فهرس الكتاب

الصفحة 1731 من 2431

وأيضًا فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره، فلا يكون ذلك داخلا تحت التكليف وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وأيضا ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لا بد وأن يرجع إلى الله تعالى، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حيا أم صار ميتا، فكان متوقفا فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة» 44.

إن من أسباب الغم إما فوات المحبوب أو توقع فواته، وإما حصول مكروه أو توقع حصوله. والقلوب تتفاوت في الهم والغم كثرة واستمرارًا بحسب ما فيها من الإيمان أو الفسوق والعصيان «فهي على قلبين: قلب هو عرش الرحمن، ففيه النور والحياة والفرح والسرور والبهجة وذخائر الخير، وقلب هو عرش الشيطان، فهناك الضيق والظلمة والموت والحزن والغم والهم. فهو حزين علي ما مضى، مهموم بما يستقبل، مغموم في الحال» 45.

ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) } [المعارج:19 - 21] .

أي: أنه «يحب ما يسره ويهرب مما يكره» 46؛ فإذا فات ما يحبه أو توقع فواته، أو حصل ما يكره أو توقع حصوله حزن.

والناس يتفاوتون في الغموم بتفاوت بواعثهم وأحوالهم وما يحمله كل واحد منهم من المسئوليات.

فمن الغموم التي تدخل في فوات المحبوب أو توقع فواته، غموم سامية، ذات دلالات طيبة؛ كالحزن الذي أشار القرآن الكريم إلى نزوله بالأنبياء بسبب إعراض من يدعونهم إلى الحق وإهلاكهم أنفسهم بالصد والتكذيب كالذي دل عليه قوله عز وجل: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر:8] .

وقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) } [الكهف:6] .

ويلحق بذلك غموم العالم في حل المعضلات التي يحتاج المسلمون فيها إلى جواب، وخصوصًا إذا استعصت المسألة واستغلقت، وكذلك غم إمام المسلمين بمشكلات رعيته. «قال مولى لعمر بن عبد العزيز له حين رجع من جنازة سليمان: مالي أراك مغتمًا؟ فقال عمر: لمثل ما أنا فيه يغتم؛ ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في شرق ولا غرب، إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقه، غير كاتب إلي فيه، ولا طالبه مني» 47.

ومن الغموم الشريفة غم الداعية في نشر الدين وحمل الرسالة، والأخذ بيد المدعو إلى طريق الهداية، وغموم العابد في تصحيح عبادته في القصد والأداء، وغم المسلم بما يصيب إخوانه في أقطار الأرض.

ومن الغموم التي تدخل في حصول مكروه أو توقع حصوله، ما يكون ناشئًا عن المعاصي، كالغموم التي تصيب المذنب بعد ذنبه، مثل الذي يحدث في غم من أصاب دمًا حرامًا، أو غم الزانية بحملها، وهو داخل ضمن عموم المصائب التي هي أثر للمعاصي، قال جل وعلا: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) } [الشورى:30] .

ومن الغموم ما يكون بسبب ظلم الآخرين خاصة الأقرباء، كما قال الشاعر 48:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة

على المرء من وقع الحسام المهند

ولهذا كان الظالمون فتنة وامتحانا للمستضعفين بما ينالهم منهم من أذى نفسي وبدني، كما كانوا هم فتنة للظالمين بأن حملهم كبرهم وظلمهم عن النهي عن الحق والنأي عنه.

قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } [الأنعام:53] .

ومن ذلك الغموم الحاصلة بسبب مصائب الدنيا، كالأمراض المزمنة والخطيرة، وعقوق الأبناء وتسلط الزوجة، واعوجاج الزوج.

ومن الغموم ما يكون بسبب الخوف من المستقبل وما يخبئه الزمان، كغموم الأب بذريته من بعده، وخاصة إذا كانوا ضعفاء وليس لديه ما يخلفه لهم. وهكذا تتنوع الغموم والهموم 49.

ولقد أشار ابن القيم في بعض كتبه إلى هذه الأسباب، فقال: «والفرح لذة تقع في القلب بإدراك المحبوب، ونيل المشتهى، فيتولد من إدراكه حالة تسمى الفرح والسرور، كما أن الحزن والغم من فقد المحبوب، فإذا فقده تولد من فقده حالة تسمى الحزن والغم» 50.

ويقول كذلك: «فالحزن يتولد من مفارقة المحبوب ليس له سبب سواه، وإن تولد من حصول مكروه، فذلك المكروه إنما كان كذلك لما فات به من المحبوب، فلا كان حزن إذا ولا هم ولا غم ولا أذى ولا كرب إلا في مفارقة المحبوب؛ ولهذا كان حزن الفقر والمرض والألم والجهل والخمول والضيق وسوء الحال ونحو ذلك على فراق المحبوب، من المال والوجد والعافية والعلم والسعة وحسن الحال؛ ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى مفارقة المشتهيات من أعظم العقوبات، فقال تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54) } [سبأ:54] .

فالفرح والسرور بالظفر بالمحبوب، والهم والغم والحزن والأسف بفوات المحبوب، فأطيب العيش عيش المحب الواصل إلى محبوبه، وأمر العيش عيش من حيل بينه وبين محبوبه» 51.

وفي هذا المعنى يقول أبو حامد الغزالي: «الغم لا يخلو من أربعة أوجه: إما لشهوة بطنه وفرجه، وإما على ما يخلفه من ماله، وإما على جهله بحاله بعد الموت ومآله، وإما لخوفه على ما قدمه من عصيانه. فإن كان ذلك لشهوة بطنه وفرجه، فهو كمشتهي داء ليقابله بداء مثله، فإن معنى لذة الطعام إزالة ألم الجوع، ولذلك إذا زال الجوع وامتلأت المعدة، كره عين ما اشتهاه، كمن يشتهي القعود في الشمس ليناله الحر، حتى يتلذذ بالرجوع إلى الظل، وكمن يشتهي الحبس في حمام حار، ليدرك لذة ماء الثلج، إذا شربه، وهو عين الرقاعة والخرق. وإن كان ذلك على ما يخلفه من ماله، فهو بجهله بخساسة الدنيا وحقارتها، بالإضافة إلى الملك الكبير والنعيم المقيم الموعود للمتقين.

وإن كان ذلك لجهله بعاقبة أمره بعد الموت، فعليه أن يطلب العلم الحقيقي، الذي يكشف له حال الإنسان بعد موته، كما قال حارثة للنبي صلى الله عليه وسلم: (كأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتلاعنون فيها) 52.

وهذا العلم إنما يحصل بالبحث عن حقيقة النفس وماهيتها، ووجه علاقتها بالبدن، ووجه خاصيتها التي خلقت لها، ووجه التذاذه بخاصيته وكماله، مع معرفة الرذائل المانعة له من كماله، وقد نبه الشرع عليه في مواضع كثيرة، وأمر بالتفكر في النفس، كما أمر بالتفكر في ملكوت السموات والأرض. وإن كان ذلك لما سبق من عصيانه، فلا ينفع الغم فيه، بل المداواة، وهو المبادرة إلى التوبة وإصلاح ما فرط من أمره» 53.

وتلك المعاني التي ذكرها ابن القيم والغزالي دل عليها عموم قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } [الرعد:28] .

ويلزم من ذلك أن العبد إذا أعرض عن ذكر الله أحاطت الغموم بقلبه من كل جانب.

قال ابن الجوزي: «لا يجتمع حب الدنيا وحب الآخرة. رأيت سبب الهموم والغموم الإعراض عن الله عز وجل والإقبال على الدنيا، وكلما فات منها شيء وقع الغم لفواته» 54.

وجاء في بحر الفوائد للكلاباذي: «إن الإنسان إذا أصابه غم، فأحب أن يتسلى بشيء، أو ضاق صدره من أمر، فأراد أن يفرح، أو أصابته وحشة، فأحب إزالتها عنه، ربما يغني، وهو أن ينغم ويرجع صوته لشيء من الشعر والزجل والمنظوم من الكلام، يطلب بذلك راحة وفرحة، مما هو فيه من الوحشة أو الكرب والغم. والأنبياء والرسل وأفاضل الأولياء والصديقون همومهم هم المعاد، وكربهم كرب الدين، ووحشتهم مما دون الله، وضيق صدورهم عما يشغلهم عن الله، فهم لا يتفرحون من كربهم إلا بذكر ربهم، ولا ينسلون عن غمومهم وهمومهم إلا بمولاهم، فيرجعون أصواتهم بقراءة القرآن، الذي من محبوبهم بدأ وإليه يعود، وبخشيته من قلوبهم، ورقة من أفواه أفئدتهم، ويزان محبته بين ضلوعهم، وماء الاشتياق يجري على خدودهم، فتحسن لذلك أصواتهم؛ لأن حسن الصوت بالقرآن هو قراءته على خشية من الله» 55.

خلق الله العباد وجعلهم يبتلون ويمتحنون ليميز الخبيث من الطيب، وليعلم المجاهدين والصابرين ومن يخافه بالغيب، وليختبرهم أيهم أحسن عملا؛ فالخير والشر يصيب الناس جميعًا في هذه الحياة الدنيا ليس يسلم منه أحد.

قال سبحانه وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) } [الأنبياء:35] .

فقوله جل وعلا: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} : «يشمل سائر نفوس الخلائق، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد المدى، وعمر سنين، ولكن الله تعالى أوجد عباده في الدنيا، وأمرهم، ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو.

{وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} فنجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46] » 56.

وهذا كقوله سبحانه: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) } [البقرة:155 - 156] .

«أي: لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، إن كان في دينه صلابة زيد في البلاء» 57.

ومن الابتلاء بالشر ما يصيب المؤمنين من غم بسبب ما ينالهم من أذى على ألسنة المشركين كما قال سبحانه: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) } [آل عمران:186] .

و «هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته والمعنى: لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء بالإنفاق في سبيل الله وسائر تكاليف الشرع. والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب. وبدأ بذكر الأموال لكثرة المصائب بها» 58.

و «اللام لام القسم تقديره والله لتبلون أي لتختبرن فتوقع عليكم المحن ليعلم المؤمن من غيره. والاختبار طلب المعرفة ليعرف الجيد من الرديء وذلك في وصف الله محال لأن الله تعالى عالم بحقائق الأشياء كلها قبل أن يخلقها فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف الله تعالى أنه يعامل العبد معاملة المختبر {فِي أَمْوَالِكُمْ} يعني بالابتلاء في الأموال بالنقصان منها وقيل بأداء ما فرض فيها من الحقوق، {وَأَنْفُسِكُمْ} : يعني بالمصائب والأمراض والقتل وفقد الأقارب والعشائر خوطب بهذه الآية المسلمون ليوطنوا أنفسهم على احتمال الأذى وما سيلقون من الشدائد والمصائب ليصبروا على ذلك حتى إذ لقوها لقوها وهم مستعدون بالصبر لها لا يرهقهم ما يرهق غيرهم ممن تصيبه الشدة بغتة فينكرها ويشمئز منها» 59.

وأما الأذى المنصوص عليه في الآية فهو ما يصيب المؤمنين من الغم والحزن بسبب ما ينالهم من استهزاء وسب وتشكيك واستخفاف بهم وبدينهم على ألسنة المشركين، كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) } [البقرة:212] .

وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) } [المطففين:29 - 32] .

«وهو الضر بالقول كقوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران:111] .

ولذلك وصفه هنا بالكثير، أي الخارج عن الحد الذي تحتمله النفوس غالبا، وكل ذلك مما يفضي إلى الفشل، فأمرهم الله بالصبر على ذلك حتى يحصل لهم النصر، وأمرهم بالتقوى أي الدوام على أمور الإيمان والإقبال على بثه وتأييده» 60.

وعطف «الأذى الكثير» في الآية على البلاء في الأموال والأنفس يدل على أنه جزء من البلاء الذي يقصد منه التمحيص ورفع منزلة العبد عند الله وتطهيره من الذنوب والآثام، وقد وقع ذلك صريحا في ما روى البخاري بسنده من طريق عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه) 61.

و «أصل المصيبة الرمية بالسهم ثم استعملت في كل نازلة.

وقال الراغب: أصاب يستعمل في الخير والشر قال الله تعالى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} [التوبة:50] الآية.

قال: وقيل الإصابة في الخير مأخوذة من الصوب: وهو المطر الذي ينزل بقدر الحاجة من غير ضرر، وفي الشر مأخوذة من إصابة السهم 62.

وقال الكرماني: المصيبة في اللغة: ما ينزل بالإنسان مطلقا، وفي العرف: ما نزل به من مكروه خاصة وهو المراد هنا» 63.

و «الوصب: الوجع اللازم ومنه قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} [الصافات:9] .

أي: لازم ثابت. والنصب: التعب وقد نصب ينصب نصبا -كفرح يفرح فرحا-، ونصبه غيره وأنصبه لغتان» 64.

والمعنى: « (ما يصيب المسلم من نصب) تعب (ولا وصب) مرض أو مرض دائم ملازم (ولا هم) بفتح الهاء وتشديد الميم (ولا حَزَن) بفتحتين، ولغير أبي ذر (ولا حُزْن) بضم فسكون، هما من أمراض الباطن، ولذلك ساغ عطفهما على الوصب.

وقيل الهم يختص بما هو آت والحزن بما مضى (ولا أذى) يلحقه من تعدي الغير عليه (ولا غم) -بالغين المعجمة- وهو ما يضيق على القلب، وقيل: إن الهم ينشأ عن الفكر فيما يتوقع حصوله مما يتأذى به والحزن يحدث لفقد ما يشق على المرء فقده والغم كرب يحدث للقلب بسبب ما حصل. وقال المظهري: الغم الحزن الذي يغم الرجل، أي: يصيره بحيث يقرب أن يغمى عليه والحزن أسهل منه» 65.

وظاهر الحديث أن الله سبحانه وتعالى يحط عن المؤمن ذنوبه بسبب ما يصيبه من هم وتعب وأذى ومصائب وهو ما رجحه ابن حجر فقال: «وفي هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح فإن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منها، بل الأجر على الصبر والرضا.

ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد حصول المصيبة، وأما الصبر والرضا فقدر زائد يمكن أن يثاب عليهما زيادة على ثواب المصيبة. قال القرافي المصائب كفارات جزما سواء اقترن بها الرضا أم لا لكن إن اقترن بها الرضا عظم التكفير وإلا قل، -كذا قال- والتحقيق أن المصيبة كفارة لذنب يوازيها وبالرضا يؤجر على ذلك، فإن لم يكن للمصاب ذنب عوض عن ذلك من الثواب بما يوازيه. وزعم القرافي أنه لا يجوز لأحد أن يقول للمصاب جعل الله هذه المصيبة كفارة لذنبك لأن الشارع قد جعلها كفارة فسؤال التكفير طلب لتحصيل الحاصل وهو إساءة أدب على الشارع -كذا قال-، وتعقب بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له، وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء وأما ما ورد فهو مشروع ليثاب من امتثل الأمر فيه على ذلك» 66.

وقال في إرشاد الساري: «وفيه رد على قول القائل إن الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصائب ليست منه بل الأجر على الصبر عليها والرضا بها، فإن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الثواب بمجرد حصولها، وأما الصبر والرضا فقدر زائد لكن الثواب عليه زيادة على ثواب المصيبة» 67.

فهذه النصوص القرآنية وما يسندها من الأحاديث النبوية تدل على أن الغم قد يكون بلاء يبتلى به المؤمن ترفع به درجاته وتحط عنه بها سيئاته ويعظم به أجره.

غير أن النصوص القرآنية قد دلت أيضا على أن كل شر يصيب العبد سببه شيء كسبته يداه، قال جل وعلا: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) } [الشورى:30] .

ففي هذه الآية: «يقول تعالى ذكره: وما يصيبكم أيها الناس من مصيبة في الدنيا في أنفسكم وأهليكم وأموالكم {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} يقول: فإنما يصيبكم ذلك عقوبة من الله لكم بما اجترمتم من الآثام فيما بينكم وبين ربكم ويعفو لكم ربكم عن كثير من إجرامكم، فلا يعاقبكم بها» 68.

ولا ريب في أن الهم من هذه المصائب، وهو أثر لها أيضًا؛ فإن الإنسان يصيبه الهم والحزن لما يحل به من بلاء ومصائب.

وعن أبي قلابة، قال: نزلت: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة:7 - 8] .

وأبو بكر رضي الله عنه يأكل، فأمسك فقال: (يا رسول الله إني لراء ما عملت من خير أو شر؟ فقال:(أرأيت ما رأيت مما تكره فهو من مثاقيل ذر الشر، وتدخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة) ، قال: قال أبو إدريس: فأرى مصداقها في كتاب الله، قال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} » 69.

وعن ابن عباس قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} . الآية، قال: «يعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم ولا يؤاخذون بها في الآخرة» 70.

وظاهر هذه النصوص أن المصائب عقوبات على الذنوب والمعاصي والآثام.

قال ابن عطية: «وأما معنى الآية فاختلف الناس فيه، فقالت فرقة: هي إخبار من الله تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا إنما هي مجازاة من الله تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأن الله تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر» 71.

وقال عمران بن حصين -وقد سئل عن مرضه-: إن أحبه إلي أحبه إلي الله، وهذا بما كسبت يداي، وعفو ربي كثير. وقال مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت: ما هذا؟ قال هذا بما كسبت يدي {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ، وقيل لأبي سليمان الداراني: ما بال الفضلاء لا يلومون من أساء إليهم؟ فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم. وروي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله أكرم من أن يثني على عبده العقوبة إذا أصابته في الدنيا بما كسبت يداه) 72.

وقال الحسن بن أبي الحسن، معنى الآية في الحدود: أي ما أصابكم من حد من حدود الله، وتلك مصائب تنزل بشخص الإنسان ونفسه، فإنما هي بكسب أيديكم ويعفوا عن كثيرٍ، فستره على العبد حتى لا يحد عليه» 73.

ومن هذا الباب أيضًا قوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) } [النساء:123 - 124] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت