا المعنى الأمثلة التالية:

المثال الأول: حين أراد الله تعالى أن يرسل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم ليبلغ الناس هذا الدين أبلغه وصية نافعة وأرشده إلى الطريق الذي يتحمل به أعباء الدعوة، وشدد عليه في اعتناق ذلك المعنى بكل ما يملك، (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ?1?قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ?2?نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ?3?أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ?4?إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ?5?إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ?6?إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ?7?) [المزمل:1 - 7] .

وكل ذلك كان من أجل البلاغ، (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) [المزمل:5] كأن الله تعالى يقول به: إنه لا سبيل لك للقيام بهذه المهمة الشاقة الصعبة إلا بحسن الصلة ووطيد العلاقة وقوة الحياة في قلبك واستمدادك للقوة التي تحملك لبلاغ دين الله تعالى في الأرض.

وكانت هذه الوصية فيما بعد هي زاد النبي صلى الله عليه وسلم الروحي والمعنوي الذي استوثق منه غاية وسعه، فاستقبل بعد ذلك الدعوة وهو في أوج روحه وعطائه وجهده، فذهب يعلي بها كلمة الله تعالى في الأرض، وما رحل من الدنيا حتى سجل أروع صور التاريخ أثرًا.

المثال الثاني: عن أبي هريرة، أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا وشكت العمل، فقال: (ما ألفيتيه عندنا) قال: (ألا أدلك على ما هو خيرٌ لك من خادمٍ؟ تسبحين ثلاثًا وثلاثين، وتحمدين ثلاثًا وثلاثين، وتكبرين أربعًا وثلاثين، حين تأخذين مضجعك) 70.

فتأمل هذه العلاقة بين شكوى فاطمة من الإرهاق الجسدي الذي تتعرض له كل يوم في بيتها وتأتي تسأل أباها عن ما يخفف تلك الآلام التي تعتري جسدها فلا يجد لها النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذه الوصية المعنوية الروحية يسلي بها خاطرها، ويسل بها أثر تعبها وخدمتها، ولولا أن لهذا الذكر فائدة كبرى في تقوية الإنسان على عمله وجهاده في الحياة لما كانت الوصية به في هذا المقام.

ثانيًا: الجهاد، والإعداد له، ومقاومة العدو:

الحق له قوة ذاتية نابعة منه ومن تجافيه عن الباطل، ويستطيع دعاة الحق أن يصلوا به إلى عقول الناس بما احتواه من الحجج والبراهين الدالة عليه، ولا يحتاج الحق في إقناع الناس به إلى قوة تجبرهم أو تكرههم على القبول به واختياره؛ فإن قوته فيه، ومتى ما احتاج الحق إلى الإكراه لتحقيق الاقتناع بأدلته وبراهينه لم يكن حقًا؛ لذا جاء النص بنفي الإكراه في الدين.

وذلك في قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ? قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ? فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى? لَا انْفِصَامَ لَهَا ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?256?) [البقرة:256] .

فالإسلام دين حق عليه دلائل يقينية كل من اطلع عليها لا يملك غير التسليم بها والإذعان لها؛ فلا حاجة إذن إلى الإكراه عليه. قال ابن كثير: «لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام فإنه بينٌ واضحٌ جليٌ دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحدٌ على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينةٍ، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قومٍ من الأنصار، وإن كان حكمها عامًا» 71.

ولعل مجيء الآية بلفظ: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ?) وليس بلفظ: لا إكراه على الدين، مما يوضح ذلك، ثم كان قوله تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) كالتعليل لما سبق.

ورغم أن الحق منصور من داخله بأدلته وبراهينه، فلا بد له من قوة خارجية، لا لكي يفرض بها نفسه على الناس، وإنما يحتاج إليها لأمرين:

الأول: لكي تدافع عنه ضد عدوان المعتدين وصيال الصائلين الذين ختم الله تعالى على قلوبهم، وأصبح نهجهم العناد والمكابرة، والعدوان على المخالفين.

الثاني: جهاد الطغاة الظالمين الذين يصدون الناس بما لديهم من سلطان وقوة عن الاستجابة للنداء الحق، ويصرفونهم عن اتباعه، ويجبرونهم جبرًا وقسرًا على البقاء على دينهم الفاسد وعدم الإقبال على الدين الحق، ولأجل تلك الحقيقة شرع الله سبحانه الجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت