فهرس الكتاب

الصفحة 2121 من 2431

وإذا كان كذلك فقد باءوا بأخسر الحظين لما رضوا بعدم مؤاخذته إياهم على أن يصيبهم حظ المؤمنين منه، فـ «المعنى هو أذن خير يسمع آيات الله تعالى ودلائله فيصدقها ويسمع قول المؤمنين فيسلمه لهم ويصدقهم به، وهو تعريض بأن المنافقين أذن شر يسمعون آيات الله تعالى ولا ينتفعون بها ويسمعون قول المؤمنين ولا يقبلونه، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يسمع قولهم إلا شفقة عليهم لا أنه يقبله لعدم تمييزه عليه الصلاة والسلام كما زعموا» 167.

وكل هذه الأخلاق والطباع الطيبة تعكس نفسا عظيمة وقلبا رحيما حريصا على كل مؤمن رؤوفا به مشفقا عليه، ولذلك كانت منزلته صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين عالية رفيعة؛ فكان أحب إليهم من أنفسهم وأهليهم والناس أجمعين، وكانت منزلته عند آله أعظم وأرفع.

أولًا: منزلته في الدنيا:

أعلى الله قدر نبيه صلى الله عليه وسلم فشرح صدره ورفع ذكره {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) } [الشرح:1 - 4] .

فأما شرح صدره فهو تنويره وتوسيعه بمعنى: «نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا كقوله: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام:125] .

وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سمحا سهلا لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق» 168.

وفي رفع ذكره صلى الله عليه وسلم: «خمسة أقوال:

أحدها: ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عن هذه الآية، فقال: (قال الله عز وجل: إذا ذكرت ذكرت معي) . قال قتادة: فليس خطيب، ولا متشهدٌ، ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وهذا قول الجمهور.

والثاني: رفعنا لك ذكرك بالنبوة، قاله يحيى بن سلام.

والثالث: رفعنا لك ذكرك في الآخرة كما رفعناه في الدنيا، حكاه الماوردي.

والرابع: رفعنا لك ذكرك عند الملائكة في السماء.

والخامس: بأخذ الميثاق لك على الأنبياء، وإلزامهم الإيمان بك، والإقرار بفضلك» 169.

وهذه الأقوال، رغم كونها متعددة، فليس بينها تعارض، فرفع ذكره في الأذان والصلاة والتشهد ونحوها لا ينافي رفع ذكره بأخذ الميثاق على الأنبياء من قبل أو عند الملائكة أو غيرها.

وفي مقابل رفع ذكره صلى الله عليه وسلم، جعل الله مبغضه منقطع الذكر لا يذكر إلا بسوء {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) } [الكوثر:3] .

و «الشانئ: هو المبغض، وهو الشنآن بمعنى: العداوة، ونزلت هذه الآية في العاصي بن وائل، وقيل: في أبي جهل على وجه الرد عليه إذ قال: إن محمدا أبتر أي: لا ولد له ذكر، فإذا مات استرحنا منه وانقطع أمره بموته، فأخبر الله أن هذا الكافر هو الأبتر وإن كان له أولاد لأنه مبتور من رحمة الله أي: مقطوع عنها، ولأنه لا يذكر إذا ذكر إلا باللعنة بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذكره خالد إلى آخر الدهر، مرفوع على المنابر والصوامع مقرون بذكر الله، والمؤمنون من زمانه إلى يوم القيامة أتباعه فهو كوالدهم» 170.

ولرفعة قدره صلى الله عليه وسلم ما كان يسمى في القرآن إلا بأوصاف المدح وعلى رأسها النبي والرسول، قال القاضي عياض: «ومما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم، فقال: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا داود، يا عيسى، يا زكريا، يا يحيى، ولم يخاطب هو إلا: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر» 171.

ثم إن القرآن الكريم نهى المؤمنين عن أن ينادوه بالصفة التي ينادي بعضهم بها بعضا، وصورته أن ينادوه باسمه أو بالصفة التي يدعو بها الرجل مثله، فقال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63] : أي: «لا تسموه إذا دعوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبد الله، ولكن شرفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله» 172. وهو المعنى ذاته المنصوص عليه في قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) } [الحجرات:2] .

بمعنى: «ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضا: يا محمد، يا محمد، يا نبي الله، يا نبي الله، يا رسول الله» 173، وعلة النهي عن ذلك ما يتضمن من «عدم المبالاة وقلة الاحترام» 174.

وقد تضمنت الآية شيئًا آخر، وهو نهيهم عن أن يرفعوا أصواتهم في حضرته فتعلو على صوته ولو بغير قصد تعظيما واحتراما؛ فالنهي الأول عن رفع الأصوات والجهر بها في حضرته صلى الله عليه وسلم حتى لا تعلو على صوته، «وقوله: {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} نهي عن جهر آخر وهو الجهر بالصوت عند خطابهم الرسول صلى الله عليه وسلم لوجوب التغاير بين مقتضى قوله: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} ومقتضى {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ} . واللام في له لتعدية «تجهروا» لأن «تجهروا» في معنى: تقولوا، فدلت اللام على أن هذا الجهر يتعلق بمخاطبته، وزاده وضوحا التشبيه في قوله: {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} » 175.

ثم أكدت الآية على عظم إتيان هذين المنهيين بالنص على أن عاقبة ذلك حبوط العمل: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} ، «والحبط: تمثيل لعدم الانتفاع بالأعمال الصالحة بسبب ما يطرأ عليها من الكفر، مأخوذ من حبطت الإبل إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها وتعتل وربما هلكت» 176.

وقد وقع النهيان السابقان على جهة تعريف المؤمنين بقدره صلى الله عليه وسلم ومنزلته عند الله التي توجب له التوقير والتقدير «ولم يكن الرفع والجهر إلا ما كان في طباعهم، لا أنه مقصود بذلك الاستخفاف والاستعلاء، لأنه كان يكون فعلهم ذلك كفرا» 177.

ولقد أعلن القرآن الكريم أن المتأدبين في حضرته صلى الله عليه وسلم هم المتقون: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) } [الحجرات:3] .

وهم الذين «يخفضون أصواتهم عنده إذا تكلموا إجلالا له، أو كلموا غيره بين يديه إجلالا له والامتحان افتعال من محنت الأديم محنا حتى أوسعته. فمعنى {امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} وسعها وشرحها للتقوى» 178.

ونص على أن الموقرين له هم المفلحون.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) } [الأعراف:157] .

ومعنى {وَعَزَّرُوهُ} : «وقروه وعظموه، وأصل التعزير: المنع والنصرة وتعزير النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله ودفع الأعداء عنه وهو قوله: {وَنَصَرُوهُ} : يعني على أعدائه {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} : يعني: القرآن؛ سمي القرآن نورا لأن به يستنير قلب المؤمن فيخرج به من ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين والعلم {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} يعني: هم الناجون الفائزون بالهداية» 179.

ولقد أقسم الله سبحانه وتعالى بنبيه صلى الله عليه وسلم إعلاء لقدره فقال: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) } [الحجر:72] .

«و «العَمْر» و «العُمْر» بفتح العين وضمها واحد، وهما مدة الحياة، ولا يستعمل في القسم إلا بالفتح، وفي هذه الآية شرف لمحمد عليه السلام لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك مع بشر سواه» 180.

قال القاضي عياض: «اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم، وأصله ضم العين من العمر ولكنها فتحت لكثرة الاستعمال، ومعناه: وبقائك يا محمد، وقيل وعيشك، وقيل: وحياتك، وهذه نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما خلق الله تعالى وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره، وقال أبو الجوزاء: ما أقسم الله تعالى بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده» 181.

وحين استطاب بعض الغافلين المكوث في بيته صلى الله عليه وسلم نزل القرآن ينبههم على أنه قد استحيى منهم ويأمرهم بالفطنة في التعامل معه حتى لا يصيبه منهم أذى وهم لا يشعرون -كما تقدم-، ونزل في ذلك قوله جل وعلا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) } [الأحزاب:53 - 54] .

ومن العجيب أن القرآن الكريم قد منع عن المؤمنين كل ما من شأنه أن يصيبه صلى الله عليه وسلم بأذى مهما قل ولو كان مجرد التفكير في تزوج نسائه من بعده، وهو مدلول قوله سبحانه: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} .

ومن شواهد رفعة منزلته عند الله عز وجل أنه إذا اجتهد عليه الصلاة والسلام في شيء فجانب فيه الصواب، صحح القرآن الكريم ذلك بأرق أسلوب على نفسه؛ فلما اعتذر إليه المنافقون مرجعه من غزوة العسرة وقبل أعذارهم من غير تشديد عليهم أو تمحيص نزل عليه قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) } [التوبة:43] .

ولعل أحدًا يظن «أن النبي صلى الله عليه وسلم معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان مخيرا، فلما أذن لهم أعلمه الله تعالى أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم» 182.

والآية ملأى بإشارات الإكرام والرفعة له عليه الصلاة والسلام، فـ «افتتاح العتاب بالإعلام بالعفو إكرام عظيم، ولطافة شريفة، فأخبره بالعفو قبل أن يباشره بالعتاب. وفي هذا الافتتاح كناية عن خفة موجب العتاب لأنه بمنزلة أن يقال: ما كان ينبغي، وتسمية الصفح عن ذلك عفوا ناظر إلى مغزى قول أهل الحقيقة: حسنات الأبرار سيئات المقربين. وألقي إليه العتاب بصيغة الاستفهام عن العلة إيماء إلى أنه ما أذن لهم إلا لسبب تأوله، ورجا منه الصلاح على الجملة بحيث يسأل عن مثله في استعمال السؤال من سائل يطلب العلم؛ وهذا من صيغ التلطف في الإنكار أو اللوم، بأن يظهر المنكر نفسه كالسائل عن العلة التي خفيت عليه، ثم أعقبه بأن ترك الإذن كان أجدر بتبيين حالهم، وهو غرض آخر لم يتعلق به قصد النبيء صلى الله عليه وسلم» 183.

قال عياض: «وفي هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب، ومن إكرامه إياه وبره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب» 184.

ومن هذا الباب عتابه بضمير الغائب في قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) } [عبس:1 - 2] .

فإن ذلك أخف وقعا في النفس من الخطاب المباشر، وصورته قول العبد الصالح لنبي الله موسى عليه السلام: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) } [الكهف:72] .

بصيغة ما لم يسم فاعله أولًا، ثم شدد عليه بعد ذلك لما تكرر منه السؤال فـ {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) } [الكهف:75] .

بصيغة الخطاب المباشر.

ومن هذا الباب قوله تعالى كذلك: {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) } [الإسراء:74] .

جاء في الشفا: «قال بعض المتكلمين: عاتب الله الأنبياء صلوات اللهم عليهم بعد الزلات، وعاتب نبينا صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه، ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية، ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه وخيف أن يركن إليه. ففي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه تأمينه وكرامته» 185.

ومن ذلك صلاته سبحانه عليه وأمره المؤمنين بذلك: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) } [الأحزاب:56] .

وصلاة الله تعالى إما رحمته، أو مغفرته، أو ثناؤه، أو كرامته، أو بركته. وأما صلاة الملائكة فهي إما دعاؤهم، أو استغفارهم 186.

ومن ذلك أيضا أخذه سبحانه العهد على الأنبياء أن يؤمنوا به، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) } [آل عمران:81 - 83] .

فـ «معنى الآية أن الله أخذ العهد والميثاق، على كل نبي أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه واله وسلم، وينصره إن أدركه، وتضمن ذلك أخذ هذا الميثاق على أمم الأنبياء» 187.

ومع رفعة منزلته صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا، فقد جعل الله له الوسيلة والمقام المحمود والكوثر يوم القيامة.

ثانيًا: منزلته يوم القيامة:

نص القرآن الكريم على أنه سبحانه وتعالى قد أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم الكوثر وأنه عسى أن يبعثه مقامًا محمودًا.

فأما الكوثر فقد ورد في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) } [الكوثر:1 - 3] .

والكوثر مشتق من الكثرة، قال القرطبي: «الكوثر: فوعل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، والجوهر من الجهر. والعرب تسمي كل شي كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا. قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت بكوثر، أي بمال كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير» 188.

وقد ذكر في مدلوله معنيان أحدهما أعم من الآخر، فأما المعنى الأخص فهو أن الكوثر: حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؛ وهو حوض ماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل من شرب منه شربة لم يظمأ حتى يدخل الجنة، حافتاه من الذهب وقباب الدر المجوف، وطينته المسك، ومجراه على اللؤلؤ والزبرجد، وعليه آنية بعدد نجوم السماء، ويطعم وارده من طير أعناقها كأعناق الإبل.

قال البخاري في كتاب الرقاق: «باب في الحوض وقول الله تعالى: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ، وقال عبد الله بن زيد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصبروا حتى تلقوني على الحوض) » 189. وترجمة الباب هذه تدل على أن البخاري رحمه الله يعتبر الحوض هو الكوثر أو من الكوثر.

ثم روى عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو طيبه - مسك أذفر) 190.

ومن حديث عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا) 191.

وأما مسلم فإنه أخرج من رواية أنس ما يدل على اقتران تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للحوض بالكوثر عند نزول السورة، قال: «عن أنس، قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال:(أنزلت علي آنفا سورة) فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) } ، ثم قال: (أتدرون ما الكوثر؟) فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب، إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك) 192. وفي هذه الرواية دلالة على سبب تسميته بالكوثر وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (عليه خير كثير) .

وأما أكثر الروايات تفصيلا في وصف الحوض فقد رواها الترمذي عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج) 193.

وعند أحمد زيادة وهي أن عليه طيورا أعناقها كأعناق الإبل، وهو ما روى بسنده عن أنس: (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الكوثر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:) هو نهر أعطانيه الله في الجنة، أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر)، فقال عمر بن الخطاب: إنها لناعمة يا رسول الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آكلوها أنعم منها) 194.

فهذه الروايات كلها تنص على أن الحوض هو الكوثر، غير أن ابن عباس رضي الله عنهما قد جعله من الكوثر، غير قاصر لمعنى الكوثر على الحوض فقط. روى البخاري من طريق أبي بشر، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: «الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه» . قال أبو بشر: قلت لسعيد: إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: «النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه» 195. فعلى هذا فحوض النبي صلى الله عليه وسلم من الكوثر، وليس هو كل الكوثر.

وقد أوصل القرطبي مجموع الأقوال في معنى الكوثر إلى ستة عشر قولًا 196:

أولها: أنه نهر في الجنة.

والثاني: الحوض.

والثالث: أن الكوثر النبوة والكتاب.

والرابع: القرآن.

والخامس: الإسلام.

والسادس: تيسير القرآن وتخفيف الشرائع.

والسابع: كثرة الأصحاب والأمة والأشياع.

والثامن: الإيثار.

والتاسع: رفعة الذكر.

والعاشر: أنه نور في قلبه صلى الله عليه وسلم دله على ربه، وقطعه عما سواه.

الحادي عشر: الشفاعة.

الثاني عشر: معجزات الرب هدي بها أهل الإجابة لدعوتك.

الثالث عشر: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

الرابع عشر: الفقه في الدين.

الخامس عشر: الصلوات الخمس.

السادس عشر: هو العظيم من الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت