ذكر الطبري أقوال العلماء في بيان ذلك، ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة، إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق؛ وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلًا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدو والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب، أما في الدنيا، فبقاء الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة، وأما في الآخرة، فحياة الأبد في الجنان والخلود فيها 93.
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [مريم: 48 - 49] .
وإذا كان وجودي إلى جوارك ودعوتي لك إلى الإيمان تؤذيك فسأعتزلك أنت وقومك، وأعتزل ما تدعون من دون الله من الآلهة، وأدعو ربي وحده، راجيًا -بسبب دعائي لله- ألا يجعلني شقيًّا، فالذي يرجوه إبراهيم هو مجرد تجنيبه الشقاوة، وذلك من الأدب والتحرج الذي يستشعره، فهو لا يرى لنفسه فضلًا، ولا يتطلع إلى أكثر من تجنيبه الشقاوة!
وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم وآلهتهم وهجر أهله ودياره، فلم يتركه الله وحيدًا 94.
رابعًا: الأخلاق:
يلاحظ أن الآيات التي تحدثت عن الأخلاق، تضمنت الدعوة لفعلها والتحلي بها، ومن الآيات الواردة معنا في ذلك ما يأتي:
قوله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 5] .
فهذا العدل الإلهي، أن لا ينال حقّ الابن إلا من يكون ابنًا، أما المتبنّى واللصيق فلا يكون له إلا حق المولى والأخ في الدين؛ فحرّم الله على المسلمين أن ينسبوا الدعيّ لمن تبناه، وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئًا من حقوق الابن لا قليلًا ولا كثيرًا. وشدّد الأمر حتى قال: (ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ?) [الأحزاب: 5] .
فهو يعفو عن اللفظة تصدر من غير قصد بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادى شخص آخر بمثل ذلك، لا عن قصد التبنّي 95، وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه، عدل للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية. وعدل للولد الذي يحمل اسم أبيه، ويرثه ويورثه، ويتعاون معه ويكون امتدادًا له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده، وعدل للحق في ذاته الذي يضع كل شيء في مكانه، ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يضيع مزية على والد ولا ولد كما أنه لا يحمل غير الوالد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يعطيه مزاياها. ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا يحابيه بخيراتها، وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة، ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع، وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق، ومن مطابقة الواقع الفطري العميق 96.
للدعوة أساليب تتّخذ للوصول إلى الهدف المطلوب من أقرب طريق وأخصره، وبالنظر في الآيات الواردة في الحديث عن الدعوة يمكن القول أن أساليب الدعوة كما يأتي:
أولًا: أساليب عقلية:
من أعظم الحجج التي تقام برهانًا للشيء ونفيه الحجج العقلية التي تلزم الخصم بالتسليم 97، وهذا الأسلوب يستخدم مع المعارضين الجاحدين 98، لتفنيد شبههم ومحاولة إقناعهم، ومن الآيات التي تتحدث عن هذا المقام ما يأتي:
قوله تعالى: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ?) [النساء: 117] .
أي: ما يدعو هؤلاء المشركون من دون الله إلا إناثًا، أي: أوثانًا وأصنامًا مسميات بأسماء الإناث كـ «العزى» و «مناة» ونحوهما، ومن المعلوم أن الاسم دال على المسمى، فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة ناقصة، دل ذلك على نقص المسميات بتلك الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن عابديها بل ولا عن نفسها نفعًا ولا ضرًّا ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء، وليس لها أسماع ولا أبصار ولا أفئدة، فكيف يعبد من هذا وصفه ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى والصفات العليا والحمد والكمال، والمجد والجلال، والعز والجمال، والرحمة والبر والإحسان، والانفراد بالخلق والتدبير، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟
هل هذا إلا من أقبح القبيح الدال على نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة أدنى ما يتصوره متصور، أو يصفه واصف؟
ومع ذلك فعبادتهم إنما صورتها فقط لهذه الأوثان الناقصة، وبالحقيقة ما عبدوا غير الشيطان الذي هو عدوهم الذي يريد إهلاكهم ويسعى في ذلك بكل ما يقدر عليه، الذي هو في غاية البعد من الله، لعنه الله وأبعده عن رحمته، فكما أبعده الله من رحمته يسعى في إبعاد العباد عن رحمة الله 99، فمن أصدق من الله قِيْلًا، ومن أحسن من الله حديثًا، في بيان حقيقة ما يدعوه المشركون.
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 194 - 195] .
وإنما أطلق على الأصنام اسم العباد وعبر عنها بضمائر العقلاء؛ لأن الكفار يصفونها بصفات من هو خير من مطلق العقلاء، أنها معبودات، وأنها تشفع وتقرب إلى الله زلفى، فبهذا الاعتبار أجرى عليها ضمائر العقلاء، وعبر عنها بالعباد ووجه مماثلتهم هنا: أن الكفار العابدين، والأصنام المعبودات كلهم مخلوقات لله لا تقدر أن تجلب لنفسها نفعًا ولا أن تدفع عنها ضرًّا، فهم من قبيل تسخير الله لهم، وخلقه للجميع، وقدرته على الجميع، بهذا الاعتبار هم سواء 100.
ومن الآيات في هذا قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ) [النحل: 20 - 21] .
وقوله تعالى: (? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?) [فاطر: 13 - 14] .
وقوله تعالى: (? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزمر: 38] .
وغيرها من الآيات، ومن خلال هذه الآيات ألحظ من الدلائل العقلية ما يأتي:
-أن من لم تكن دعوته ودعاؤه إلى الله تعالى فلا بد أن تكون شركًا لغير الله.
-كل ما يدعى من دون الله -مهما كانت منزلته- إنما هو عبد لله تعالى.
-الدعوة الحق هي الدعوة إلى الله والدعوة التي جاءت منه وأمرنا بها عن طريق رسله.
-من يدعى من دون الله تعالى لم يخلق نفسه أصلًا، فضلًا أن يكون مشاركًا لله في خلق السموات والأرض، ولا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلًا عن أن يَهَبَهَا لغيره.
وبهذه الدلائل العقلية اتخذت الدعوة إلى الله أسلوبًا عقليًّا مقنعًا؛ لتبطل كل دعوة إلى غير الله، والأساليب العقلية التي وردت عن الأنبياء في دعوتهم سأشير إليها في نماذج الدعاة من الأنبياء.
ثانيًا: أساليب عاطفية:
ويظهر أن هذا الأسلوب قد يجمع بين أسلوبي الحكمة والموعظة، فأسلوب الحكمة لأصحاب العقول النيرة والفطر المستقيمة، وأسلوب الموعظة أسلوب يسهل فيه الوضوح البساطة وعدم التعقيد 101.
والآيات في ذلك كما في قوله تعالى: (ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں) [البقرة: 221] .
فالله تعالى يقول لهم بخطاب الرأفة والرحمة، اقبلوا من الله ما أمركم به فاعملوا به، وانتهوا عما نهاكم عنه، فإنه يدعوكم إلى الجنة، يعني: بذلك يدعوكم إلى العمل بما يدخلكم الجنة، ويوجب لكم النجاة إن عملتم به من النار، وإلى ما يمحو خطاياكم أو ذنوبكم، فيعفو عنها ويسترها عليكم 102، فيا بئس من ترك دعوة الله واتبع ما يغضبه ويأباه.
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?) [آل عمران: 104] .
فلا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته، فهناك دعوة إلى الخير، ولكن هناك كذلك أمر بالمعروف، وهناك نهي عن المنكر، وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا ذو سلطان، هذا هو تصور الإسلام للمسألة، إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى، سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر، سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر، وتحقيق هذا المنهج يقتضي دعوة إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج 103.
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ?) [الحج: 73] .
أي: ومن هذه صفته كيف يعبد؟ ومن حق المعبود أن يكون خالقًا لعابده لا محالة وهم يخلقون، أي: بل هم مخلوقون مصنوعون 104.
وقوله تعالى: (? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [الأحقاف: 31 - 32] .
والأساليب العاطفية التي وردت عن الأنبياء في دعوتهم سأشير إليها في نماذج الدعاة من الأنبياء، وهذا الأسلوب يجمع بين العاطفة والعقل.
ثالثًا: أساليب حسية:
من الأساليب التي سلكتها الآيات في بيان طريق الدعوة ووجوب الاعتصام بها الأساليب الحسية، فما من نبي يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى إلا أجرى الله له من المعجزات الحسية ما يؤكد صدق دعوته، والأساليب الحسية التي وردت عن الأنبياء في دعوتهم سأشير إليها في نماذج الدعاة من الأنبياء.
ومن الأساليب الحسية الواردة في آيات الدعوة ما جاء في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 23] .
يقول تعالى منكرا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما: التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد 105.
فهذان أمران حسيان كتاب الله الذي كان بأيديهم، ورسول الله محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي جاء به.
وقوله تعالى: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 108] .
فالنهي عن مباشرة شيء يشاهده الذين يدعون من دون الله ويسمعونه.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة، وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشبه 106، فإحساس المشركين بسبّ آلهتهم يجعلهم يسبون الله تعالى.
وقوله تعالى: (ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 41] .
ففي هذه الآية الكريمة عاب الله على الكفار سخافة عقولهم، وأنهم إذا نزلت بهم شدة من العظائم الشداد -كمشاهدة العذاب أمام أعينهم وإحساسهم به، أو لو رأوا الساعة عيانًا وأحسوا بها- أخلصوا في ذلك الوقت الدعاء إلى الله، وتركوا دعاء غير الله؛ لعلمهم بأنه لا ينفع ولا يضر وهذا ذم من الله للكفار، ذمهم به في آيات كثيرة من كتابه 107.
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 67] .
والسياق يعرض هذا المشهد، مشهد الفلك في البحر، نموذجًا للحظات الشدة والحرج؛ لأن الشعور بيد الله في الخضم أقوى وأشد حساسية، ونقطة من الخشب أو المعدن تائهة في الخضم، تتقاذفها الأمواج والتيارات والناس متشبثون بهذه النقطة على كف الرحمن، إنه مشهد يحس به من كابده، ويحس بالقلوب الخافقة الواجفة المتعلقة بكل هزة وكل رجفة في الفلك صغيرًا كان أو كبيرًا 108، فهو أسلوب حسي قويم في الدعوة إلى توحيد الله.
وقوله تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ? ں ں ?) [القصص: 88] .
وكل هالك فهلاكه محسوس بين الخلائق حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يبقى إلا الله وحده؛ لذا وجب أن لا يدعى إلا هو.
وفي قوله تعالى: (ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحقاف: 4] .
أي: ائتوني بكتاب من قبل هذا الكتاب يعني القرآن فإنه ناطق بالتوحيد، أو أثارة من علم أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين عل فيها ما يدل على استحقاقهم للعبادة أو الأمر به 109، فلا بد من إقامة الدليل الحسي من كتاب قديم أو علم يدل دلالةً واضحةً على جواز دعواهم لغير الله تعالى، ولما لم يكن لهم دليل على ذلك؛ ظهر بطلان ما يدعونه وقامت الحجة عليهم، مما يوجب عليهم الرجوع من الدعوى الباطلة، إلى لزوم دعوة الحق والاعتصام بها.
تعتبر الدعوة أمرًا موجّهًا إلى جميع الثقلين استنادًا لأصل الإيجاد؛ ذلك أن الله تعالى قال: (? ? ? ? ? ? ?) [الذاريات: 56] .
وقد كانت الرسل ترسل إلى أممها، فمنهم من يستجيب لهم، ومنهم من يعرض عنهم، ومنهم من يصدهم عن دعوتهم وتبليغ رسالتهم، وبيان ذلك كما يأتي:
أولًا: المستجيبون للدعوة:
الضعفاء هم أكثر أتباع الرسل، وذلك كما قال تعالى -وهو يحدثنا عن ما جرى بين نوح وقومه أنهم قالوا له: -كما حكاه الله تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 25 - 27] .
فهذا اعتراض الكافرين على نوح عليه السلام وأتباعه وهو دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح سواءً اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبًا أن من يتبع الحق هم ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته 110.
وجاء في حديث ابن عباس أن هرقل لما سأل أبا سفيان قال له: «فأشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال أبو سفيان بل: ضعفاؤهم، فقال هرقل: كذلك هم أتباع الرسل 111.
ومن الآيات الواردة في بيان المستجيبين للدعوة:
قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 193] .
وتأويل الآية: ربنا سمعنا داعيًا يدعو إلى الإيمان والتصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك، وطاعته فيما أمرنا به ونهانا عنه مما جاء به من عندك ( ?) ، يقول: فصدقنا بذلك يا ربنا؛ فاستر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها، ولكن كفّرها عنا، وسيئات أعمالنا، وامحها بفضلك ورحمتك إيانا (? ? ?) 112، فهي قلوب مفتوحة ما إن تتلقى حتى تستجيب، وحتى تستيقظ فيها الحساسية الشديدة، فتبحث أول ما تبحث عن تقصيرها وذنوبها ومعصيتها، فتتجه إلى ربها تطلب مغفرة الذنوب وتكفير السيئات، والوفاة مع الأبرار 113.
وقوله تعالى: (? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ? ? ?) [الأنعام: 36] .
أي: لا يجيبك إلى ما تطلب وتدعو من الهدى، إلا الذين يسمعون، أي: جعل الله لهم سماع حق وتفهّم يسمعون به عن الله، أما الذين أعمى الله أبصارهم، وختم على آذانهم فلا يجيبونك أبدًا، فلا تحزن عليهم 114، فالذين يستجيبون لدعوة الأنبياء هم الذين استخدموا عقولهم وسمعهم وأبصارهم الاستخدام الحقيقي.
وقوله تعالى: (ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 111] .
قيل: إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام، أي: ألهموا ذلك، فامتثلوا ما ألهموا، ويحتمل أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك 115.
فهي دعوة للاستجابة لرسولهم، وفيه دلالة على أن هناك استجابة في الأمم قبلهم وبعدهم.
ثانيًا: المعرضون عن الدعوة:
والأصل في المعرض أنه لم يقبل الدعوة أصلًا، وذلك كما في قوله تعالى: (? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ?) [الرعد: 14] .
فالذي يترك الدعوة الحق فهو معرض عنها لا محالة.
ومن لم يجب داعي الله تعالى، وأجاب داعي غيره إما آلهة ما أنزل بها من سلطان، أو الشيطان الرجيم وغيره، فذلك كما أخبرنا الله تعالى عن حاله بقوله تعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 22] .
أي: دعوتكم إلى طاعتي ومعصية الله، فاستجبتم لدعائي 116، يعني: ما كان مني إلا مجرد هذه الدعوة 117، فعادة المعرض أن يعرض عن أمر لاستحسان غيره في نفسه، أو للحصول على شيء معين مع علمه بصفاء ما أعرض عنه، أو غير ذلك من الأمور الصارفة عن الحق إلى الباطل.
ومن كان في طاعة الهوى في دينه، يتبعه في كل ما يأتي ويذر، لا يتبصر دليلًا، ولا يصغى إلى برهان؛ فهو عابد هواه، وجاعله إلهه 118.
ثالثًا: الصادون عن الدعوة:
وأكثر الصادين عن الدعوة هم الكبراء والمنافقون، ففي حال الكبراء يقول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ) [الأعراف: 45] .
ويقول تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ) [الأنفال: 34] .
ويقول تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 19] .
ويقول تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الزخرف: 57] .
وقد كان أكابر القوم -الذين كانوا يخافون انتشار الدعوة بين الناس- يحرصون كل الحرص على إيجاد الهوّة بين الأنبياء وسائر الناس، وهذا الأسلوب من أخطر الأساليب في الصد عن دين الله، التي مارسها أعداء الدعوة منذ القدم 119.
ومن الآيات الواردة في شأن الدعوة والتي تبين حال هؤلاء قوله تعالى: (ک ک ک ک) [البقرة: 221] .
وهذه نتيجة صدهم التي يصبون إليها، وقوله تعالى: (ھ ھ ے ے ? ? ? ? ?) [القصص: 41] .
وهذا المقام الذي تبوؤوه فصدوا عن دعوة الله، وقادوا غيرهم لدعوى باطلة، ومن أوضح ما يميزهم ويوضح حالهم بكل جلاء قوله تعالى: (ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ں ں ? ?) [غافر: 12] .
وما الذي أوصلهم إلى هذا الأمر إلا اتباع أهوائهم ودعوة غير الله تعالى والإعراض عن دعوته؛ لذا أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتباين التام معهم فقال له: (? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ? ? ? ? ? ? ? ? ں) [الأنعام: 56] .
بل ربما وصل الأمر بالصد عن الدعوة ولو في جزء منها، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [محمد: 38] .
فعادة البخيل إن تمكن منه البخل؛ دعا غيره إلى أن يكون بخيلًا مثله، وربما شجّعه على ذلك وذكر له ما يخيل إليه أن البخل خير من الإنفاق، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 36 - 37] .
فدعوة الله تعالى لهم للإنفاق قد أعرضوا عنها وأمروا غيرهم وصدوهم عن دعوة الله تعالى.
ومن شأن الكفار أن يبذلوا كل سبيل للصد عن سبيل الله تعالى، سواءً كان صدًّا عن اتباع حملة الحق ودعاته، أو صد الدعاة عن استمرارهم في الدعوة إلى الله تعالى وتبليغ دينه إلى الناس 120.
أولًا: الأنبياء والرسل:
تعتبر قصص القرآن الكريم من القضايا التي تكررت كثيرًا خاصةً فيما جرى بين الأنبياء وبين أقوامهم.
والقصص في القرآن ثلاثة أنواع: فالنوع الأول: قصص الأنبياء، وقد تضمن دعوتهم إلى قومهم، والمعجزات التي أيدهم الله بها، وموقف المعاندين منهم، ومراحل الدعوة وتطورها وعاقبة المؤمنين والمكذبين، كقصص نوح، وإبراهيم، وموسى، وهارون، وعيسى، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام 121.
وحتى لا يطول الحديث عن هذه النماذج فسأذكر ذلك في أمرين:
دعوة الرسل أجمع هي: الدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وحده دون سواه.
قال تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 59] .
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 65] .
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 73] .
وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 85] .
وأمر الله تعالى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم أن يقول: (? ? ? ? ?پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [الأنعام: 19] .
وكانت القاعدة العامة في كل ذلك قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 25] .