فهرس الكتاب

الصفحة 958 من 2431

ولا شك أن وضوح الغاية سبب في وضوح الطريق ودفعةٌ لسلوكه وصولًا لتلك الغاية.

قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] .

إن تلك الغاية الأسمى للحضارة الإنسانية في الإسلام تجعل للحضارة سماتها التي تتميز بها عن غيرها من الحضارات، وإن اشتركت معها في مظاهر كثيرة، لكنها تتميز حين يتعلق الأمر بالعقيدة الإسلامية، والشريعة الربانية، والغاية الكبرى للحضارة، فالإسلام أباح الفنون الجميلة، وحثّ عليها لا لذاتها كما في غالب النظم الأخرى، ولكن لكونها رسالة سامية ترقى بمشاعر الإنسان وتهذب سلوكه مع ما فيها من مسرّة للناظرين، وبهجة للقلوب، ومتعة حلال طيبة، بينما غالبية النظم الأخرى تجعل الفن للفن والأدب للأدب كما يردّدون، ويروّجون، ومن ثمّ فلا رباط للفنون والآداب ولا ضوابط لها، حتى لو انحرفت عن مسارها الإنساني الراقي إلى مسار بهيميٍّ، فانحدرت وتردّت إلى العري والمجون والتبذل والخلاعة، تثير الغرائز، وتؤجّج الشهوات، وتلهب العواطف، وتعصف بالقيم، وتنحدر بالأخلاق، وتفسد الذوق، وتهبط بالروح كما هو الحال في الحضارة الغربية، وكما يروج وكلاؤها ودعاتها المنبهرون بها في بلاد العالم الإسلامي.

رابعًا: المنهج:

إذا اتضحت لنا الغاية من وجود الإنسان، فقد اتضحت لنا ملامح المنهج الرباني الذي يقيم تلك الغاية ويحققها في الواقع، هذا المنهج لا بد وأن يكون قدسيًّا علويًّا حتى يذعن له الإنسان ويقبل عليه، وأن يكون واقعيًّا حقيقيًّا حتى يكون صالحًا للتطبيق في دنيا الناس، لا يجافي الفطرة ولا يصادم العقل، ولا ينازع الوجدان، بل يكون جديرًا للرقي والتقدّم، والسعادة والرفاهية للإنسانية.

لا بدّ لأيّ بناء من مخطّطٍ يقام على أساسه، فالبساتين المورقة، والحدائق المونقة، والبنايات الشّاهقة، والقصور المتألّقة إنّما شيّدت على أسسٍ متينة وأساليب رصينة، والحضارة الإسلاميّة العالميّة تقوم على منهج قويم يرسم خطاها وينير دروبها ويضيء معالمها، ولا بدّ لهذا المنهج أن يتميّز بمزايا عديدة منها الشمول، والثّبات، والصّلاحية لكلّ زمانٍ ومكانٍ، والتّوازن، والوفاء بحاجات البشر، والعمق، والواقعيّة، والقداسة، ولا يمكن للعقول البشريّة مع ما اتّسمت به من القدرة على التّفكير والإبداع، والملاحظة والاستنباط، والتّجديد والابتكار أن تتفتّق عن مثل هذا المنهج الذي تسلم له العقول، وتطمئن به القلوب، وترضى به النّفوس، ويلاءم الفطرة، ويناسب طبيعة الإنسان، ويراعي طاقاته وملكاته، ويحقق المصلحة للجميع.

فالعقول قاصرة لها حدودها، التي لا تتعدّاها، كما أنّها متباينة تباين الثّقافات والبيئات والمشارب والأهواء، متباينة في اجتهاداتها، وتصوّراتها ونظراتها للمصالح وتقييمها للأمور، ومن ثمّ فما تتفتق عنه العقول من مناهج لا يمكن أن تبلغ حدّ الكمال والشمول، ولا يمكن إلا أن تكون متباينةً، لا تجتمع عليها الإنسانية.

ومن ثمّ فلا سبيل للبشريّة كي تنهض وترقى إلى ذرى العلا وقمم المجد إلّا بمنهجٍ ربّانيٍّ.

والقرآن الكريم لا يحتوي على المنهج فحسب بل يربي عليه ويرسّخه في الوجدان ويغرسه في النّفوس التي تزكو لتنشط وتجدّ في حمل هذا المنهج، ويحبّبه إلى القلوب التي تتهيأ وترتقي للتمثّل بهذا المنهج، فالقرآن ليس دستورًا يحكم النّاس وينظّم حياتهم وعلاقاتهم بل زادٌ روحيٌّ، وغذاءٌ ربّانيٌّ، وقبسٌ نورانيٌّ، ودواءٌ ناجحٌ لكلّ الأدواء تزكو به النّفوس، وتطمئن القلوب، وتسمو الأرواح، وتنشرح الصّدور، وتجلو الأفهام، وتتوقّد القرائح، يقدح زناد الفكر، ويوقظ الهمم، ويثير العقول، ويرقّق المشاعر، ويليّن القلوب.

قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164] .

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2] .

فمن نعم الله على العباد أن أرسل فيهم رسولًا يبيّن لهم المنهج ويؤصّله، ويقيّمه، وينافح عنه، ويدعو إليه ويتمثّله، ويقيمه مسلكًا وأسلوبًا في الحياة، ويفنّد ما يثار حوله من غبار الشّبهات.

فهذا المنهج يثمر التّزكية والتّعليم، التّزكية للنّفوس والأرواح: الطّهر، والنّقاء، والسّموّ، والارتقاء. والتّعليم للعقول: تنويرها، وتبصيرها، وشحذ طاقاتها، وصقل مواهبها، وتحريرها من قيود الجهل وأغلال التّقليد الأعمى وأسر الأساطير والأوهام، وإطلاق سراحها من حبس الشّهوات والأهواء؛ لتنطلق في ميادين العلوم والمعارف وتقدّم للإنسانيّة خلاصة فكرها، ومبلغ علمها، وعصارة بحثها.

أمّة أمّيّة لا تقرأ ولا تكتب، ولا تحفظ علمًا ولا معرفةً، يأتيهم النّبيّ الأمّي المرسل من عند الله عز وجل بكتابٍ فيه عزّهم ومجدهم، وفيه نجاتهم وعصمتهم، وفيه تهذيب سلوكهم وتقويم اعوجاجهم والارتقاء بهم، بعد أن كانوا في ظلامٍ دامسٍ وتخبّطٍ حائرٍ وجاهليّةٍ جهلاء، وكانت حياتهم قاحلةً مجدبةً كتلك البيئات المقفرة الموحشة التي يكابدون العيش فيها، الغنيّ يأكل عرق الفقير، والقويّ يسطو على الضّعيف، فجاء القرآن ليحيي موات القلوب، ويصلح فسادها، ويجلّي صدأها، ويوقد سراجها، جاء بمنهجٍ وطريقٍ وركائز لبناء أسمى الحضارات وأنقاها، تلك الحضارة الإسلامية الرائدة التي لم تقم على أنقاض حضارةٍ أخرى، ولم تكن وريثةً أو ربيبة لحضارةٍ أخرى، بل قامت على رمال الصّحراء الشّاسعة وأوقدت شعلتها من بين رمادها، وأشرقت شمسها بعد ظلام ليلٍ طويلٍ حالكٍ، لتنثر ضياءها في ربوع الكون، حيث تبدأ البشريّة عهدًا جديدًا في ظلال الإسلام، الذي تولّى قيادة موكب الإنسانيّة قرونًا عديدة.

لا بد لكل بناء من أسس ولا بد لكل أساس من عماد، والحضارة الإسلامية بناء مشيد على أسسٍ محكمة متينة، وأعمدة حصينة وسياج قويّ، فالإيمان والعمل الصالح، وتقوى الله تعالى والسعي لرضوانه، واغتنام الأوقات وتوظيف المال، مع التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب من أهم عناصر هذا البناء الحضاري، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تقرّر هذه الأصول، ويكفي أن نتأمل في سورة العصر كيف جمعت هذه الأصول: الوقت، والإنسان، والغاية، والإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وما يقتضيه ذلك من واجبات، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله: «لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم» 23.

قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .

ولقد بصّرتنا هذه السورة بأساس الحضارة ونبراسها: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والصبر، سعيًا في إصلاح النفس وإصلاح الغير، وطلبًا لإكمال النفس وتكميل الغير.

وفي هذا الفصل نتحدث عن عناصر هذا البناء في ضوء آيات القرآن مع إبراز دورها في قيام الحضارة ونهوضها وحمايتها.

أولًا: الإيمان و العمل الصالح:

الإيمان غراس الحضارة ونبتتها وأصولها، الإيمان شجرة طيبة باسقة، مزهرة مونقة، مثمرة مغدقة، الإيمان روح الحضارة وركيزة الانطلاق إلى التقدم والرّقي، الإيمان إكسير الحياة، وزاد الإنسان، وشعلة الكون، ونفحة الوجود.

قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .

والإيمان هو التصديق بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربه، وهو شامل للإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، حلوه ومرّه إيمانًا صادقًا واعتقادًا صحيحًا ويقينًا ثابتًا وعملًا صالحًا.

والإيمان هو الزاد والمنطلق، وهو مقياس أي تقدّم ونبراس التحضّر، وهو حصن الأمم وملاذها في السراء والضراء، ليست العبرة بكثرة المخترعات، ولا بوفرة الإنتاج، ولا بالتقدم التقني، فهذه كلها مظاهر مادية لا تكفل للحضارة بقاءها وازدهارها، بل العبرة بالزاد الإيماني الذي يقيم الحضارة، ويحفظها، ويوجهها ويرشّدها، ويعدّ روّادها وصفوتها.

والإيمان نبراس مبين يضيء لصاحبه شتى دروب الحياة.

قال تعالى في سورة الأنعام: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] .

قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا، أي: في الضلالة هالكًا حائرًا، فأحياه الله، أي: أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله» 24.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] .

فبالإيمان حياة القلوب، ونور البصائر، وجلاء الأفهام، وبه تسمو الأرواح وتتآلف، وتتفتق الأذهان وتتوقد القرائح، وتنشط الجوارح، وتعلو الهمم وتنهض الأمم، فكلما ضعفت إرادة العبد، ووهنت قواه وكلّ جهده في السعي إلى المعالي، أمدّه هذا الإيمان الصادق بالزاد الروحيّ وأذكى في فؤاده روح المثابرة وأشعل في قلبه وقود الانطلاق، وكلما أحاطت به المخاوف كان هذا الإيمان ملاذًا آمنا، وحصنًا حصينًا، يفيء إليه المؤمن، فيطمئن قلبه، وتسكن نفسه، والإيمان سرّ التفوق وإكسير النجاح، بالإيمان يرقى وينهض، فهو زاد القلوب، وضياء العقول، ونور البصائر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية واصفًا أهل الإيمان: «ينالون في المدة اليسيرة من حقائق العلوم والأعمال أضعاف ما يناله غيرهم في القرون والأجيال» 25.

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها

تُنال إلَّا على جسرٍ من التعب 26

وهو السبيل إلى الحياة الآمنة المطمئنة، الراضية المرضية، الطيبة الكريمة، قال تعالى في سورة النحل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .

قال ابن القيم رحمه الله: «فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة والحسنى يوم القيامة، فلهم أطيب الحياتين وهم أحياء في الدارين» 27.

وقال تعالى في سورة الأنعام: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، فالإيمان مصدر الأمن والأمان، والسكينة والأنس والطمأنينة، وراحة البال وسلام الروح.

وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} أي: أفضل الخليقة؛ لأنهم بمعرفتهم الحق واتباعهم له، قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم الله بها، وبالعمل الصالح وتحصيل الفضائل نالوا معالي الرّتب، وتزيّنوا بالفضيلة وتمسّكوا بالقيم التي جعلها الله قوام الوجود الإنسانيّ، فضربوا أروع أمثلة للإنسانية.

فالإيمان هو منهج الحياة وعمل الصالحات؛ تشمل كل خير وبرٍّ وإحسان، وفق شريعة الله في الأرض، فمن كانوا كذلك فهم خير البرية.

ولا قيمة للحياة ولا وزن لها إن لم يحكمها الإيمان، فإذا ارتقت الأمم وتقدمت مادِّيًّا وتخلَّفت إيمانيًّا فإنها إلى الفناء تصير مهما طال بقاؤها.

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] .

وعمل الصالحات يكون بالامتثال لكل ما أمر الله به ودعا إليه، واجتناب كل ما نهى الله عنه وحذر منه.

ولقد ورد ذكر العمل الصالح في القرآن الكريم ما يقرب من (55) مرة، وقد جاء دائمًا مقترنًا بالإيمان، وهذا يدل على ارتباطهما الوثيق وتلازمهما المستمر، فلا إيمان بدون عمل صالح يعبر عنه ويبرهن عليه، ولا قيمة للعمل الصالح بدون إيمان يقوم عليه ويركن إليه، فالإيمان بدون عمل كالشجر بلا ظل ولا ثمر.

والعمل الصالح بدون إيمان كالجسد بلا روح، فلا إيمان بدون عمل ولا عمل بدون إيمان.

وميادين العمل الصالح واسعة ومنتشرة فتشمل كلّ عمل صالح مثمر يلتمس منه صاحبه رضا الله تعالى.

والإيمان والعمل الصالح هما السبيل إلى إصلاح النفس وكمالها وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية: 15] .

والإيمان والعمل الصالح هما السبيل إلى النصر والتمكين.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) } [النور:55] .

وقال عز وجل في سورة الأنبياء: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) } [الأنبياء: 105] .

فالعمل الصالح مع الإيمان الخالص: هما أساسا السعادة والفلاح، والرقي والتقدّم، والنهوض والتحضر. وميادين العمل الصالح واسعة ومتنوعة، وتشمل كل عمل مفيد مثمر يلتمس منه الإنسان ويتحرّى فيه رضا الله تعالى.

والحياة الطيبة التي ينشدها الناس لا سبيل لها إلا بالإيمان والعمل الصالح.

قال سبحانه وتعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97] .

فرسالة المؤمن هي رسالة الإصلاح والرعاية ورسالة الخير والعطاء؛ ذلك أن المؤمن كالنخلة لا يسقط ورقها، ولا ينقطع نفعها، فكل ما فيها نافعٌ مفيدٌ، فضلًا عن ثمرها الطيّب؛ وفي الصحيحين عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال: (قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم:(إنّ من الشّجر شجرةً لا يسقط ورقها، وإنّها مثل المسلم، فحدّثوني ما هي؟) فوقع النّاس في شجر البوادي، قال عبد اللّه: ووقع في نفسي أنّها النّخلة، فاستحييت، ثمّ قالوا: حدّثنا ما هي يا رسول اللّه؟ قال: فقال: (هي النّخلة) ، قال: فذكرت ذلك لعمر، قال: لأن تكون قلت هي النّخلة، أحبّ إليّ من كذا وكذا) 28.

فالمؤمن وحده هو الذي يعرف مهمتّه في الوجود، ويسعى إلى تحقيقها والقيام بها، يؤمن بأن وجوده لغاية سامية هي عبادة الله تعالى، ويستعين بإيمانه ويقينه على العمل الصالح الذي ينهض بمجتمعه وأمته وجميع بني جنسه.

فالإيمان هو الأساس الذي يقوم عليه صرح الصلاح والرّشد والتقوى في نظر القرآن، إن المؤمن تنمو وتتزكى أعماله في نظر القرآن، كما يخضر وينضر ويورق ويثمر ما يغرسه البستاني من أشجاره في أخصب أرض وأجود هواء.

والعمل الصالح هو الغراس الطيبة للحضارة الإسلامية، والثمرة المباركة للإيمان، هو جزء لا ينفك عنه وثمرة تتفتق منه، وكثيرًا ما يقترن العمل الصالح بالإيمان في القرآن؛ لبيان أنهما صنوان متلازمان، فالإيمان هو الشجرة، والعمل هو الثمرة، الإيمان غراس والعمل الصالح جنى وحصاد، والعمل الصالح كل عمل يعود بالخير على الفرد والمجتمع سواء كان في محراب العبادة أو في ميادين السعي والطلب، ويأتي الصلاح دائمًا صفة ملازمة للعمل، وتابعًا لا ينفك عنه؛ لأن العمل ليس على إطلاقه، وإنما هو مقترن بالصلاح، وميزان الصلاح هو الكتاب والسنة، وثمراته العاجلة والآجلة لا تحصى.

إن العامل لا يرجو الأجر الدنيوي وحده على ما قدم، بل تتوق نفسه إلى ما عند الله تعالى الذي لا يضيع عنده عمل عامل، فالمؤمن يغرس ويصنع ويبني ويرفع ويتقن العمل؛ طمعًا في الجزاء الأوفى، يراقب الله تعالى في عمله، مما يدفعه إلى الدقة والإتقان والتفنن والإحسان فينهض المجتمع وترقى الصناعات وتتقدم المجتمعات.

قال تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) } [التوبة: 120] فنصرة الأنبياء والصدق معهم وإيثارهم على النفس وتحمّل المشاقّ، وتجشّم الصّعاب في سبيل الله؛ نصرةً لدينه وذودًا عن حياضه، ونشرًا لدعوته، وقهرًا لأعدائه ونيلًا منهم كل هذا يعدّ من أجلّ الأعمال الصالحات التي تسطّر في الصحائف ويجازى عليها العبد أحسن جزاء.

فمقاومة الأعداء بالبطون الخاوية والأكباد الظمأى والأبدان المتعبة والأقدام الراسخة المغبرة من أفضل الأعمال الصالحة؛ لما فيها من مقاومة الشرّ ومحاصرة الفساد واقتلاع جذوره، وغرس الصالحات هي رأس العمل الصالح وعماده وذروة سنامه. وإنّ هذا البعث الذي أقام العرب من أنقاض الجاهليّة، وأشعل نبراس حضارتهم ووحّد صفوفهم ورايتهم وسما بنفوسهم إلى علياء الفضيلة وحلّق بأرواحهم في آفاق الأمجاد وأذكى فيهم روح التّنافس وعلوّ الهمّة ما هو إلا الإيمان الذي أحيا الله به قلوبًا، وشرح به صدورًا، وأنار دروبًا إلى التّقدّم والرّقيّ.

قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] .

وقال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22] .

وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .

ثانيًا: العلم النافع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت