فهرس الكتاب

الصفحة 1588 من 2431

«وعن سفيان أن الشورى نصف العقل. قال: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشاور حتى المرأة» 108.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ما رأيت من الناس أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم 109.

قال البخاري: «المشاورة قبل العزم والتبين؛ لقوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] .

فإذا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن لبشرٍ التقدم على الله ورسوله، وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال: «لا ينبغي لنبيٍ يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله» 110.

قال ابن عطية: «والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه. وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالمًا دينًا، وقل ما يكون ذلك إلا في عاقل، فقد قال الحسن بن أبي الحسن: ما كمل دين امرئ لم يكمل عقله، وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا وادًّا في المستشير، والشورى بركة، وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة -وهي أعظم النوازل- شورى، وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم، وكان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، وقد قال في غزوة بدر: أشيروا علي أيها الناس، في اليوم الذي تكلم فيه المقداد، ثم سعد بن عبادة. ومشاورته صلى الله عليه وسلم إنما هي في أمور الحروب والبعوث ونحوه من أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو حدٍ فتلك قوانين شرع» 111.

وقال: «والشورى مبينة على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه، عزم عليه وأنفذه متوكلا على الله، إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه» 112.

قال الراغب: «المشاورة حصن من الندامة وأمنٌ عن الملامة، وقيل: الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة، والرأي الواحد كالخيط السحيل، والرأيان كالخيطين والثلاثة إصرار لا ينقض» 113.

وقيل: شاور من جرب الأمور، فإنه يعطيك من رأيه ما قام عليه بالغلاء، وأنت تأخذه مجانًا 114.

وقال قتادة: «أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضًا، وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على أرشده» 115.

وعن الحسن قال: «قد علم الله عز وجل أنه ليس به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده» 116.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف مطالب وجوه ما حزبه من الأمور بوحي من الله أو إلهامه إياه صواب ذلك. وأما أمتهفإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك على تصادق وتوخٍ للحق وإرادة جميعهم للصواب، من غير ميل إلى هوى، ولا حيد عن هدى فالله مسددهم وموفقهم 117.

وفي المشاورة اجتماع العقول والأذهان، وإذا اجتمعت كانت إلى استدراك الحق والصواب أسرع وأبلغ مما لو انفرد كل عقل بنفسه 118.

وفي المشاورة أيضًا ترك الملامة؛ لأنه يقال: فعلت كذا بمشاورتكم، والمشاور إذا لم ينجح أمره، علم أن امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم نفسه 119.

ومنها أنه قد يعزم على أمر فيبين له الصواب في قول غيره، فيعلم عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح 120.

وفي المشاورة تطييب نفوس المشاورين، والرفع من مقدارهم بصفاء قلب المشاور لهم، حيث أهلهم للمشاورة. وفي المشاورة اختبار عقول المشاورين؛ فيظهر للمشاور مقدار فهومهم، وتنوع ملكاتهم؛ فينزلهم منازلهم 121.

ومدح الله عز وجل المؤمنين بقوله: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38] .

أي: لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وفي ذلك اجتماع الكلمة والتحاب واتصال الأيدي، والتعاضد على الخير، فالشورى ألفة للجماعة ومسبار للعقول وسببٌ إلى الصواب 122.

وعن عمر بن عبد العزيز قال: «إن المشورة والمناظرة بابا رحمةٍ ومفتاحا بركة، لا يضل معهما رأي، ولا يفقد معهما حزم» 123.

وقال الماوردي: «اعلم أن من الحزم لكل ذي لبٍ ألا يبرم أمرًا ولا يمضي عزمًا إلا بمشورة ذي الرأي الناصح، ومطالعة ذي العقل الراجح» 124.

وقيل لرجل من عبس: ما أكثر صوابكم! قال: نحن ألف رجل وفينا حازمٌ، ونحن نطيعه فكأنا ألف حازمٍ 125.

خامسًا: الأخذ بالأسباب:

من أسباب ضعف العزم ترك الأخذ بالأسباب، فيستصعب القاعد ما هو مقدمٌ عليه من مهمات الأمور، وكلما فوت فرصة المبادرة ثبطه سبق السابقين، واتساع البون بينه وبينهم، فلا يرى إلا في المتأخرين، فيعين على نفسه شيطانها. وقد نعى الله عز وجل على المنافقين ترك الأخذ بالأسباب فقال: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة: 46] .

وأخذهم العدة يكون بصدق العزم، ونشاط النفس، وبإعداد السلاح والزاد والراحلة للسفر، ونفقة الأهل في الحضر 126. فتركهم الاستعداد وأخذ العدة دليلٌ على إرادتهم التخلف 127.

ومن الأخذ بالأسباب الاستخارة والاستشارة، والمغلوب على الاستخارة والاستشارة أعجز عما سواهما من عظائم الاستعداد. ولعل ما كان يستصعبه مما هو مقدمٌ عليه صائرٌ إلى يسرٍ وسهولةٍ بمشورة بعض أهل الرأي والعقل والحزم. فترك ذلك مؤدٍ إلى ضعف العزم.

والأخذ بالأسباب يقطع على الشيطان فتح باب التحسر والندامة إن لم يقدر للمرء بلوغ ما عزم عليه، قال مسلمة بن عبد الملك: «ما أحمدت نفسي على ظفرٍ ابتدأته بعجزٍ، ولا لمتها على مكروهٍ ابتدأته بحزمٍ» وقال بعض الحكماء: «لا ينبغي لأحدٍ أن يدع الحزم لظفرٍ ناله عاجزٌ، ولا يرغب في التضييع لنكبةٍ حلت على حازمٍ» 128.

سادسًا: التوكل والتفويض:

يقول تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] .

أي: فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى فتوكل على الله في إمضاء أمرك على الأرشد لا على المشورة، ولا تظن أنك تنال منالًا تحبه إلا بتوفيق الله، إن الله يحب المتوكلين عليه. والتوكل: الاعتماد على الله والتفويض في الأمور إليه 129.

فالعبد يحتاج إلى الاستعانة بالله والتوكل عليه في تحصيل العزم، وفي العمل بمقتضى العزم بعد حصول العزم 130.

فالتوكل على الله أدعى إلى قوة العزيمة، فإن العبد إذا أيقن أن معه قاهر الكون رفعته تلك الفكرة، وجعلته أقوى الناس، وأقدرهم على صعاب الأمور، لا كما يظنه المنتكسون الجاهلون الكسالى اليائسون من روح الله، حيث جعلوا التوكل ذريعة إلى البطالة، فباؤوا بغضب على غضب 131.

فإذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فيجب ألا يقع الاعتماد عليه، بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته، والمقصود أن لا يكون للعبد اعتمادٌ على شيء إلا على الله في جميع الأمور، ودلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الإنسان نفسه كما يقوله بعض الجهال، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافيًا للأمر بالتوكل، بل التوكل هو أن يراعي الإنسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحق 132.

قال القرطبي: «قال المهلب: وامتثل هذا النبي صلى الله عليه وسلم من أمر ربه فقال: (لا ينبغي لنبي يلبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله) أي: ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف؛ لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة. فلبسه لأمته صلى الله عليه وسلم حين أشار عليه بالخروج يوم أحد من أكرمه الله بالشهادة فيه، وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر .... دالٌ على العزيمة» 133.

ومن أخطر أمراض القلوب التي تضاد التوكل، فتحول بين المرء وبين كل خيرٍ: سوء الظن بالله، واليأس من روح الله، ولذلك كان اليأس من روح الله كفرًا.

يقول تعالى على لسان نبيه يعقوب عليه السلام: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] .

ومن علامات سوء الظن بالله التطير والتشاؤم، وكان الرجل منهم في الجاهلية يكون في الشأن الخطير، والحدث الجلل، فيحدث له ما يتطير به، فينفرط عقد عزمه، وتفتر همته. ولذلك نهي المؤمنون عن الطيرة، بل بلغ التحذير منها أن عدها النبي صلى الله عليه وسلم شركًا 134، وهي سوء ظنٍ بالله، وفرارٌ من قضائه، وهي من الشرك؛ لأن العرب كانوا يعتقدون أن ما يتشاءمون به يؤثر في حصول المكروه، وملاحظة الأسباب في الجملة شركٌ خفيٌ، فكيف إذا انضم إليها جهالة فاحشة وسوء اعتقاد في الله؟! ومن اعتقد أن غير الله ينفع أو يضر استقلالًا فقد أشرك 135.

يقول ابن القيم: «وقد كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تستحب أن تتزوج المرأة أو يبنى بها في شوال وتقول: ما تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني؟! مع تطير الناس بالنكاح في شوال، وهذا فعل أولى العزم والقوة من المؤمنين الذين صح توكلهم على الله واطمأنت قلوبهم إلى ربهم ووثقوا به، وعلموا أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنهم لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم، وأنهم ما أصابهم من مصيبة إلا وهي في كتاب من قبل أن يخلقهم ويوجدهم، وعلموا أنه لا بد أن يصيروا إلى ما كتبه وقدره، ولابد أن يجري عليهم، وأن تطيرهم لا يرد قضاءه وقدره عنهم، بل قد يكون تطيرهم من أعظم الأسباب التي يجري عليهم بها القضاء والقدر؛ فيعينون على أنفسهم، وقد جرى لهم القضاء والقدر بأن نفوسهم هي سبب إصابة المكروه لهم، فطائرهم معهم.

وأما المتوكلون على الله المفوضون إليه العالمون به وبأمره فنفوسهم أشرف من ذلك، وهممهم أعلى، وثقتهم بالله وحسن ظنهم به عدةٌ لهم، وقوة وجنةٌ مما يتطير به المتطيرون ويتشاءم به المتشائمون، عالمون أنه لا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولا إله غيره، له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين» 136.

ومن أمثلة تأثر العزم بسوء الظن بالله: الإنفاق والصدقة في سبيل الله، فإن سوء الظن في حصول البركة والزيادة بالنفقة يورث خشية الفقر، وهو يورث التقتير والبخل والشح.

قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .

ولا جرم أن من استجاب لهذه الوساوس حصل له سوء الظن والتكذيب بوعد الله؛ فغل يديه إلى عنقه. وعدد ابن القيم فوائد الصدقة فذكر منها أنها توجب الثقة بالله، وحسن الظن به كما أن البخل سوء الظن بالله 137.

ومن التفويض والتوكل ألا يتحدث المرء أنه فاعلٌ ما هو عازمٌ عليه حتى يستثني ويعلق الأمر على مشيئة الله عز وجل.

قال تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24] .

وهذا إرشاد من الله عز وجل لرسوله الله صلى الله عليه وسلم إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى مشيئة الله عز وجل علام الغيوب، الذي يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون 138. وقال ابن العربي: «وهذا عزمٌ من الله لعبده على أن يدخل قولًا وعقدًا في مشيئة ربه، فما تشاؤون إلا أن يشاء الله، وقول ذلك أجدر في قضاء الأمر، ودرك الحاجة» 139.

سابعًا: المبادرة وترك التسويف:

أرشد الله عز وجل إلى المبادرة إلى العمل بما استبان فيه الرشد مما عزم عليه فقال: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] .

قال ابن عاشور: المراد: «التوكل حقيقته الاعتماد، وهو هنا مجاز في الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من الله، وهو شأن أهل الإيمان، فالتوكل انفعال قلبي عقلي يتوجه به الفاعل إلى الله راجيًا الإعانة ومستعيذًا من الخيبة والعوائق، وربما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك. وبذلك يظهر أن قوله: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} دليل على جواب (إذا) وفرع عنه.

والتقدير: فإذا عزمت فبادر ولا تتأخر وتوكل على الله؛ لأن للتأخر آفات، والتردد يضيع الأوقات، ولو كان التوكل هو جواب «إذا» لما كان للشورى فائدة؛ لأن الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه وأقربه، فإن القصد منها العمل بما يتضح منها، ولو كان المراد حصول التوكل من أول خطور الخاطر لما كان للأمر بالشورى من فائدة. وهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التوكل الذي حرف القاصرون ومن كان على شاكلتهم معناه، فأفسدوا هذا الدين من مبناه» 140.

وعن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: «وأنفع الحزم ما طرحت به التسويف للعمل عند إمكان الفرصة وانتهاز البغية في أيام المهلة، وعند غفلة أهل الغرة» 141.

وقال ابن القيم: «وأول مراتب تعظيم الأمر التصديق به، ثم العزم الجازم على امتثاله، ثم المسارعة إليه والمبادرة به رغم القواطع والموانع، ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه» 142.

والتسويف سمة بارد الحس عديم المبالاة، الذي كلما همت نفسه بخيرٍ وتشوفت إليه وعزمت عليه أعاقها بالتسويف حتى يفجأه الموت. ومن علامات التسويف كثرة الجدال في الأمر، وافتراض المسائل وتشقيقها؛ فرارًا من العمل.

يقول ابن رجب: «فأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة الأمر، وقد سأل رجلٌ ابن عمر عن استلام الحجر، فقال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله. فقال له الرجل: أرأيت إن غلبت عنه؟ أرأيت إن زوحمت؟ فقال له ابن عمر: «اجعل (أرأيت) باليمن، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله» ، ومراد ابن عمر أن لا يكون لك همٌ إلا في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا حاجة إلى فرض العجز عن ذلك أو تعسره قبل وقوعه، فإنه يفتر العزم على التصميم عن المتابعة» 143.

ومن الفوائد المستنبطة من حديث الثلاثة الذين خلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد: أن الرجل إذا سنحت له فرصة القربة والطاعة فالحزم كل الحزم في انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما ثبتت، والله سبحانه يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهزه، بأن يحول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعد من إرادته عقوبة له 144.

ثامنًا: التحرز من المعاصي:

من أسباب ضعف القلب كثرة المعاصي؛ يقول تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14] .

قال قتادة: «هو الذنب على الذنب، حتى يرين على القلب فيسود» 145.

وعن الحسن قال: الذنب على الذنب حتى يموت قلبه 146، وقال: غشيت على قلوبهم فهوت بها فلا يفزعون، ولا يتحاشون 147.

فهم قد غطى على قلوبهم الرين علاها كما يعلو الصدأ الحديد، فلا يبصرون رشدًا ولا يخلص إلى قلوبهم خيرٌ؛ بسبب إصرارهم على الكبائر وتسويف التوبة.

قال القشيري: «وإن قسوة القلب تحصل من اتباع الشهوة، والشهوة والصفوة لا تجتمعان فإذا حصلت الشهوة رحلت الصفوة. وموجب القسوة هو انحراف القلب عن مراقبة الرب. ويقال: موجب القسوة أوله خطرة، فإن لم تتدارك صارت فكرة، وإن لم تتدارك صارت عزيمة، فإن لم تتدارك جرت المخالفة، فإن لم تتدارك بالتلافى صارت قسوة، وبعدئذ تصير طبعًا ورينًا» 148.

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلبٍ أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه) 149.

قال القاضي عياض: «وقوله: «على قلبين أبيض مثل الصفا» ليس تشبيهه بالصفا لما تقدم من بياضه، لكن أخذ في وصف آخر من شدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء، بخلاف الآخر الذي شبهه بالكوز الخاوي الفارغ من الإيمان، كما قيل في قوله تعالى: {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} [إبراهيم: 43] قيل: لا تعي خيرًا» 150.

فكثرة المعاصي من أسباب فتور الهمة وقصور العزم عن الخير.

تاسعًا: مجاهدة الشيطان:

قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [اليقرة: 268] .

أي: يخوفكم به ويوسوس إليكم، فلا تخرجون الزكاة 151.

وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للشيطان لمةً، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعادٌ بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان) ، ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} » 152.

قال ابن رجب: «من صدق العزيمة يئس منه الشيطان، ومتى كان العبد مترددًا طمع فيه الشيطان وسوفه ومناه. يا هذا كلما رآك الشيطان قد خرجت من مجلس الذكر كما دخلت، وأنت غير عازمٍ على الرشد فرح بك إبليس، وقال: فديت من لا يفلح» 153.

وإن الشيطان ليستعين على ابن آدم بالهوى، فيأتيه من أضعف جهات عزيمته، فإن المرء قد يكون ذا عزيمةٍ ماضيةٍ، ولكنه أمام داعي هواه لا صبر له قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] .

وفي المراد بضعف الإنسان ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة. قال الحسن: هو أنه خلق من ماءٍ مهين.

والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاوس، ومقاتل.

والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجاج، وابن كيسان 154.

فلما رأى إبليس منه هذا الضعف {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62] .

قال الرازي: «فإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ قلنا: فيه وجوه: الأول: أنه سمع الملائكة يقولون: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30] .

فعرف هذه الأحوال. الثاني: أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزمًا، فقال: الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم» 155.

والوسوسة إذا استحكمت من القلب أفسدت كل عزمٍ، ونقلته إلى الشك والحيرة، التي قد تفسد على العبد اعتقاده وعبادته، فلا عجب أن تكررت وجوه الاستعاذة؛ إشعارًا بعظم خطر المستعاذ منه في قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 1 - 6] .

فلما كانت مضرة الدين، وهي آفة الوسوسة، أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت، جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث: الرب والملك والإله، وإن اتحد المطلوب، وفي الاستعاذة من ثلاث: الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب، وإن تكثر الذي يستعاذ منه 156.

قال الشيخ عطية سالم: «ولقد علم عدو المسلمين أن أخطر سلاح على الإنسان هو الشك، ولا طريق إليه إلا بالوسوسة، فأخذ عن إبليس مهمته وراح يوسوس للمسلمين في دينهم وفي دنياهم، ويشككهم في قدرتهم على الحياة الكريمة مستقلين عنه، ويشككهم في قدرتهم على التقدم والاستقلال الحقيقي، بل وفي استطاعتهم على الإبداع والاختراع؛ ليظلوا في فلكه ودائرة نفوذه، فيبقى المسلمون يدورون في حلقة مفرغة، يقدمون رِجْلًا ويؤخرون أخرى. والمتشكك في نتيجة عمل لا يقدم عليه أبدًا، بل ما يبنيه اليوم يهدمه غدًا» 157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت