فهرس الكتاب

الصفحة 2360 من 2431

قال تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) } [النساء:131] .

وصى الله تعالى الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى، من الأمم السالفة، ووصيناكم أنتم يا أمة محمد كذلك بأن اتقوا الله جميعا، وفي هذا إشارة إلى أن الأديان جميعها متفقة على مبدأ التوحيد وتقوى الله ومختلفة في الفروع تبعا للزمان والمكان، وإن تكفروا بالله فاعلموا أن له ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا عن عبادتكم.

والإخبار بأن الله أوصى الذين أوتوا الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلهاب همم المسلمين للتهمم بتقوى الله لئلا تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل الكتاب، فإن للائتساء أثرا بالغا في النفوس، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) } [البقرة:183] .

والمراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى، فالتعريف في الكتاب تعريف الجنس فيصدق بالمتعدد، وبين بها عدم حاجته تعالى إلى تقوى الناس، ولكنها لصلاح أنفسهم، كما قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر:7] 47.

رابعًا: عامة الناس:

لقد وجه الله تعالى الوصية بالإحسان إلى الناس عامة.

قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) } [الأحقاف:15 - 16] .

بينت الآية أن الوصية بالإحسان للوالدين: هي وصية لجنس الإنسان كله، فهذه الوصاة بالإحسان إلى الوالدين موجهة إلى كل إنسان أي: وصينا الناس وهو مراد به خصوص الناس الذين جاءتهم الرسل بوصايا الله والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذلك هو المناسب لقوله في آخرها، {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا} [الأحقاف:16] .

وهي قائمة على أساس إنسانيته، بدون حاجة إلى أية صفة أخرى وراء كونه إنسانا، وهي وصية بالإحسان مطلقة من كل شرط ومن كل قيد، فصفة الوالدية تقتضي هذا الإحسان بذاتها، بدون حاجة إلى أية صفة أخرى كذلك، وهي وصية صادرة من خالق الإنسان، وربما كانت خاصة بهذا الجنس أيضًا 48.

قال سيد قطب: «ولا ترد وصية الوالدين بالأولاد إلا نادرة، ولمناسبة حالات معينة، ذلك أن الفطرة وحدها تتكفل برعاية الوالدين للأولاد، رعاية تلقائية مندفعة بذاتها لا تحتاج إلى مثير، وبالتضحية النبيلة الكاملة العجيبة التي كثيرا ما تصل إلى حد الموت- فضلا على الألم- بدون تردد، ودون انتظار عوض، ودون مَنٍّ ولا رغبة حتى في الشكران! أما الجيل الناشئ فقلما يتلفت إلى الخلف، قلما يتلفت إلى الجيل المضحي الواهب الفاني، لأنه بدوره مندفع إلى الأمام، يطلب جيلا ناشئا منه يضحي له بدوره ويرعاه! وهكذا تمضي الحياة!

والإسلام يجعل الأسرة هي اللبنة الأولى في بنائه والمحضن الذي تدرج فيه الفراخ الخضر وتكبر وتتلقى رصيدها من الحب والتعاون والتكافل والبناء، والطفل الذي يحرم من محضن الأسرة ينشأ شاذا غير طبيعي في كثير من جوانب حياته- مهما توافرت له وسائل الراحة والتربية في غير محيط الأسرة- وأول ما يفقده في أي محضن آخر غير محضن الأسرة، هو شعور الحب.

فقد ثبت أن الطفل بفطرته يحب أن يستأثر وحده بأمه فترة العامين الأولين من حياته، ولا يطيق أن يشاركه فيها أحد، وفي المحاضن الصناعية لا يمكن أن يتوفر هذا، إذ تقوم الحاضنة بحضانة عدة أطفال، يتحاقدون فيما بينهم، على الأم الصناعية المشتركة، وتبذر في قلوبهم بذرة الحقد فلا تنمو بذرة الحب أبدا، كذلك يحتاج الطفل إلى سلطة واحدة ثابتة تشرف عليه فترة من حياته كي يتحقق له ثبات الشخصية، وهذا ما لا يتيسر إلا في محضن الأسرة الطبيعي.

فأما في المحاضن الصناعية فلا تتوفر السلطة الشخصية الثابتة لتغير الحاضنات بالمناوبة على الأطفال، فتنشأ شخصياتهم مخلخلة، ويحرمون ثبات الشخصية والتجارب في المحاضن تكشف في كل يوم عن حكمة أصيلة في جعل الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع السليم، الذي يستهدف الإسلام إنشاءه على أساس الفطرة السليمة 49.

تظهر صيغ الوصية من خلال ما يلي:

أولًا: الصيغة الفعلية:

وردت الوصية في القرآن الكريم بعدة صيغ فعلية، منها:

1.صيغة الفعل الماضي وصى وأوصى، اثنتى عشرة مرة.

فيما أوصى به سبحانه رسله وعباده، وغلب مجيء الوصية بمعناها المعروف فيما يوصي به الراحلون عن الدنيا، مع حرمة دينية يسبغها القرآن على الوصية بالحق في حدود ما أمر به الله، أما التواصي فجاء في القرآن خمس مرات، كلها بصيغة الفعل الماضي، وإحداها في سياق الاستفهام الإنكاري لموقف أمم خلت من رسل الله إليهم، وكأنهم تواصوا بالتكذيب: (كَذَ?لِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ?52?أَتَوَاصَوْا بِهِ ? بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ?53?) [الذاريات:52 - 53] .

والأربع الباقيات في مسئولية الإنسان عن الجماعة، بآية العصر: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:3] 50.

والحكمة في مجيء هذه الصيغة بالماضي: يعني أنها وصايا قديمة ما زال يوصي الله تعالى بها عباده، وجيء بها بصيغة الماضي الذي يفيد الثبات والاستمرار، وكان ورود أكثرها على التعبير بالماضي لأنه أوضح في استحكام الثبات وامتداده، فورد هذا كله على أنسب وجه، ومن ذلك: قوله تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ? [النساء:131] .

يعني: أنها وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، لستم بها مخصوصين 51.

وكذلك وصية الله جاءت بصيغة الماضي: قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ?) [الأحقاف:15] .

لتشمل خصوص الناس الذين جاءتهم الرسل بالإحسان إلى الوالدين موجهة إلى كل إنسان، أي وصينا الناس وهو مراد به خصوص الناس الذين جاءتهم الرسل بوصايا الله، والذين آمنوا وعملوا الصالحات وذلك هو المناسب لقوله في آخرها: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) [الأحقاف:16] 52.

وجاء التعبير بالماضي في قوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:3] .

إنما قال: (وَتَوَاصَوْا) ولم يقل: ويتواصون؛ لئلا يقع أمرًا بل الغرض مدحهم بما صدر عنهم في الماضي، وذلك يفيد رغبتهم في الثبات عليه في المستقبل 53.

2.جاءت الوصية بلفظ المضارع.

قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ} [النساء:11] .

اهتماما بشأنها، وإيذانا بوجوب سرعة الامتثال لمضمونها، إذ الوصية من الله تعالى إيجاب مؤكد، وجاءت أيضًا بلفظ المضارع تنبيها على نسخ ما مضى والشروع في حكم آخر 54.

وردت الوصية في القرآن الكريم بصيغة المضارع في عدة مواطن، وذلك أن الفعل المضارع يفيد التجدد والاستمرار.

وأطلق الإيصاء على ما أمر الله به؛ لأن الناس لم يشاهدوا الله حين فعلهم ما يأمرهم به، فكان أمر الله مؤكدًا فعبر عنه بالإيصاء تنبيها لهم على الاحتراز من التفويت في أوامر الله، ولذلك أطلق على أمر الله الإيصاء في مواضع كثيرة من القرآن، كقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ} [النساء:11] 55.

ثانيًا: الصيغة الإسمية:

سبيل الواجبات الإتيان بالمصدر مرفوعًا، وسبيل المندوبات الإتيان به منصوبًا، ولهذا اختلفوا: هل كانت الوصية للزوجات واجبة لاختلاف القراءة في قوله تعالى: {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ} [البقرة:240] .

بالرفع والنصب، فإن الأول مندوب، والثاني واجب، والحكمة في ذلك أن الجملة الإسمية أوكد وأثبت من الفعلية 56.

ثالثًا: بلاغة فواصل آيات الوصية:

قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام:151 - 153] .

ختمت الأولى بـ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ، والثانية: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} والثالثة: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لأن ترك الوصايا في الآية الأولى دال على عدم التعقل؛ لأن الشرك والعقوق وقتل الأولاد لأجل الفقر وارتكاب الفواحش وقتل النفس التي حرم الله بغير الحق، كلها عظام جسام، وكانت الوصية بها من أبلغ الوصايا، فختم الآية بما في الإنسان من أشرف السجايا وهو العقل الذى امتاز به الإنسان عن سائر الحيوان وفي الآية الثانية حقوق قولية ومالية، وكل إنسان يحرص عليهما لنفسه، وترك ذلك بالنسبة للغير غفلة يناسبه الدعوة إلى التذكر.

وفي الآية الثالثة دعوة إلى شرع الله والبعد عن سبل الشيطان، والمخالفة تعرض إلى سخط الله؛ فناسبه الدعوة إلى التقوى 57.

تظهر نتائج الوصية وثمرتها من خلال ما يلي:

أولًا: ثمرات الوصية الدنيوية:

الثمرات الخيرة الدنيوية للوصية بالخير:

1.أن وصايا القرآن من شأنها أن تكفل رضاء الله وعنايته، وأن تحفظ الناس من الشرور والمهالك وأن تضمن لهم السعادة والطمأنينة، وأن تبث فيهم روح التعاون والتراحم والإخاء، وأن تجنبهم ما لا يليق بالكرامة الإنسانية والشعور الإنساني من مواقف وحركات 58.

2.ومن ثمراتها الحفاظ على النفس وصيانتها من الاعتداء عليها. وشملت الوصية ما كان يعمله أهل الجاهلية فكانت الجاهلية تقتل أولادها خشية كثرة العيلة، ودخول الفقر عليهم إذا كثروا، فأنزل الله تبارك وتعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ) [الأنعام:151] . وشملت الوصية حفظ النفس الإنسانية، (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الأنعام:151] . أي: حرم قتلها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد فيخرج الحربي ويدخل الذمي، فما روي عن ابن جبير من كون المراد بالنفس المذكورة النفس المؤمنة ليس في محله (إِلَّا بِالْحَقِّ) استثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي: لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا حال ملابستكم بالحق الذي هو أمر الشرع بقتلها، وذلك كما جاء من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق الجماعة) 59. أو من أعم الأسباب أي: لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وهو ما في الخبر، أو من أعم المصادر أي: لا تقتلوها قتلا إلا قتلا كائنا وهو القتل بأحد المذكورات، والحفاظ على النفس يشيع في المجتمع الأمن والسلام ويقضي على كل مظاهر العنف، ويحفظ التعايش مع جميع المجتمعات والأمم والشعوب، فالإسلام دين السلام والتعايش والقبول بالآخر، ويرفض كل أشكال العنف والتطرف بجميع أشكاله وأنواعه وصوره 60.

3.الحفاظ على العقيدة الصحيحة، والتي هي سبب الفوز والنجاح والفلاح في الدنيا والآخرة، وهي السبب في الحفاظ على الفرد والأسرة والمجتمع وهي التي تحفظ الفرد من البدع والضلالات والشبهات، والسبل المؤدية إلى الضلال من اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعباد القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والشذوذ والأهواء والطوائف، وأشير إلى ذلك في قوله تعالى: (وَأَنَّ هَ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ? وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153] 61.

4.الحفاظ على الفرد والأسرة والمجتمع. فالوصية بالأخلاق الكريمة هي القاعدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع وهي قاعدة النظافة والطهارة والعفة والأخلاق، فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها؛ لأنه لا يمكن قيام أمة، ولا استقامة مجتمع، ولا أسرة في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع، والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع، والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة، منتهية حتمًا إلى الدمار، والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية، شواهد من التاريخ. ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة الغربية تنبئ بالمصير المرتقب لأمم ينخر فيها كل هذا الفساد، والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات، مجتمع مهدد بالدمار، ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات؛ لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار وأشير إلى ذلك في قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ? أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ? وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ? وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ? نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ? وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ? وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الأنعام:151] 62.

5.الحفاظ على وحدة الأمة وكيانها وقوتها. فاتباع صراط الله المستقيم الواحد هو سبب وحدة الأمة، وحدتها في الألوهية ووحدتها في الربوبية ووحدتها من الشتات والتمزق التي تسببه الأهواء والبدع والطوائف والأحزاب، قال تعالى: (وَأَنَّ هَ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ? وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153] . فهذه الآية تحذر من التفرق وتدعو إلى الوحدة وجمع كلمة المسلمين، والسير في طريق واحد، فإذا تفرق المسلمون بعد ذلك فهم خارجون عن السير فيه، وحينما تفرق المسلمون أحزابًا كل حزب بما لديهم فرحون، زعمت كل فرقة أنها هي الناجية، وما عداها هالك، حتى التبس الأمر على كثير من المسلمين فلم يهتد إلى الفرقة الناجية بسبب تلك المزاعم، ولا ينبغي أن نأبه لتلك المزاعم. بل نعرض كل ما نسمع على كتاب الله وسنة نبيه، فما وافقهما فهو الحق، وما خالفهما عرفنا أنه باطل وهذا هو الميزان الذي ينبغي أن نزن به كل قول ومعتقد مهما كان مصدره كما هو حال أهل السنة في عرضهم للأقوال والمعتقدات على كتاب الله وسنة رسوله، وهو توفيق من الله لهم، وهم الفرقة الناجية، وهم أهل الحق إلى أن تقوم القيامة 63.

6.الحفاظ على الأموال، فحفظت وصايا القرآن أموال اليتامى من الضياع، وحذرت أصحاب النفوس الضعيفة من المساس بها، وحفظت الموازين في التجارة لتستقيم المعاملات، وأعطت للأولاد والآباء حقهم من المال، ونهت عن المضارة في الوصية في المال، وذلك يعمل على حفظ مال الفرد والجماعة والأمة، وأشير لذلك في قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى? يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ? وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ?) [الأنعام:152] .

7.رجاء أن يتكلف ذكر هذه الوصايا وما فيها من المصالح والمنافع من كان كثير النسيان والغفلة أو كثير الشواغل الدنيوية، أو رجاء أن يتذكرها المرة بعد المرة من أراد الانتفاع بها بتلاوة آياتها في الصلاة وغيرها وبغير ذلك، أو رجاء أن يتعظ بها من سمعها وقرأها أو ذكرها أو ذكَّر بها، وبعض هذه الوجوه عام يطلب من كل مسلم، وبعضها خاص، وأشير إلى ذلك في قوله تعالى: (ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأنعام:152] 64.

8.الإمامة في الدين والدنيا، وذلك أن قوله تعالى: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:3] . إرشاد إلى منصب الإمامة في قوة الدين، كقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ? وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة:24] . فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين 65.

9.أنهم ثنية الله سبحانه من الخاسرين، قال تعالى: (وَالْعَصْرِ ?1?إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ?2?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ?3?) [العصر:1 - 3] . فأقسم سبحانه على خسران نوع الإنسان إلا من كمل نفسه بالإيمان والعمل الصالح، وكمل غيره بوصيته له بهما، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: «لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم» 66.

والخلاصة: أن وصايا القرآن الكريم تحافظ على الكليات الضرورية للفرد والمجتمع وهي العقيدة والنفس والعرض والمال والعقل وكل ما فيه صلاح المجتمع وسلامته والحفاظ على أمنه ووحدته واستقراره بما يكفل له سبل الحياة الكريمة، فإذا هم فعلوا بهذه الوصايا كثر في الأمة الخير، وندر فيها وقوع الشر، وائتلفت قلوب أهليها، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، وسعدوا في دنياهم وآخرتهم 67.

النتائج الشريرة للتواصي بالشر:

والتواصي بالشر بعكس التواصي بالخير فهو سبب الشرك والكفر وفساد الأخلاق وأكل مال اليتيم وقتل النفس التي حرم الله تعالى وقتل الأولاد خوف الفقر ووأد البنات وحرمان خير الدنيا والآخرة، وسبب الشقاء والانحراف والطغيان.

قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) } [الذاريات:52 - 54] .

يخبر تعالى عن سبب شقاء قريش وحرمانها خير الدنيا والآخرة وهو اتباعها وصية الأمم السالفة المكذبة رسلها، فكما كذبت قريش نبيها محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقالت: هو شاعر، أو ساحر أو مجنون، كذلك فعلت الأمم المكذبة رسلها، الذين أحل الله بهم نقمته، كقوم نوح وعاد وثمود، وفرعون وقومه، وقوله تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) } [الذاريات:53] .

يقول تعالى ذكره: أأوصى هؤلاء المكذبين من قريش محمدًا عليه السلام على ما جاءهم به من الحق أوائلهم وآباؤهم الماضون من قبلهم، بتكذيب محمد عليه السلام، فقبلوا ذلك عنهم 68.

ثانيًا: ثمرات الوصية الأخروية:

الثمرات الأخروية للوصية بالخير ما يأتي:

من ثمرات الوصايا بالحق والوصايا بالصبر والوصايا بالمرحمة ووصايا القرآن بشكل عام، قال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) } [البلد:17 - 18] .

أي: أن هؤلاء الذين آمنوا، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة، وتخطوا هذه العقبة، ففكوا الرقاب، وأطعموا الجياع من الأيتام والمساكين هؤلاء {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) } [البلد:18] .

على جهة التفخيم لشأنهم والتعظيم لقدرهم، وهم أصحاب اليمن والبركة والثواب، والفوز، والفلاح، وأنهم من أهل اليمين، الذين وعدهم الله جنات النعيم، الذين يؤتون كتبهم بأيمانهم، وقال يحيى بن سلام: «لأنهم ميامين على أنفسهم» ، وقال ابن زيد: «لأنهم أخذوا من شق آدم الأيمن» ، وقيل: «لأن منزلتهم عن اليمين» 69.

ووصف تعالى ما أعد لأصحاب اليمين في آيات أخر، قال تعال: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) } [الواقعة:27 - 40] .

النتائج الأخروية للتواصي بالشر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت