فهرس الكتاب

الصفحة 1977 من 2431

الليل

أولًا: المعنى اللغوي:

يطلق الليل اسمًا على الزمن، وهو أشهرها، ولذلك يقولون: هو ضد النهار وخلافه 1. وهو الظلام الذي يحل فيه 2. والليل: واحدٌ بمعنى جمع، وواحده ليلةٌ كـ تمرةٌ وتمرٌ 3، والجمع: ليالٍ وليائل وليالي 4، والليل اسمٌ لكل ليلة 5، وعليه: يكون القصد منه الزمن.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

حد الليل عند المفسرين والفقهاء يختلف عنه عند أهل اللغة، وبناءً على ما سبق من تعريف الليل عند أهل اللغة، يتضح ارتباط المعنى اللغوي والاصطلاحي في كونه مدة زمنية، لها وقت ابتداء وانتهاء؛ فاتفقوا في وقت الابتداء وهو غروب الشمس، ووقع الاختلاف في تحديد مدة انتهاء الليل، فأهل اللغة حدوه إلى طلوع الشمس، والفقهاء حدوه إلى طلوع الفجر الصادق الثاني، وهو الموافق لنص القرآن الكريم كما جاء في آية الصيام.

ومن هنا فإن الليل هو عبارة عن: ظلام يحل كل يومٍ عقب النهار، مبدؤه من غروب الشمس، إلى طلوع الفجر الثاني الصادق 6.

وعليه؛ ففي التعريف قيدان:

الأول: حلول الظلام وذهاب الضياء، وهذا يتم تدريجيًّا بدخول أحدهما وذهاب الثاني، كما قال الإمام ابن جرير الطبري (رحمه الله 310 هـ) في قوله تعالى: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6] . «إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب هذا» 7.

الثاني: مدة زمن ابتداء الليلة وانتهائها، وهو من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر الثاني.

وردت مادة (ليل) في القرآن الكريم (92) مرة 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المفرد ... 88 ... {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر:5]

الجمع ... 4 ... {سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} [الحاقة:7]

وجاء الليل في القرآن الكريم بمعناه اللغوي الذي: هو ما يعقب النهار من الظلام؛ من غروب الشمس إلى طلوعها أو إلى طلوع الفجر 9.

الظلمة:

الظلمة لغة:

والظلمة: ضد النور، وضم اللام لغةٌ، وجمع الظلمة (ظلمٌ) و (ظلماتٌ) و (ظلماتٌ) و (ظلماتٌ) بضم اللام وفتحها وسكونها، وقد (أظلم) الليل، و (الظلام) أول الليل، و (الظلماء) الظلمة، وربما وصف بها، يقال: ليلةٌ ظلماء، أي: (مظلمةٌ) و (ظَلِمَ) الليل بالكسر (ظلامًا) بمعنى (أظلم) وأظلم القوم دخلوا في الظلام 10.

الظلمة اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «الظلمة: عدم الضوء فيما من شأنه أن يكون مضيئًا» 11.

الصلة بين الظلمة والليل:

هناك علاقة اقتران بين الظلمة والليل، فالظلام مقترن بالليل، كالضياء مقترن بالنهار.

النهار:

النهار لغة:

هو الضياء الواسع ممتد ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والنهار ضد الليل، يقال: طرفي النهار: أي أوله وآخره 12.

النهار اصطلاحًا:

قال الألوسي النهار هو: «ما بين طلوع الفجر الى غروب الشمس» 13.

وقال ابن باديس النهار: «هو الوقت الذي يتجلى على جانب الكرة المقابل للشمس فتضيؤه بنورها» 14.

الصلة بين النهار والليل:

النهار من الألفاظ المقابلة للفظة الليل، وغالب آيات الليل جاءت مقرونة بلفظ النهار.

النور:

النور لغةً:

قال ابن فارس: «النون والواو والراء أصلٌ صحيح يدل على إضاءةٍ واضطراب وقلة ثبات. منه النور والنار، سُمِّيا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة» 15.

النور اصطلاحًا:

قال الراغب: «النور: الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار» 16.

الصلة بين النور والليل:

النور من الألفاظ المقابلة للفظة الظلام، فالنور عكس الظلمة، وأتي به هنا؛ لأنه خاصية للنهار كما أن الظلمة خاصية الليل.

أولًا: الليل نعمة إلهية:

إن من رحمة الله عز وجل بخلقه أن سَيَّرَ ونَظَّمَ لهم أمور حياتهم، وجعل الليل والنهار شاهدين على ذلك، فقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل: 12] .

«ووجه تسخير هذه الأشياء لنا: هو أن الله خلقها، وجعل فيها منافع للخلق؛ فجعل في النهار معاشًا للخلق وتقلبًا فيه يتعيشون، وجعل الليل راحةً لهم وسكنًا، ينتفعون بهما، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع: من إنضاج الفواكه والثمرات، وإدراك الزروع وبلوغها، ومعرفة الحساب والسنين والأشهر، ومعرفة الطرق والسلوك بها، وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه» 17.

ولذلك قال الله تعالى بعد هذه الآية {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] .

فجعل الليل من ضمن النعم المحكية.

ولليل فوائد عظيمة ذكرها الله عز وجل في القرآن الكريم، ومن هذه الفوائد:

1.أنه جعل الليل سكنًا ولباسًا، والنوم فيه سباتًا.

وهذه منة عظيمة من الله تعالى؛ إذ السكون راحة لكل متحرك بالنهار، فتهدأ به النفوس من التعب وتستقر الأبدان 18.

قال تعالى: (ٹٹ ٹ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) [الأنعام: 96] .

كما أنه سبحانه وتعالى جعل النوم سباتًا، أي: راحةً لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال.

قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا) [الفرقان: 47] .

وأصل السبات من التمدد. وقيل: للنوم سبات؛ لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة 19.

وفي الآية «إشارة إلى أن النوم ظاهرة غير ظاهرة الراحة والسكون، فقد يستريح الإنسان ويسكن، ولكن وجوده كله حركة عن طريق العقل، الذي لا يكف عن العمل والتفكير، إلا بالنوم المستغرق، الذي يسكن فيه العقل، كما تسكن الجوارح، فالسبات هو السكون التام» 20.

ووصف سبحانه في الآية السابقة الليل بأنه كاللباس الذي يستر البدن ويواريه عن الأنظار، فكأن الليل إذا دخل بظلامه غطى كل شيء وستره لكي ترتاح معه خلايا الكائنات الحية وتستعد لمزاولة عملها بنشاط في النهار 21.

وقال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النمل: 86] .

وتكرر جعل الليل للسكن في سورة يونس (67) ، وسورة القصص (73) ، وسورة غافر (61) .

قال ابن كثير في قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ) «أي: فيه ظلامٌ تسكن بسببه حركاتهم، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نصب التعب في نهارهم» 22.

2.المصالح الدنيوية المترتبة على تعاقب الليل والنهار واختلافهما.

وهذه المصالح مسخرة للإنسان لكي تستمر دورة الحياة لديه.

ولذلك حث الله تعالى أولي الألباب على التفكر في اختلاف الليل والنهار.

قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 190] .

قال السمين الحلبي (رحمه الله 756 هـ) : «والمراد باختلاف الليل والنهار: تعاقبهما، وذهاب هذا ومجيء الآخر، كقوله: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً [الفرقان: 62] » 23.

وفائدة تعاقب الليل والنهار وزيادة ساعات أحدهما على الآخر في فصول السنة الأربع: اختلاف الثمار وتنوعها بحسب الفصل التي هي فيه، فهناك ثمار لا تأتي إلا في الصيف، وأخرى في الشتاء، وهكذا.

ولذلك قال ابن كثير في قوله تعالى (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) [آل عمران: 27] .

«أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة: ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاءً» 24.

وقال سيد قطب: «وجعل حاجتهم إلى النشاط والعمل يلبيها الضوء والنهار، وحاجتهم إلى النوم والراحة يلبيها الليل والظلام، مثلهم مثل جميع الأحياء على ظهر هذا الكوكب على نسب متفاوتة في هذا ودرجات، وكلها تجد في نظام الكون العام ما يلبي طبيعتها ويسمح لها بالحياة» 25.

3.تجدد دورة الحياة واستمرارها.

فلو كانت الحياة ليلًا لتعطلت مصالح الخلق، ولو كانت نهارًا لما وجد النوم والسكن والسبات، وكذلك الأمر في الكائنات الحية الأخرى كالنبات، فهي تحتاج للظلام كما تحتاج للنور، فتبارك الله أحسن الخالقين، وقد جاءت الإشارة في ذلك بقوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَ?هٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ? أَفَلَا تَسْمَعُونَ) [القصص: 71] .

فوجود الليل أو النهار للأبد بمفرده يترتب عليه حصول الضرر بالخلق، وحصول السآمة والملل والتعب 26، فكان من حكمة الله وقضائه أن جعلهما متعاقبين.

4.معرفة الأزمنة والأوقات، والاستدلال بها على الطرقات.

قال تعالى: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] .

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5] .

وقال تعالى {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [الإسراء: 12] .

ولا شك في أن لمعرفة الزمن والوقت فائدة عظمى للمسلم وهي تنظيم وقته، وتحديد أهدافه وأعماله في اليوم والليلة.

قال ابن كثير: «يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك» 27.

ثانيًا: التفكر في آية الليل:

إن المتأمل في كتاب الله عز وجل يجد أنه حث على التدبر والتفكر في خلق الليل والنهار، وامتدح المتدبرين بأنهم أصحاب العقول والألباب، وتارة وصفهم بالمتقين، وما ذلك إلا لأهمية التفكر في خلقهما.

وقد ورد الحث على التفكر في اختلاف الليل والنهار الذي هو بمعنى التعاقب في خمسة مواطن في القرآن الكريم.

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .

وقد جاءت هذه الآية بعد قوله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 163] ؛ لتدل بالدليل القاطع على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة، بعد ذكر صورٍ من مخلوقات الله وقدرته فيها وتسخيرها للخلق.

ويتكرر المشهد مرة أخرى في القرآن عند قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزلت عليه الآية: (ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر) 28.

وقد «جعل الله آية الليل والنهار للتدبر والنظر المؤديين إلى الاستدلال على قدرة صانعها، المدبر لأمرها» 29.

وسئل الأوزاعي (رحمه الله 157 هـ) : ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن 30.

وكذلك الأمر في آية سورة يونس، بعدما ذكر الحكمة في التفريق بين وصف الشمس بالضياء، وبين وصف القمر بالنور.

والتفكر في آية الليل والنهار يزداد روعةً حينما يربط القرآن بينهما وبين الحياة والممات، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [المؤمنون: 80] .

«ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} ؛ لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد» 31.

وبَيَّنَ سبحانه وتعالى أنه يلبس الليل النهار بظلامه، ويلبس النهار الليل بضيائه، وجعلها من الآيات التي من تفكر فيها دلت عليه، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3] .

كما أخبر سبحانه بأن نعمة الليل والنهار تستوجب الشكر والتذكر، فقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] .

وجعل الاتعاظ بتعاقب الليل والنهار من خصال ذوي البصيرة.

قال تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44] .

والخلاصة: أن القرآن مليء بالآيات التي حثت على التفكر والتدبر في آية الليل والنهار، والنظر فيها بعين البصيرة والبصر؛ لتقود المرء إلى تقوية إيمانه بالله تعالى، وشكر نعمته فيهما.

ثالثًا: علاقة الليل بالنهار:

إن علاقة الليل بالنهار والنهار بالليل تدور بين التلازم من ناحية، وبين التضاد من ناحية أخرى.

1.علاقة التلازم.

ومن خلال ما سبق يظهر بأن الليل والنهار آيتان متلازمتان يكمل كل منها الآخر، كما أنهما لا ينفكان عن بعضهما البعض، إذا ذهب هذا جاء الآخر، والعكس كذلك، وهذا ما يشير إليه لفظ القرآن في قوله تعالى: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) [فاطر: 13] .

وقوله تعالى: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا) [الأعراف: 54] .

أي: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه حتى يذهب بنوره، وكل ذلك يكون بسرعة كبيرة 32.

قال ابن كثير: «كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان غيرهما» 33.

وقال تعالى: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ) [النور: 44] .

قال ابن جرير: «يعقب الله بين الليل والنهار ويصرفهما، إذا أذهب هذا جاء هذا، وإذا أذهب هذا جاء هذا، وفي تقليبه الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر به، وعظةً لمن اتعظ به، ممن له فهم وعقل» 34.

وقد سبق التنويه بأن لفظ الليل في غالب القرآن الكريم وأكثره جاء مقرونًا بالنهار، وهو من الدلائل الدالة على التلازم، فالتلازم اللفظي بينهما في القرآن يحرك المشاعر والعقول لإيجاد الحكمة من كثرة ذكرهما متعاقبين، ليصل إلى حقيقة سبب جعلهما آيتين: وهي العظة والعبرة والتفكر والتأمل في خلقهما، وشكر الباري سبحانه على نعمته فيهما، ومعرفة عظمة الله الخالق جل جلاله، وأنه المستحق للعبادة والخضوع والتذلل.

2.علاقة التضاد.

ومع كون العلاقة بين الليل والنهار متلازمة من حيث التتابع والتعاقب؛ إلا أنهما متضادان يختلف كل منها عن الآخر من ناحيتين:

الأولى: من حيث الوصف بالظلمة والضياء، فالليل يأتي معه الظلام، والنهار يأتي معه الضياء، وشتان بينهما، ولكلٍّ فوائد.

الثانية: أنهما لا يجتمعان في وقت واحد 35، فهو من المحال الكوني وقوعه في سنن الله تعالى، وهذا ما يشهد له الواقع، وكذلك قوله تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس:40] .

قال الحسن: «لكل واحدٍ منهما سلطان، للشمس سلطانٌ بالنهار، وللقمر سلطانٌ بالليل» 36.

ومن هنا يستشعر المرء عظمة الله جل جلاله وحكمته في تدبير الخلق، فمع هذا الاختلاف الواضح بينهما يكونا متلازمين بتلازم حركة الأفلاك الدائرية، وتوالي أحدهما على الآخر، من غير اختلالٍ في النظام الكوني الفسيح، فسبحان الله رب العالمين، وأحكم الحاكمين.

إن الوصف يزيد الموصوف ظهورًا ووضوحًا، ويبين ماهيته، ويضيف فوائد من جراء ذلك الوصف.

ولقد وصف الله تعالى الليل بأوصافٍ عديدة في القرآن الكريم، بيانها في التقسيم التالي:

والسُّبات: هو الراحة والسكون؛ ولذلك سمي السبت سبتًا، لأنه يوم راحةٍ ودعة 37.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا} [الفرقان: 47] .

وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا} [النبأ: 9] .

والملاحظ في الآيتين السابقتين أن السبات وصفٌ للنوم لا لليل، وللإجابة عليه يرد احتمالان:

الاحتمال الأول: أنه عطف النوم على الليل، والعطف متعلق بالجملة الفعلية، وهذا الملاحظ من آية الفرقان.

الاحتمال الثاني: الإشارة والتنبيه على أن الراحة والسكون والنوم يكون بالليل، وهذا هو الأصل، ولذا كان من رحمة الله وحكمته أن جعل الراحة والنوم بالليل، فقد اكتشف العلماء أن في الدماغ غددًا صنوبرية تقوم بإفراز مادة هرمونية تسمى الميلاتونين التي تؤثر وتساعد في عملية النوم، ويزداد إفرازها أكثر في الظلام 38.

وقد «أظهرت دراسة حديثة أن استخدام الكومبيوتر أو ألعاب الفيديو ليلًا قد يحرم صاحبه النوم أثناء تلك الليلة، ويعود السبب في ذلك إلى أن الضوء الساطع لشاشة الكومبيوتر يمكن أن يغير موعد النوم من الناحية البيولوجية ويثبط الإفراز الطبيعي لهرمون الميلاتونين التي يعتبر مهمًّا لدورة النوم والاستيقاظ لدى الناس. ويقول الباحثون: إن التعرض للضوء يؤثر على كمية الميلاتونين التي ينتجها الجسم، والذي يؤدي بدوره إلى اضطراب النوم وخاصةً بين كبار السن» 39.

كما أن العلماء اكتشفوا أن النوم بالنهار يؤثر على الجهاز العصبي بعكس الليل؛ كل هذا له حكمة في دورة حياة الإنسان، فسبحان الله أحكم الحاكمين.

وفي آية الفرقان يأتي تساؤل من جراء خلق الليل لباسًا والنوم سباتًا وكلاهما وجدا للراحة والسكون، فهل هناك من فائدة زائدة؟!

لا شك في أن الليل والنوم يشتركان في كونهما محطةً زمنية لراحة الأبدان والأجساد؛ ولكن النوم يزيد على ما ذكر في أنه راحة للعقل، إذ إن العقل هو المحرك للبدن، ولا بد له من راحة حتى يستعيد نشاطه، وهذ ما يجعل لذكر النوم بعد الليل فائدة، والله سبحانه أعلم بمراده فيها.

السين والجيم والواو أصل يدل على سكون وإطباق، يقال سجا الليل، إذا اِدْلَهَمَّ وسكن 40.

وهذا الوصف ورد مرة واحدة في القرآن الكريم، قال تعالى {وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 2] .

وجاء في معنى الآية ثلاثة أقوال:

القول الأول: والليل إذا أقبل، وبه قال سعيد ابن جبير 41.

القول الثاني: والليل إذا ذهب، وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما.

القول الثالث: والليل إذا استوى وسكن، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وهو اختيار الطبري 42، وابن قتيبة 43.

فيكون المعنى: والليل إذا سكن واستوى بظلامه، أو عبارة عن استكنان المخلوقات فيه.

وقد سبق الحديث عن هذه الآية من منحى آخر في آيات القسم.

والسكن: هو الراحة والهدوء، خلاف الاضطراب والحركة 44.

وقد ورد ذكره في القرآن في سبعة مواضع، منها:

قال تعالى: {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 13] .

وقال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [الأنعام: 96] .

وهذه الآيات تدل دلالة واحدة على أن الحكمة من خلق الليل وإيجاده هو السكن والراحة وقطع الأشغال والأعمال - إلا من عبادة وضرورة -، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها 45.

وفي الآية الأولى إشارة إلى امتلاكه سبحانه لكل ساكنٍ في الليل والنهار، وجعل ذلك تمهيدًا لسعة علمه وإحاطته بكل شيء في جميع الأوقات.

وإنما خص الليل بالذكر لأن الساكن في ذلك الوقت يزداد خفاءً، وعطف النهار عليه لتحقيق تمام الإحاطة والعلم 46.

وقيل: لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت