فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 2431

يقول تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 38، 39] .

الأحكام التشريعية المستنبطة من النص:

جاءت الآية الأولى تبيّن حكم السرقة، فكل من يسرق فحكمه أن تقطع يده اليمنى من الكوع، وكذا يد السارقة؛ مجازاة لهما على ظلمهما بالاعتداء على أموال غيرهم، وقد ذكر {وَالسَّارِقَةُ} عطفًا على {وَالسَّارِقُ} حتى لا يفهم منها أنّ الحكم مقتصرٌ على الذكور فقط دون الإناث، فقد كانت العرب لا تقيم الحدود على الإناث قبل الإسلام، ونلاحظ أن الآية لم تبيّن مفهوم السرقة ولا النصاب الذي تسمى عنده سرقة فتوجب الحد، ولا كيفية القطع ومكانه، فقد بيّنت ذلك السنة النبوية، كما بيّنت الآية أن هذا الحكم إنما هو جزاءً من الله على ظلم السارق والسارقة في اعتدائهما على حقوق العباد، وأنه عقوبة من الله تعالى لهما تجعل غيرهما لا يقدم على أخذ أموال الناس بطريق السرقة المحرمة، وذلك الحكم لأن الله سبحانه و تعالى {عَزِيزٌ} في ملكه لا يغالبه مغالب، و {حَكِيمٌ} في تدبيره وقضائه 84.

وبيّنت الآية الثانية أنّ من تاب من السارقين بعد قيامه بالسرقة فأقلع عن السرقة وعمل عملًا صالحًا، فإن الله يقبل توبته، لكن مع الانتباه أن الآية لم تذكر إسقاط عقوبة السرقة، وإن جاء السارق تائبًا قبل القدرة عليه 85.

وقد جعل الله تعالى عقوبة السرقة هي القطع «ليكون هذا العقاب الصارم عبرة للناس؛ حتى يرتدع أهل البغي والفساد، ويأمن الناس على أموالهم وأرواحهم» 86.

وعليه فالجزاء على السرقة جزاء يقصد منه الردع وعدم العود، فليس بانتقام، ولكنه استصلاح وتهذيب لسلوك الفرد والمجتمع، فلا يكون المراد أن القطع تعويض عن المسروق، فعندما يعلم المكلف أن يده ستقطع، وأنه سيصبح بلا يد فتكون علامة مادية للمجتمع أنه سارق، فإنه سيفكر جيدًا في هذا التصرف من حيث أنه سيلقى عقابه بقطع يده، وسيلقى الخزي بين مجتمعه بيده المقطوعة؛ ومن ثمّ يصبح هذا الحكم دافعًا له للاستقامة على الطاعة وحفظ الأمانة، واجتناب المعصية.

1.ذكر القرآن الكريم صور وطرقًا عديدة تخوّف المؤمن من حصول العذاب في الدنيا والآخرة، فمن طريقة القرآن الكريم وأساليبه، ترهيب المؤمن بما أعد الله من أصناف العذاب لمن خالف أمره، وكل ذلك حتى يكون على طاعة مستمرة لربه، وبذلك يحصل له الفوز في الدنيا والآخرة.

والمتأمل في القرآن الكريم يجد أن أسلوب الترهيب لم يأت بصيغة الترهيب الصريحة فحسب، بل جاء في العديد من المواضع بطريق التلميح والتعريض والتهديد، وبطرق أخرى نبيّنها فيما يلي:

1.التهديد والتخويف بصيغة العلم.

فكثيرًا ما يقع التهديد في القرآن بذكر (العلم) ، والمثال على هذا قوله عز وجل: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] .

فالأمر بـ (العلم) بأن لقاء الله آتٍ لا مفر منه مشعر بالتهديد 87، ومن هذا القبيل أيضًا، قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] .

2.الترهيب بصيغة (أفعل) .

والمراد: المبالغة في التهديد والزجر، والمثال عليه قوله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] .

ففي الآية تهديد عظيم لمن منع مساجد الله أن تقام فيها العبادة، ونحو هذا قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140] .

3.الإملاء للمعرضين والإمداد لهم.

والمثال عليه قوله سبحانه: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [الزخرف: 83] .

ونظير هذا قوله عز وجل: {فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} [الطور: 45] .

4.التعبير بصيغة المستقبل بالإخبار عن عاقبة المعرضين.

ومثاله قوله تعالى: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] .

يقول ابن كثير: «سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدّمار والتّباب» 88، ونظيره قوله سبحانه: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] .

5.الأمر بطاعة الله سبحانه والرهبة منه.

مثال ذلك قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] .

فالأمر هنا متضمن معنى التهديد والوعيد.

6.تكرار الكلام بلفظه، والقصد التهديد.

قال تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] .

فقد تكررت هذه الآية كثيرًا في سورة الرحمن؛ بقصد التهديد لمن تنكّر لنعم الله عليه وأفضاله.

7.إخباره سبحانه بعدم غفلته عما يفعله عباده.

والمثال عليه قوله تعالى: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 74] .

فالمراد: التهديد، ونحو هذا قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42] .

8.الخطاب بلفظ (الإنذار) .

من ذلك قوله تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] . فالإنذار يتضمن معنى الترهيب.

9.ختم الآيات بعبارات تفيد أنّ من يخالف أوامر الله سبحانه فإنه معرّض للعذاب الشديد.

كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] .

10.الإخبار بلفظ الغلبة والحشر.

كقوله سبحانه: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 12] .

فالمراد بـ (الغلبة) و (الحشر) هنا التهديد.

11.التذكير بالأمم السالفة، وما نزل بها من العقاب والعذاب.

كقوله تعالى: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [سبأ: 45] .

فالآية سيقت مساق التهديد بتذكيرهم بالأمم السالفة التي كذّبت رسلها، وكيف عاقبهم الله على ذلك، وكانوا أشد قوة من قريش، وأعظم سطوة منهم.

ومن خلال ما تقدم تبيّن أن أساليب القرآن الكريم تعددت في خطاب النفس البشرية، ما بين ترهيب وإنذار، ووعيد، وتخويف، وكان الترهيب من الأساليب التي اعتمدها القرآن في خطابه؛ وذلك أن من النفوس البشرية من لا تستجيب لنداء الحق إلا إذا خوطبت بخطاب فيه تهديد ووعيد.

1.إنّ القرآن الكريم استخدم الكثير من الآيات المتضمنة للترهيب، قال تعالى: ژ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ [النحل: 51] .

قال البيضاوي في تفسيره: « {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} ذكر العدد مع أن المعدود يدل عليه دلالة على أن مساق النهي إليه، أو إيماء بأن الاثنية تنافي الألوهية، كما ذكر الواحد في قوله: {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} ، للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية دون الإلهية، أو للتنبيه على أن الوحدة من لوازم الإلهية، {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} نقل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب، وتصريحًا بالمقصود، فكأنه قال: فأنا ذلك الإله الواحد فإياي فارهبون لا غير» 89، وفي قوله: {فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} يقول: فإياي فاتقوا وخافوا عقابي بمعصيتكم إياي إن عصيتموني وعبدتم غيري، أو أشركتم في عبادتكم لي شريكًا، فدلت هذه الآية على مخافة العبد من غضب الله وسخطه وعذابه 90.

ولا شك أن الترهيب بأنواعه المتعددة وأساليبه المختلفة له أثره الكبير على سلوك المرء؛ لكون هذا الأسلوب رادعًا للفرد حينما يقصّر في أداء ما فرضه الله سبحانه وتعالى عليه من العبادات، وللعبادات تأثير واضح في سلوك الفرد، فهي التي تزكّي نفسه، وتزيد مراقبته لربه تعالى في السر والعلن، والخوف منه، فينزجر عن المعاصي والإضرار بالناس، ويسارع إلى عمل الخير، ولاشكّ أن المجتمع سيكون سعيدًا إذا زاد فيه عدد الصالحين الخائفين من الله تعالى، وأنّ كمية الخير في المجتمع ستكثر، وأن الجرائم تقل، فالعبادات في الإسلام تصلح الفرد والمجتمع، ولها الأثر الكبير في استقامة الإنسان 91.

وكذلك إذا اجتنب المرء ما نهى الله عنه من كبائر الذنوب والمعاصي، يبقى الفرد في اتصال دائم مع ربه فيخاف عقابه وعذابه ويرجو رحمته، قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] .

يقول القاسمي في تفسيره: « {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} أي: كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها، مما ذكر هاهنا ومما لم يذكر، {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} أي: صغائر ذنوبكم، ونمحها عنكم، وندخلكم الجنة» 92.

ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن جعل باب التوبة مفتوحًا لمن أقدم على كبيرة من الكبائر، كالقتل والشرك والزنا والعقوق وغيرها من الآثام، قال سبحانه: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82] .

أي: إن الله يغفر لمن رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية، وآمن بقلبه، وعمل الصالحات بجوارحه ثم استقام على طاعة ربه 93.

فلما يعلم المرء أن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب والكبائر والمعاصي، فإنه يبادر إلى التوبة والرجوع والإنابة إلى الله وحده، فيستقيم على طاعة ربه، ويبتعد عن كل ما يسخط الله ويغضبه؛ لأنه يعلم الوعيد الذي أعده الله سبحانه لمن خالف أمره وعصاه، فلو استطاع الإفلات من عذاب الدنيا، فإن العقاب الأخروي ينتظره، فمن ثمّ يكون لهذا الترهيب الأثر البالغ على سلوك المرء، لاسيما وإنّ الترهيب يثير عند الإنسان عامل الخوف، وعامل الرجاء والأمل، وهما في الواقع يوجّهان اتجاه الإنسان إلى السلوك الأفضل والطريق الأقوم.

1.أولًا: فوائد الترهيب في التربية:

لاشك أن الترهيب في التربية له فوائده الكثيرة التي تعود بالنفع على صاحبه، وتظهر مكانة الترهيب وأهميته من أمر الله تعالى الصريح بتطبيقه واستعماله في حقّه جلّ ثناؤه، قال تعالى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40] .

وقوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] .

فالترهيب من ركائز الإيمان، فيقتضي الخوف؛ لذا قيّده الله تعالى بالإيمان في قوله: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] .

فجعل الخوف والرهبة شرطًا في تحقيق الإيمان، فإذا تحقق الشرط وهو الخوف، تحقق المشروط وهو الإيمان، فالمقصود أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا يختلف عنه، فالخوف يربي المؤمن على طاعة ربه، ومن ثمّ يبقى على صلة بالله؛ فيزداد إيمان المؤمن بالطاعات، وبالبعد عن المنكرات.

وكذلك فإن الترهيب سبب في وصول المسلم إلى أعلى الدرجات، فمثلًا صاحب القلب الخائف، هو الّذي يقيم الصلاة على أكمل وجه، وهو الّذي يؤدي الزكاة بنفس طيبة، وهو الّذي يخشى الله في السر والعلن، قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ} [التوبة: 18] .

ولهذا كان جزاؤه الفوز والفلاح وميراث جنة الفردوس.

وقد بيّن سبحانه وتعالى اتصاف أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم به، بعد أن أثنى عليهم ومدحهم، فقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] .

وقال تعالى عن ملائكته الكرام الذين أمنهم من عذابه: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] .

وقال سبحانه عن عباده العلماء: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .

وهكذا نجد أن الأنبياء والملائكة والعلماء كانوا يدعون ربهم خوفًا ورهبة منه سبحانه وتعالى، وفي ذلك دعوة لنا أن نتذكر هذا الأسلوب الناجع في حياتنا، فالأفضل منا جميعًا كانوا يتصفون به، فمن باب أولى أن نكون أول من يلتزم ويتذكر هذا الأسلوب التربوي الذي ذكره الله سبحانه في كتابه؛ كي يكون رادعًا لنا في حياتنا اليومية.

والترهيب سبب في الانتفاع بالعبر والقصص القرآنية التي تحدثت عن مصير الأمم الغابرة؛ لأنّ من طبع النفس النسيان والغفلة؛ لذلك فإن الترهيب يصبح نوعًا من التذكير بما آلت إليه النفس من ارتكاس ونكوص، ووقوع في الرذائل والآثام هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن من رهب الله تعالى وخاف وعيده أوجب له ذلك الحذر، ومن ثمّ الانتفاع بالعظات والآيات والعبر، قال تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] .

وقال تعالى: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} [الأعلى: 10] .

وقال سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ} [هود: 103] .

ومن خلال ما سبق ذكره من الآيات ظهر لنا فوائد الترهيب في التربية، فهو سبب في القضاء على كثير من الأمراض والجرائم الاجتماعية، والمخالفات السلوكية، وسبب في تقوية وزيادة الإيمان، بمعنى أن من لم يرتدع بالترغيب والإرشاد والجدل واللين، واستمرّ على ما هو عليه، فلابد له حينئذٍ من سياط التخويف وسطوات السيوف من خلال الترهيب العمليّ، فمثلًا المرتد المصرّ على ردّته يقتل، والزاني المحصن يرجم، والسارق المستمر في فعله تقطع يده، ومن خلال ما سبق ظهر لنا فوائد هذا الأسلوب في التربية.

ثانيًا: فوائد الترهيب في الدعوة إلى الله:

قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] .

الدعوة إلى الله واجب كل مسلم، كما كانت من قبل وظيفة الأنبياء والرسل، ولقد شرع لنا الله سبحانه في دعوتنا للناس أساليب ووسائل تتنوع بين الحين والآخر، فقد يستخدم مع المدعو أحيانًا أسلوبًا أو وسيلة تختلف عنه مع مدعو آخر.

ومن هنا يبرز لنا أهمية أسلوب الترهيب في الدعوة إلى الله؛ لأن هنالك بعضًا من الناس وأصنافًا منهم لا يجدي فيهم الترغيب والوعود الجميلة، وإنما ينفع معهم التقريع والتعنيف والتهديد، وكسر حدة النفس ونتوئها وإعراضها عن الحق، وإلزامها كلمة التقوى والمتابعة، فكان الترهيب والتخويف مناسبًا لذلك.

ومن صوره: الترهيب من ترك جنس الطاعات، وعدم القيام بأركان الإسلام والإيمان والإحسان، أو التهاون في بقية أنواع الطاعات الأخرى، والحقوق والواجبات المترتبة على المسلم، فناسب تنبيهه إلي ما ينبغي عليه العمل به والتحلي بموجبه 94.

لذلك ينبغي للداعية عندما يلجأ إلى الترهيب في الدعوة إلى الله، أن يوازن بين ما يحصل من مفاسد، وما يترتب على ترهيبه من مصالح، إذ لابد أن تكون المصلحة الترهيبية راجحة على المفسدة؛ لأن هذا هو الذي يحبه الله ويرضاه، وبهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب، لذا إن تأكد الداعية حدوث مفسدة أعظم من التي أراد إزالتها بسبب ترهيبه فليس له أن يرهّب، وكذلك لابد للداعية أن يكون حريصًا على إيصال الحق إلى الخلق، فهو مطالب باستخدام هذه الوسيلة، فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذهب إلى عكاظ وذي المجاز وغيرهما وغشى أندية قريش واجتماعاتهم، ولكن لابد للداعية أن يكون متسلحًا بالعلم وقوة الإيمان والأسلوب الأمثل للمدعوين زمانًا ومكانًا وتأهيلًا 95.

وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

فلابد للداعية المسلم أن يكون حريصًا على دعوة أخيه إلى الخير، وينهاه عن المنكر في دنياه؛ لأن هناك الكثير من الناس يتعلق بهذه الدنيا الزائلة، ويجعلها همه وغايته، ولما كان الإنسان يعيش في الدنيا ويتعرض لإغراءاتها مما قد يجرّه إلى الركون إليها، والتعلق بها، ونسيان الآخرة، فلابد إذن من تنفير المدعوين من إيثارها على الآخرة، لا من الفرار منها جملة واحدة، مع بيان حقيقتها وقيمتها وقدرها بالنسبة إلى الآخرة ونعيمها.

وقد بيّن ذلك كله القرآن الكريم خير بيان، مما يجعل أيّ مسلم عاقل يؤثر الآخرة على الدنيا، بل ويجعل المدعو غير المسلم منجذبًا إلى هذه الحقائق في موازنة الدنيا مع الآخرة، وقد يجرّه ذلك إلى الإيمان لما يحسه من صدق هذا البيان والتصوير لقيمة الدنيا الفانية، ومن الآيات القرآنية الدالة على ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] .

وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20] .

يقول السعدي في تفسيره: «يخبر تعالى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو القلوب، والغفلة عن ذكر الله، وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، بخلاف أهل اليقظة وعمّال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقرّبهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي» 96.

وهكذا تظهر لنا فوائد الترهيب في الدعوة إلى الله؛ لأن هناك بعض المدعوين لا ينفع معهم الترغيب، فهو بحاجة لأسلوب رادع وزاجر كأسلوب الترهيب في القرآن.

موضوعات ذات صلة:

التربية، الترغيب، الدعوة، النصيحة

1 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 1/ 437، القاموس المحيط، الفيروز آبادي، 1/ 118، مختار الصحاح، الرازي، 1/ 267، المصباح المنير، الفيومي 1/ 241، التعاريف، المناوي، 1/ 375.

2 انظر: المفردات، ص 367

3 أصول التربية الإسلامية وأساليبها، ص 257.

4 الترغيب والترهيب ودورهما في استقامة الإنسان، أحمد رزق ص 4.

5 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص 325.

6 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني 1/ 366.

7 انظر: النكت والعيون، الماوردي 3/ 468.

8 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 98.

9 انظر: لسان العرب، ابن منظور،9/ 99.

10 انظر: المفردات، الأصفهاني، ص 303.

11 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 325.

12 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 2/ 976.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت