يقول القرطبي: «يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسان منه وإنعام» 44.
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 14] .
ومعنى قوله تعالى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم، وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر، وهو كل نهر ملحًا ماؤه أو عذبا (لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا) وهو السمك الذي يصطاد منه، (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا) وهو اللؤلؤ والمرجان 45.
قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ? وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ?32?) [إبراهيم: 32] .
وسخر لكم الأنهار، أي: ذَللّها، تجري حيث تريدون، وتركبون فيها حيث تشاؤون 46.
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ? إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحج: 65] .
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ? وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ?) [لقمان: 20] .
يقول القرطبي: «ذكر نعمه على بني آدم، وأنه سخر لهم (مَا فِي السَّمَاوَاتِ) من شمس وقمر ونجوم وملائكة تحوطهم وتجر إليهم منافعهم. (وَمَا فِي الْأَرْضِ) عام في الجبال والأشجار والثمار وما لا يحصى. (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) أي: أكملها وأتمها» 47.
مما سبق يتبين أن نعمة التسخير هي من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الناس.
ثالثًا: الإرشاد والتبيين
إن الله تعالى قد أخذ العهد من الخلق وهم في عالم الذر أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا.
يقول تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ? قَالُوا بَلَى? ? شَهِدْنَا ? أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَ?ذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 172] .
تجلت رحمة الله وعظمته، وفضله على الناس بتذكيرهم، بعهدهم الأول مع الله، بالإرشاد، وتبينهم لهذا العهد من خلال إرسال الرسل.
ويقول تعالى: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ? وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ? وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ? وَكَفَى? بِاللَّهِ شَهِيدًا) [النساء: 79] .
يبين الله تعالى في الآية السابقة أنه أرسل الرسل للناس، وذلك لأن مهمة الرسل إرشاد الناس إلى الصراط المستقيم، ويعني بقوله جل ثناؤه: (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) ، إنما جعلناك يا محمد رسولًا بيننا وبين الخلق، تبلغهم ما أرسلناك به من رسالة، وليس عليك غير البلاغ وأداء الرسالة إلى من أرسلت، فإن قبلوا ما أرسلت به فلأنفسهم، وإن ردوا فعليها، وهو مجازيك ببلاغك ما وعدك، ومجازيهم ما عملوا من خير وشر، جزاء المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته 48، وقوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ?158?) [الأعراف: 158] .
يقول تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ? وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [النساء: 105] .
يقول الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ?) إنا أنزلنا إليك يا محمد (الْكِتَابَ) ، يعني: القرآن (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) ، لتقضي بين الناس فتفصل بينهم (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) 49.
يقول تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ? فَمَنِ اهْتَدَى? فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ? وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ? وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) [يونس: 108] .
يقول تعالى آمرًا لرسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ومن ضل عنه، فإنما يرجع وبال ذلك عليه 50.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57] .
في هذه الآية يذكر القرطبي رحمه الله أن الموعظة هنا بمعنى الوعظ وهذه المواعظ والحكم جاءت من القرآن الكريم 51.
إن رحمة الله بعباده تظهر بإرسال الرسل، وإنزال الكتب ليبين للناس طريق الهدى، وإن التبيين جاء في كتاب الله تعالى لغرس التقوى، وتذكير الناس بواجباتهم وعهودهم مع الله تعالى: (كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [البقرة: 187] .
وطرق التبيين في كتاب الله عديدة منها:
يقول تعالى: (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ? وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44] .
يقول الشعراوي: ومن هنا سمينا الكتب المنزلة ذكرًا، لكن الذكر يأتي تدريجيًّا وعلى مراحل، كل رسول يأتي ليذكر قومه على حسب ما لديهم من غفلة، وإذا أطلقت كلمة الذكر انصرفت إلى ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الكتاب الجامع لكل ما نزل على الرسل السابقين، ولكل ما تحتاج إليه البشرية إلى أن تقوم الساعة.
كما أن كلمة كتاب تطلق على أي كتاب، لكنها إذا جاءت بالتعريف (الكتاب) انصرفت إلى القرآن الكريم، وهذا ما نسميه (علم بالغلبة) فجاء القرآن بالأصول الثابتة، وترك للرسول صلى الله عليه وسلم مهمة أن يبينه للناس، ويشرحه ويوضح ما فيه 52.
يقول تعالى: (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى? أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ? أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ) [إبراهيم: 44] .
ويقول تعالى: (هَ?ذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [إبراهيم: 52] .
تُبَيِّنُ لنا الآيات السابقة أن الإنذار والبلاغ من الأشياء المبينة لمنهج الله ودعوته، فقوله تعالى: (هَ?ذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ) .
يقول الطبري رحمه الله: هذا القرآن بلاغ للناس، أبلغ الله به إليهم في الحجة عليهم، وأعذر إليهم بما أنزل فيه من مواعظه وعبره (وَلِيُنذَرُوا بِهِ) يقول: وليُنذروا عقاب الله، ويحذروا به نقماته، أنزله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم 53.
وهذا القرآن بلاغ للناس، أي: هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجان 54.
يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ? إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ? وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ? ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ?73?) [الحج: 73] .
وضرب المثل أسلوب من أساليب القرآن للبيان والتوضيح وتقريب المسائل إلى الأفهام، ففي موضع آخر يقول سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ?) [البقرة: 26] .
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) [الحج: 73] .
فهذا كثير في كتاب الله، والمثل يضرب ليُجَلِّي حقيقة، والضرب هنا لا يعني إحداث أثر ضار بالمضروب، إنما إحداث أثر نافع إيجابي 55.
وتبين الآية السابقة هذا المثل الذي ضربه الله لقبح عبادة الأوثان، وبيان نقصان عقول من عبدها، وضعف الجميع، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هذا خطاب للمؤمنين والكفار: المؤمنون يزدادون علمًا وبصيرة، والكافرون تقوم عليهم الحجة.
(ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) أي: ألقوا إليه أسماعكم، وتفهموا ما احتوى عليه، ولا يصادف منكم قلوبًا لاهية، وأسماعًا معرضة، بل ألقوا إليه القلوب والأسماع.
وهو هذا: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) شمل كل ما يدعى من دون الله، (لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا) الذي هو من أحقر المخلوقات وأخسها، فليس في قدرتهم خلق هذا المخلوق الضعيف، فما فوقه من باب أولى.
(وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) بل أبلغ من ذلك (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ) ? وهذا غاية ما يصير من العجز (ضَعُفَ الطَّالِبُ) الذي هو المعبود دون الله (وَالْمَطْلُوبُ) الذي هو الذباب، فكل منهما ضعيف، وأضعف منهما من يتعلق بهذا الضعيف وينزله منزلة رب العالمين 56.
إن الله خالق الخلق، فكان منهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر.
قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ? وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) [هود: 118] .
والناس أصناف ثلاثة، منهم: المؤمنون وهم أحباب الله تعالى، ومنهم الكافرون، ومنهم المنافقون.
أولًا: المؤمنون:
وردت لفظة الناس في كتاب الله تعالى مرات عديدة، ولها وجوه ومعاني مختلفة، فقد جاءت بمعنى المؤمنين على النحو الآتي:
قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ? أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَ?كِنْ لَا يَعْلَمُونَ) [البقرة: 13] .
يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين وصفهم الله ونعتهم بأنهم يقولون: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 8] .
صدقوا بمحمد وبما جاء به من عند الله، كما صدق به الناس. ويعني بالناس المؤمنين الذين آمنوا بمحمد ونبوته وما جاء به من عند الله 57.
قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ? وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ? فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ? وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?213?) [البقرة: 213] .
وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ? وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ?19?) [يونس: 19] .
قال تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ ? فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى? عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى? مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ? وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?48?) [الأنفال: 48] .
ونظر عدو الله إلى جنود الله من الملائكة قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين على عدوهم 58.
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ?207? [البقرة: 207] .
والمعنى ومن الناس من يبذل نفسه للهلاك ابتغاء مرضاة الله، أي: هلاكًا في نصر الدين وهذا أعلى درجات الإيمان؛ لأن النفس أغلى ما عند الإنسان 59.
قال تعالى: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ? وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ?97?) [آل عمران: 97] .
وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور 60، فحج المسلمون وقعد الكفار، ثم تمم الله ذلك بقوله: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) 61، وقوله تعالى: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين) بمفهوم المخالفة أن من آمن هو الذي يحج بيت الله.
قال تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَ?ذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ?68? [آل عمران: 68] .
وهم المؤمنون 62، ويخبر الله تعالى أن أولى الناس به، محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وأتباع الخليل قبل محمد صلى الله عليه وسلم 63.
ثانيًا: المنافقون
وهذا صنف أشد خطرًا على الأمة الإسلامية من الكفار، فهو صنف يظهر الإسلام، ويبطن الكفر ويصعب على المسلمين تمييزه، وقد وردت كلمة الناس في هذا المعنى في كتاب الله تعالى، ومنها:
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ?8?) [البقرة: 8] .
قال الطبري: وأجمع جميع أهل التأويل على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه الصفة صفتهم 64.
قال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ? قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ? يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [البقرة: 142] .
سيقول الجهال من الناس، وهم اليهود وأهل النفاق، وإنما سماهم الله عز وجل سفهاء؛ لأنهم سفهوا الحق، فتجاهلت أحبار اليهود، وتعاظمت جهالتهم وأهل الغباء منهم، عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل، وتحير المنافقون فتبلدوا 65.
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى? مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ?204?) [البقرة: 204] .
نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب، وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم 66.
ثالثًا: الكافرون
وهذا صنف من الناس قد أعلن عداوته للمسلمين وجاهر بها، وإن كان خطيرًا فهو أقل خطرًا من المنافقين لمعرفة المسلمين به، وقد وردت لفظة الناس بهذا المعنى في عدة مواطن من كتاب الله تعالى منها:
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ? وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165 ) ) [البقرة:16] .
يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي: أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه 67، تبين هذه الآية أن سبب الكفر هو اتخاذ الأنداد من دون الله تعالى، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خَلَقكَ) 68.
يقول تعالى: (ں ںفَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ? فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ(200 ) ) [البقرة: 200] .
يعني بذلك جل ثناؤه: فإذا قضيتم مناسككم أيها المؤمنون فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا، وارغبوا إليه فيما لديه من خير الدنيا والآخرة بابتهال وتمسكن، واجعلوا أعمالكم لوجهه خالصًا ولطلب مرضاته، وقولوا: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201] .
تبين لنا الآيات صنفين من الناس في الدعاء فيحذرنا الله تعالى أن نكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فكانت أعمالهم للدنيا وزينتها، فلا يسألون ربهم إلا متاعها، ولا حظ لهم في ثواب الله، ولا نصيب لهم في جناته وكريم ما أعد لأوليائه 69، وتوضح الآيات أن المقسم إلى الفريقين جميع الناس من المسلمين والمشركين؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير الحج على المشركين بآية براءة، فيتعين أن المراد بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم المشركون؛ لأن المسلمين لا يهملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة، فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين، فإنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة 70.
قال تعالى: (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) [الأحقاف: 6] .
وإذا جمع الناس يوم القيامة لموقف الحساب، كانت هذه الآلهة التي يدعونها في الدنيا لهم أعداء، لأنهم يتبرؤون منهم (وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) ومعنى قوله تعالى ذكره: وكانت آلهتهم التي يعبدونها في الدنيا بعبادتهم جاحدين، لأنهم يقولون يوم القيامة: ما أمرناهم بعبادتنا، ولا شعرنا بعبادتهم إيانا، تبرأنا إليك منهم يا ربنا 71.
قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ?3?) [الحج:3] .
يقول تعالى ذامًّا لمن كذب بالبعث، وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، مُعْرِضًا عما أنزل الله على أنبيائه، متبعًا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد من الإنس والجن، وهذا حال أهل الضلال والبدع المعرضين عن الحق المتبعين للباطل؛ يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء 72، والآية نزلت في النضر بن الحارث الذي قال: إن الله عز وجل غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد ترابا 73.
إن من رحمة الله تعالى بخلقه أنه جعل لكل مخلوق من مخلوقاته صفات يتميز بها عن غيره، فصفات الإنسان تختلف عن صفات الحيوان، والنبات والجن وغيره من المخلوقات، والناس رغم اتفاقهم في كثير من الصفات إلا أنهم مختلفون في بعض منها، وللناس صفات فطرية، وأخرى مكتسبة، وهي على النحو الآتي:
أولًا: الصفات الفطرية
قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 30] .
صنعة الله التي خلق الناس عليها، أي: فطر الله الناس على ذلك فطرةً، والمقصود بالفطرة هو الإسلام مذ خلقهم الله من آدم جميعا 74.
وقد أخرج الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل مولودٍ يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء؟) 75.
قال تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى? آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ?115? [طه: 115] .
ولقد وصينا آدم وأمرناه، وعهدنا إليه عهدا ليقوم به فالتزمه وأذعن له وانقاد وعزم على القيام به، ومع ذلك نسي ما أمر به وانتقضت عزيمته المحكمة، فجرى عليه ما جرى، فصار عبرة لذريته، وصارت طبائعهم مثل طبيعته، نسي آدمُ فنسيت ذُرِّيَّتُه، وخَطِئَ فَخَطِئوا، ولم يثبت على العزم المؤكد، وهم كذلك، وبادر بالتوبة من خطيئته، وأقر بها واعترف، فغُفِرَتْ له 76، ومن المعلوم أن آدم عليه السلام هو أبو الناس والبشر جميعًا.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ? إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13] .
وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ? وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ?1?) [النساء: 1] .
ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام، وأنه خلق منه زوجه حواء، ثم انتشر الناس منهما 77، والخبر في قوله: (خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) مستعمل كناية عن المساواة في أصل النوع الإنساني ليتوصل من ذلك إلى إرادة اكتساب الفضائل والمزايا التي ترفع بعض الناس على بعض 78.
قال تعالى: (ں وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِين [الروم: 22] .
الألسنة: اللغات، أو أجناس النطق وأشكاله، خالف عز وعلا بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حِدَّةٍ، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لَكْنةٍ، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها، والألوان وتنويعها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وإلا فلو اتفقت وتشاكلت وكانت ضربًا واحدًا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، وربما رأيت توأمين يشتبهان في الحلية، فيعروك الخطأ في التمييز بينهما، وتعرف حكمة الله في المخالفة بين الحلي، وفي ذلك آية بينة حيث ولدوا من أب واحد، وفرعوا من أصل فذ، وهم على الكثرة التي لا يعلمها إلا الله مختلفون متفاوتون 79.
قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ? ذَ?لِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ?14?) [آل عمران: 14] .
وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل؛ فهو محبب ومزين، وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه، ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه الشهوات، وهو جزء من تكوينه الأصيل، لا حاجة إلى إنكاره، ولا إلى استنكاره في ذاته، فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد كما أسلفنا.
ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبًا آخر يوازن ذلك الميل، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده؛ وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها، هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي، والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) ، فهي شهوات مستحبة مستلذة؛ وليست مستقذرة ولا كريهة، والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها؛ إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى. والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك الشهوات في غير استغراق ولا إغراق!
وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كَبْتِها وقمعها 80.
ويدخل ضمن هذه الشهوات حُبُّ الآباء والزوجة والأولاد.
قال تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ?19?إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ?20?وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ?21?) [المعارج: 19 - 21] .
يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) ثم فسره بقوله: (?إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا) أي: إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير.
(وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله فيها 81.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?168?) [البقرة: 168] .
وانظر إلى دقة الأداء القرآني في ترتيب الأحكام بعضها على بعض، فالإنسان المخلوق لله في الأرض المسخرة له بكل ما فيها، له حياة يجب أن يحافظ عليها، وتبقى الحياة ببقاء الرزق في الاقتيات من مأكل ومشرب، وكذلك يبقى النوع الإنساني بالتزاوج، وتكلم الله في رزق الاقتيات، فجعله للناس جميعًا عندما قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا) [البقرة: 168] 82.
فالأمر هنا بالأكل لم يكن غاية في حد ذاته بل هو وسيلة للحفاظ على النوع، وأداء الواجبات المنوط بهم، وكذلك فيه إرشاد باختيار نوع الأكل ومجانبة الشيطان في تحريم وتحليل الطعام والشراب.
ثانيًا: الصفات المكتسبة:
قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَ?ؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?31) [البقرة: 31] .
وقوله تعالى: (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن: 4] .
والحق جل جلاله لم يكن يترك آدم في حياته على الأرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار حياته وحياة أولاده، يعلمه على الأقل بدايات، ثم بعد ذلك تتطور هذه البدايات بما يكشفه الله من علمه لخلقه 83، إن آدم عليه السلام لم يكن بطبعه عالمًا، بل اكتسب هذا العلم من الله تعالى الذي علمه الأسماء كلها، وبهذا العلم كان التكريم والتشريف لآدم عليه السلام.
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21] .
أي: خلق لكم من جنسكم إناثا يكن لكم أزواجا 84.
هذه آية تدل على أن الزواج آية من آيات الله تعالى، وهو آية لقوم يتفكرون فإن المعنى في هذه الآية أناس يتفكرون ويتدبرون الآيات، وحقيقة الأمر أن نظرة الزواج تختلف من إنسان لإنسان آخر فبعض الناس يقدم على الزواج والبعض الآخر يعرض ويحجم، وعليه فالزواج صفة تكتسب اكتسابًا.
إن المتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن القرآن الكريم ذكر أحوال الناس في صور متعددة، ولعل هذا يتطابق مع تنوع الناس واختلافهم، فناسب أن تتعدد أحوالهم، وهي في القرآن على النحو الآتي:
أولًا: الكفر:
وكفر الناس في القرآن الكريم جاء على عدة أنواع منها:
قال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَ?ذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى? أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا(89 ) ) [الإسراء: 89] .