والآيات الكونية في القرآن الكريم كثيرة، وإنَّ المتأمل في مخلوقات الله يجد أنها تدلُّ على الخالق جل وعلا، وأن هذه الآيات تقود أصحاب العقول السليمة إلى توحيد الله تبارك وتعالى.
إن العبد إذا آمن بالقرآن الكريم، وأخذ حظوظه منه، واهتدى به مجملًا، وقبل أوامره، واجتنب نواهيه، وصدق بأخباره كان ذلك سببًا لحصول هداية أخرى له على التفصيل؛ لأن الهداية لا نهاية لها، فإذا زاد الإيمان، وزادت التقوى عند العبد زادت الهداية.
قال ابن القيم: «إن العبد إذا آمن بالكتاب واهتدى به مجملًا، وقبل أوامره، وصدق بأخباره كان ذلك سببًا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل فإن الهداية لا نهاية لها، ولو بلغ العبد فيها ما بلغ، ففوق هدايته هداية أخرى، وفوق تلك الهداية هداية أخرى إلى غير غاية، فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى، فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى، وكلما فوَّت حظًّا من التقوى فاته حظٌّ من الهداية بحسبه، فكلما اتقى زاد هداه، وكلما اهتدى زادت تقواه.
قال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 16] .
وقال تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13] .
وقال: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} [الأعلى: 10] .
وقال: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13] .
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] .
ونظير ذلك قوله: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] » 123.
يتبين من كلام ابن القيم أن الهداية تزيد بالرجوع إلى القرآن الكريم، والتقوى، والتوبة، والذكرى، والأعمال الصالحة، وفي المقابل فإنها تنقص مع نقص الإيمان والتقوى.
ومعنى قوله تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] .
أي: إيمانًا، وإيقانًا على يقينهم 124.
وقال السعدي في تفسير هذه الآية: «لما ذكر أنه يمد للظالمين في ضلالهم، ذكر أنه يزيد المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته، والهدى يشمل العلم النافع، والعمل الصالح، فكل من سلك طريقًا في العلم، والإيمان، والعمل الصالح زاده الله منه، وسهله عليه، ويسره له، ووهب له أمورًا أخر لا تدخل تحت كسبه، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه، كما قاله السلف الصالح، ويدل عليه قوله تعالى: {وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا} [المدثر: 31] .
وقوله: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2] .
ويدل عليه أيضًا الواقع، فإن الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور، أعظم تفاوت» 125.
والآيات السابقة تدل على أن الإيمان يزداد وينقص.
قال النووي: «مذهب جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص: قال: فإن قيل: الإيمان في اللغة: التصديق. فالجواب: أن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فما ازداد المؤمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان، وبنقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الايمان كمالًا، هذا توسط القول في الإيمان، وأما التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا ينقص» 126.
يتبين مما تقدم أن الإيمان حينما يزيد تزيد الهداية، وإذا نقص الإيمان نقصت الهداية، وهذا ما أخبرنا عنه القرآن أيضًا في قصة أصحاب الكهف.
قال تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف: 13] .
قال ابن جرير الطبري في معنى هذه الآية: «نحن يا محمد نقص عليك خبر هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بالحق، يعني: بالصدق، واليقين الذي لا شك فيه {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} ، يقول: إن الفتية الذين أووا إلى الكهف الذين سألك عن نبئهم الملأ من مشركي قومك، فتية آمنوا بربهم، {وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} ، يقول: وزدناهم إلى إيمانهم بربهم إيمانًا، وبصيرة بدينهم، حتى صبروا على هجران دار قومهم، والهرب من بين أظهرهم بدينهم إلى الله، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش ولينه، إلى خشونة المكث في كهف الجبل» 127.
ويتبين من ذلك أن أصحب الكهف عندهم قيم صحيحة، ولديهم الصدق واليقين، وزيادة الإيمان، والصبر مما جعلهم يفرون بدينهم خوفًا من الطاغية صاحب القيم الزائفة، من أجل ذلك زادهم الله هدى بالتوفيق، والثبات والصبر.
وحول هذا المعنى، قال الزمخشري: «زادهم الله هدى بالتوفيق والتثبيت والربط على قلوبهم وتقويتها بالصبر على هجر الأوطان والنعيم، والفرار بالدين إلى بعض الغيران، وتجسيرهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام، إذ قاموا بين يدي الطاغية الجبار من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم: {فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} » 128.
وهذا يدل على إيمانهم بالله وحده فزادهم الله من الهدى، قال السعدي: «هؤلاء الفتية آمنوا بالله وحده لا شريك له من دون قومهم، فشكر الله لهم إيمانهم، فزادهم هدى، أي: بسبب أصل اهتدائهم إلى الإيمان، زادهم الله من الهدى، الذي هو العلم النافع، والعمل الصالح، كما قال تعالى: {وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم: 76] 129.
وجاء ما يوافق هذا المعنى كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] .
أي: من أجل الإيمان زادهم الله هدى، وقيل: زادهم النبي صلى الله عليه وسلم هدى، وقيل: زادهم ما يسمعونه من القرآن هدى، أي: يزيد يقينهم، وقيل: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى، وقيل: زادهم نزول الناسخ هدى، وفي الهدى الذي زادهم أربعة أقاويل: أحدها: زادهم علمًا، والثاني: أنهم علموا ما سمعوا، وعملوا بما علموا، والثالث: زادهم بصيرة في دينهم وتصديقًا لنبيهم صلى الله عليه وسلم، والرابع: شرح صدورهم بما هم عليه من الإيمان 130.
وعلى كل تقدير فالمراد أنه سبحانه وتعالى زادهم إيمانًا، وعلمًا، وبصيرة في الدين، وهذه الأشياء كلها فيها الهداية، وزيادتها 131.
وحول هذا المعنى، قال ابن كثير: «إن الذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها» 132.
وقد يكون معنى زيادة الهداية: بزيادة التفهيم والأدلة، أو بورود الشرائع، والنواهي، والأخبار.
قال ابن عطية: «قوله تعالى: {زَادَهُمْ هُدًى} يحتمل أن يكون الفاعل في {زَادَهُمْ} : الله تعالى، والزيادة في هذا المعنى تكون إما بزيادة التفهيم والأدلة، وإما بورود الشرائع، والنواهي، والأخبار؛ فيزيد الاهتداء؛ لتزيد علم ذلك كله، والإيمان به، وذلك بفضل الله تعالى، ويحتمل أن يكون الفاعل في: {زَادَهُمْ} قول المنافقين واضطرابهم؛ لأن ذلك مما يتعجب المؤمن منه، ويحمد الله على إيمانه، ويزيد بصيرة في دينه، فكأنه قال: المهتدون والمؤمنون زادهم فعل هؤلاء المنافقين هدى، أي: كانت الزيادة بسببه، فأسند الفعل إليه، وقالت فرقة: إن هذه الآية نزلت في قوم من النصارى، آمنوا بمحمد، فالفاعل في: {زَادَهُمْ} محمد عليه السلام كان سبب الزيادة فأسند الفعل إليه، وقوله على هذا القول: {اهْتَدَوْا} يريد في إيمانهم بعيسى عليه السلام، ثم زادهم محمد هدىً حين آمنوا به، والفاعل في {وَآتَاهُمْ} يتصرف بحسب التأويلات المذكورة، وأقواها أن الفاعل الله تعالى، {وَآتَاهُمْ} ، معناه: أعطاهم، أي: جعلهم متقين له» 133.
والراجح أن الفاعل في: {زَادَهُمْ} الله سبحانه وتعالى؛ لأن الهداية المذكورة هداية التوفيق التي نفاها الله عز وجل عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يمتلك هداية التوفيق، وغيره لا يمتلكها من باب أولى.
والملاحظ مما سبق أن الهداية تزيد بزيادة الإيمان، والأعمال الصالحة، والثبات على الدين، وتجنب الفتن.
إن للهداية أسبابًا، والسعيد من التزمها، وثبت عليها، وعمل على زيادتها، والخاسر من حرم منها، فمن الناس من يطرق بابها ولكنه لا يوفق إليها؛ وذلك لوجود موانع تمنعه من تحصيلها.
فمن أسباب الحرمان من الهداية:
أولًا: الكفر:
لقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على أن الله عز وجل يحرم الكافرين، ويمنعهم من التوفيق للهداية.
قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37] .
قال الشوكاني في معنى الآية: «إن المصرين على كفرهم المستمرين عليه لا يهديهم الله عز وجل إلى هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد إليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده» 134.
والمعنى: إن الذين انصبغ الكفر والتكذيب في قلوبهم، وأصبحت قاسية، ومطبوع عليها يحرمون الهداية حتى لو جاءتهم كل آية، لم يهتدوا.
وقال تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86] .
قال السعدي في معنى الآية: «هذا من باب الاستبعاد، أي: من الأمر البعيد أن يهدي الله قومًا اختاروا الكفر والضلال بعدما آمنوا، وشهدوا أن الرسول حق بما جاءهم به من الآيات البينات والبراهين القاطعات» 135.
فالذي يكفر الكفر الأكبر المخرج من الملة، ويصر عليه يحرم الهداية، ولكن لا يستهان بالكفر الأصغر؛ فقد يَجُرُّ صاحبه إلى الكفر الأكبر، والسلامة لا يعدلها شيء.
ثانيًا: الظلم:
إن الظلم مانع من موانع الهداية، وسبب من أسبابها، والظلم الذي يحرم صاحبه الهداية هو الظلم الأكبر المخرج من الملة.
ودليل ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .
فهذه الآية تدل دلالة واضحة على تحريم موالاة اليهود والنصارى، ولفظ الظالمين يشمل كلَّ ظالم، والله تعالى لا يهدي الظالمين، والهداية المنفية في هذه الآية هي هداية التوفيق؛ فيحرم منها كل من والى اليهود والنصارى؛ لأنهم أعداء الله، ورسوله، والمؤمنين.
والمعنى: إن في الآية تعليل لكون الذين يتولون اليهود والنصارى لا يهديهم إلى الإيمان بل يخليهم وشأنهم؛ فيقعون في الكفر والضلالة، وإنما وضع المظهر موضع ضميرهم تنبيهًا على أن توليهم ظلم لما أنه تعريض لأنفسهم للعذاب الخالد، ووضع للشيء في غير موضعه، وهذا سبب حرمانهم الهداية 136.
والذي يظلم نفسه ظلم الاعتقاد المخرج من الملة، ويوالي أعداء الله عز وجل يكون قد ارتكب محرمًا؛ فيحرم الهداية من الله تعالى، وقد فسر القرآن الكريم الظلم بالشرك.
قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
وهذا يعني أن الشرك سبب من أسباب الحرمان من الهداية.
ثالثًا: الفسق:
الخروج عن طاعة الله تبارك وتعالى يؤدي إلى زيغ القلوب، وحرمان الهداية.
قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] .
أي: الذين لم يزل الفسق وصفًا لهم، ليس لهم قصد في الهدى، وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله لعباده، ليس ظلمًا منه، ولا حجة لهم عليه، وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا على أنفسهم باب الهدى بعدما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال، والزيغ الذي لا حيلة لهم في دفعه، وتقليب القلوب عقوبة لهم وعدلًا منه بهم؛ فهؤلاء يحرمون الهداية 137.
والمعنى: إن بني إسرائيل لم يتبعوا نبيهم موسى عليه السلام، وتركوا الحق الذي جاءهم به، وآذوه، عند ذلك أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الحيرة والشك، وصرفها عن الحق، وكان ذلك سببًا في حرمانهم من الهداية، وكل من فعل فعلهم يحرمها؛ لأن الله تعالى لا يوفق للحق، ولا يرشد للهداية القوم الفاسقين الفسق الأكبر المخرج من ملة الإسلام.
والنفاق من الفسق، ويدل على ذلك قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المنافقون: 6] .
فالآية تدل على أن النفاق فسق؛ فيكون النفاق مانعًا من موانع الهداية، وسببًا من أسبابها.
رابعًا: الكذب:
إن الله عز وجل لا يرشد، ولا يوفق للهداية كل من افترى عليه الكذب، وقال حسب زعمه: إن لله ولدًا، وإن الآلهة تشفع له، وتقربه إلى الله.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ} [الزمر: 3] .
والمعنى: إن الله لا يوفق للدين الذي ارتضاه، وهو دين الإسلام، ولا يعطي هداية التوفيق من كذب على الله، وافترى عليه، وقلبه كافر بآياته، وحججه وبراهينه 138، وليس ذلك فحسب بل إنه يمنع من هدايته.
وجاء هذا المعنى في آيات أخرى من القرآن الكريم، منها: قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144] .
وقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .
خامسًا: الكبر:
إن المتكبر عرضة للطبع على قلبه؛ فيكون من المسرفين.
قال تعالى: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] .
فالآية تدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله؛ لأنه كان في نفسه متكبرًا جبارًا، والمعنى أن الله تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب؛ فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعون إلى الطاعة والانقياد لأمر الله 139.
ومعنى ذلك أن الله تعالى يطبع على قلوب المسرفين والمتكبرين الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم، فيحرمون الهداية؛ لأن القلب المطبوع عليه لا يستقبل هدى بسبب الكبر.
سادسًا: الخيانة:
الخيانة خصلة ذميمة تحرم صاحبها الهداية، ودليل ذلك ما ورد في سورة يوسف، في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] .
قال الألوسي في معنى الآية: «أي: لا ينفذه ولا يسدده بل يبطله ويزهقه؛ فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه، ويجوز أن يكون المراد لا يهدي الخائنين بسبب كيدهم؛ فأوقع الهداية المنفية على الكيد، وهي واقعة عليهم تجوزًا للمبالغة؛ لأنه إذا لم يهد السبب علم منه عدم هداية مسببه بالطريق الأولى» 140.
والآية تدل على أن الله تعالى نفى عن الخائنين الهداية؛ حيث إنهم يحرمون منها بسبب الكيد.
سابعًا: الضلال:
الضلال نقيض الهداية، ولا يمكن للضال أن يجمع بين الهداية والضلالة في آنٍ واحدٍ، فالجمع بين النقيضين مستحيل، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة، ومنها: قوله تعالى: {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 36] .
قال الشوكاني في تفسير هذه الآية: «أي: من حَقَّ عليه القضاء بضلالة فما له من هاد يهديه إلى الرشد، ويخرجه من الضلالة» 141.
قال السعدي: « {فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} ؛ لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه، والتوفيق للإقبال على كتابه، فإذا لم يحصل هذا، فلا سبيل إلى الهدى، وما هو إلا الضلال المبين والشقاء» 142.
ويتضح من الآية أنَ الضالَّ لا يوفق إلى المطلوب، ويكون محرومًا من الهداية، وليس له سبيل إلى الهدى.
ثامنًا: اتباع خطوات الشيطان:
إن الشيطان يزين للإنسان عمله حتى يرى السيِّئ حسنًا، وليس ذلك فحسب بل إنه يصده عن سبيل الهداية.
قال تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24] .
والمعنى: أن الهدهد وجد ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله، والسبب في ذلك أنَّ الشيطان زين لهم سوء أعمالهم؛ {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} ، أي: وجد هذه الملكة، وقومها يعبدون الشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان قبيح أعمالهم، فصاروا يرون السيِّئ حسنًا، ومنعهم الشيطان عن طريق الحقِّ، وعبادة الله الواحد الأحد، فأصبحوا لا يهتدون؛ وهذا يعني أنهم حرموا الهداية 143.
ويتبين من ذلك أنَّ الشيطان يغوي الإنسان، ويزين له سوء عمله، ويضله، حتى يحرمه الهداية، وخطوات الشيطان عامة في منع الهداية.
قال تعالى: {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] .
إن للهداية أثرًا عظيمًا لمن التزمها؛ فالمهتدي يجد صلاح البال، والسعادة، والأمن في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه: 123] .
والمعنى: إنَّ الله سبحانه وتعالى أرسل إلى بني آدم رسلًا يبينون لهم الطريق المستقيم الموصلة إليه، وإلى جنته، ويحذرونهم من هذا العدوِّ المبين، وأنهم، أي: وقت جاءهم ذلك الهدى الذي هو الكتب والرسل، فإن من اتبعه اتبع ما أمر به، واجتنب ما نهي عنه، فإنه لا يضل في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا يشقى فيهما، بل قد هدي إلى صراط مستقيم، في الدنيا والآخرة، وله السعادة، والأمن في الآخرة 144.
والله سبحانه وتعالى نفى الخوف والحزن عمن اتبع الهدى، فقال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] .
قال السعدي: «نفى الله الخوف والحزن عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا، حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفى الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه حصل له الأمن والسعادة الدنيوية، والأخروية، والهدى» 145.
والآية تدلُّ دلالة واضحة أنَّ الله تعالى نفى عن المهتدي الخوف والحزن، وأثبت له الأمن والهدى، والسعادة في الدنيا والآخرة.
والله تعالى يجعل من المهتدين أئمة من أجل هداية غيره، قال عز وجل: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .
أي: إنَّ الله تعالى جعل منهم أئمة يقتدى بهم، علماء بالشرع، وطرق الهداية، مهتدين في أنفسهم، ويهدون غيرهم بذلك الهدى، فالكتاب الذي أنزل إليهم هدى، والمؤمنون به منهم على قسمين: أئمة يهدون بأمر الله، وهم على الهدى، وأتباع مهتدون بهم 146.
والله عز وجل جعل نصرته للمهتدين في قوله تعالى: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 2 - 3] .
والآية تعني أن النصر على الأعداء يكون لمن هداهم الله، وقال ابن عطية: «النصر العزيز: هو الذي معه غلبة العدو، والظهور عليه» 147.