فهرس الكتاب

الصفحة 2071 من 2431

والشطرنج لعبة ذهنية تلعب على لوحة (رقعة) مقسمة إلى أربعة وستين مربعًا، (ثمانية مربعات × ثمانية مربعات) من لونين، بحيث يكون كل مربع من لون، وبجانبه مربع من اللون الثاني (غالبًا الأبيض أو الأسود) يملك كل لاعب ستة عشرة حجرًا (قطعة) تتحرك كل منها باتجاهات محددة، والأحجار مقسمة كالتالي: ثمانية جنود أو بيادق، وقلعتين (أو رخ) ، وحصانين، وفيلين، ووزير (أو ملكة) وملك (أو شاه) يتحكم أحد اللاعبين بالأحجار من اللون الأول (الأبيض عادة) ويتحكم اللاعب الآخر بالأحجار المماثلة من اللون الآخر (الأسود عادة) والهدف من اللعبة هو الوصول إلى حصر الملك (أو الشاه) ، بحيث لا يستطيع الهروب، وتنتهي اللعبة عند تلك النقطة.

والنرد: وهو ما يعرف في الوقت الحاضر بالطاولة، هي لعبة مشهورة جدًا في الشرق الأوسط والبلاد الفارسية، تتكون من رقعة خشبية، أو صندوق خشبي، يمكن أن يكون مزخرفًا ومطعمًا بالصدف أو بقطع خشبية ثمينة من الأبنوس، وعدد من الأقراص العاجية أو البلاستيكية أو الخشبية بلونين مختلفين عددها خمسة عشر من كل لون ونردين سداسيين.

وقد أجمع الفقهاء على حرمة لعب الشطرنج والنرد واعتبارهما من الميسر المحرم، إذا كانا على مال أو شغلا عن واجب أو اشتملا على محرم، واختلفوا فيما إذا وقع اللعب بهما مجانًا، ولم يغلب على الظن إفضاؤه إلى محرم، أو تفويته لواجب، ويمكن حصر آرائهم في ثلاثة:

الأول: أنه محرم، وهو مذهب جمهور العلماء من سلف الأمة وخلفها.

الثاني: أنه مكروه كراهة تنزيه، وهو المشهور عند الشافعية.

الثالث: أنه مباح، وهذا القول وإن نسب إلى قليلين من العلماء، إلا أنه شاذ لا يلتفت إليه.

للميسر آثاره السيئة على الفرد والمجتمع ومنظومة القيم والحضارة الإنسانية، ولا تنحصر آثار الميسر السيئة في جانب دون آخر، أو تختص بفئة دون أخرى، بل تشمل كافة الجوانب والميادين، وكافة الفئات.

وفي حديث القرآن عن الميسر إشارةٌ وافية بهذه الآثار، رغم وجازة العبارة، في تجانس عجيب بين إعجاز التعبير والتشريع كما سيتضح إن شاء الله تعالى.

غير أنه ينبغي الإشارة إلى منافع الميسر، اتباعًا لمنهج القرآن الكريم في حديثه الميسر، فقد نصت آية سورة البقرة على أن في الميسر منافع للناس: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ? قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ? وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ?219?) [البقرة: 219] .

رغم اشتمالها ذاتها على أن في اقترافه إثمًا.

وفي تعرضنا لبيان منافع الميسر رغبة في بيان دقة التعبير القرآني في عرضه الواقع والحقيقة، بنصه على اشتمال الميسر على منافع، على الرغم من حكمه بتحريمه، وهذا ينطوي على دلالات متنوعة وبراهين ساطعة لمن تدبر وتأمل، كما لا يخفى ما فيه من إعجاز التشريع كما مر.

و «الفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء، لأن الله جعل هذا الدين دينًا دائمًا، وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرعون لمختلف ومتجدد الحوادث، فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع، كقوله تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) [الحجرات: 12] .

ونحو ذلك، وتخصيص التنصيص على العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما هو في مواضع خفاء العلل، فإن الخمر قد اشتهر بينهم نفعها، والميسر قد اتخذوه ذريعة لنفع الفقراء، فوجب بيان ما فيهما من المفاسد إنباء بحكمة التحريم، وفائدة أخرى وهي تأنيس المكلفين فطامهم عن أكبر لذائذهم؛ تذكيرًا لهم بأن ربهم لا يريد إلا صلاحهم دون نكايتهم كقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ?) [البقرة: 216] .

وقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) [البقرة: 183] .

وهنالك أيضًا فائدة أخرى وهي عذرهم عما سلف منهم، حتى لا يستكينوا لهذا التحريم، والتنديد على المفاسد كقوله: (? عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ) [البقرة: 187] » 141.

ويلاحظ أن منافع الميسر كانت مادية عارضة، وخاصة وعامة، إلا أنه لا يمكن تجاهلها بحال، فلعلها كانت سببًا في مقارفته من بعض الناس، وفي بعض الأزمنة.

وقد أشار المفسرون إلى المراد بمنافع الميسر في الآية الكريمة إشارات متنوعة بين الاختصار 142، والشرح 143، ويمكن إجمال تلك المنافع من كلامهم في:

وذلك أمر معلوم، حيث كان من عادة الأيسار أن يوزعوا ما يصيبون من أجزاء الجزور بين الفقراء، بل ويعاب من يطعم مثل هذا اللحم منهم، وقد أشار إلى هذه المنفعة جماعة من المفسرين 144.

يقول العلامة عبد السلام هارون: «ولا ريب أن الميسر كان نافعًا للعرب، كان نافعًا لذوي الحاجة منهم، لأن العرب في أكثر ما يقامرون إنما يبغون بذلك نفع الفقراء، والترفيه عن المحتاجين المعوزين، وقل أن يطعم الأيسار من لحم اليسر، وإنما كانوا يفرقونه في البائسين» 145.

وقد أشار إلى هذه المنفعة جماعة من المفسرين 146.

فلا تتوقف الإصابة هنا على مجرد اللحم، بل تتعداه إلى ما يكتسبه من المدح والثناء من الفقراء، وما يتفاخرون به على الأبرام - من لا يقامرون- ويترفعون 148.

«قيل: ربما أن الواحد منهم كان يقمر في المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل له المال الكثير، وربما كان يصرفه إلى المحتاجين فيكسب بذلك الثناء والمدح، وهو المنفعة» 149.

ويقصد به السمر والاستمتاع بمجالس الميسر ومخالطة الناس، وكذلك ما يدخله من السرور حال الفوز 150.

قال ابن عاشور: «وأصل المقصد من الميسر هو المقصد من القمار كله، وهو الربح واللهو، يدل لذلك تمدحهم وتفاخرهم بإعطاء ربح الميسر للفقراء؛ لأنه لو كان هذا الإعطاء مطردًا لكل من يلعب الميسر لما كان تمدح به» 151.

وذلك بين، فهي محل الميسر ومحوره الأساس.

ويتعلق بالحديث عن منافع الميسر مسألة هامة، وهي هل منافع الميسر دائمة مستمرة، أو هي محدودة بزمان حله؟

وهذه المسألة متصلة برأيهم في دلالة آية سورة البقرة على تحريم الخمر والميسر، أو على ذمهما، فمن ذهب إلى دلالتها على التحريم رأى أن منافع الخمر المذكورة محدودة بزمن ما بعد التحريم، ومن ذهب إلى دلالتها على الذم رأى أن منافع الخمر عامة دائمة؛ لأنها منافع ذاتية غير عارضة.

قال ابن الجوزي: «اختلف العلماء في هذه الآية، فقال قوم: إنها تضمنت ذم الخمر لا تحريمها، وهو مذهب ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة، وقال آخرون: بل تضمنت تحريمها، وهو مذهب الحسن وعطاء، فأما قوله تعالى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] .

فيتجاذبه أرباب القولين، فأما أصحاب القول الأول، فإنهم قالوا: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبله، وقال أصحاب القول الثاني: إثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما حينئذ أيضا؛ لأن الإثم الحادث عن شربها من ترك الصلاة والإفساد الواقع عن السكر لا يوازي منفعتها الحاصلة من لذة أو بيع» 153.

ويمكن تلخيص وجمع كلام المفسرين في رأيين:

الأول: وذهب أصحابه إلى أن منافع الخمر والميسر محدودة بزمان حله دون زمن تحريمه، فهي منافع مؤقتة، فيصير المعنى: وإثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبله. ونسب هذا القول إلى ابن عباس ومقاتل والضحاك والربيع وسعيد بن جبير ومقاتل، وحكاه جماعة من المفسرين، ورجحه بعضهم. 154

قال مقاتل: «يعني بالمنافع اللذة والتجارة في ركوبهما قبل التحريم، فلما حرمهما الله عز وجل، قال:) {وَإِثْمُهُمَا} (بعد التحريم،) {أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} قبل التحريم» 155.

الثاني: وذهب أصحابه إلى أن منافع الخمر والميسر عامة دائمة، ليست محدودة بزمان دون آخر، لأنها منافع ذاتية، والمعنى: أن إثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما حينئذ أيضا، لأن الإثم الحادث عن شربها من ترك الصلاة والإفساد الواقع عن السكر لا يوازي منفعتها الحاصلة من لذة أو بيع، ونسب إلى سعيد ابن جبير واختاره جماعة من المفسرين 156.

قال الطبري: «وإنما اخترنا ما قلنا في ذلك من التأويل، لتواتر الأخبار وتظاهرها بأن هذه نزلت قبل تحريم الخمر والميسر، فكان معلومًا بذلك أن الإثم الذي ذكر الله في هذه الآية، فأضافه إليهما إنما عنى به الإثم الذي يحدث عن أسبابهما» 157.

والراجح هو الرأي الثاني القائل بعموم منافع الخمر والميسر ودوامهما في كل زمن؛ لاتفاقه مع ظاهر القرآن الكريم، وعدم الحاجة فيه إلى تأويل.

قال ابن العربي: «المسألة السادسة: ما هذا الإثم؟ فيه قولان: أحدهما: أن الإثم ما بعد التحريم، والمنفعة قبل التحريم، الثاني: أن إثمها كانوا إذا شربوا سكروا، فسبوا وجرحوا وقتلوا، والصحيح أنها إثم في الوجهين» 158.

ويقول العلامة أبو زهرة: «ويلاحظ في الكلمات السامية: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] .

أنه أطلق الإثم ولم يضفه، فلم يقل: إثم على الناس، أو للناس، وقيد المنافع بأنها للناس، وهذا يدل على أن الإثم في الخمر والميسر ذاتي، فهما في ذاتهما رجس كبير، وخطر وبيل، وأن ما فيهما من منافع فهي ضئيلة وهي بالنسبة لبعض الناس، فهي منافع إضافية، لا منافع ذاتية، فجوهر الخمر والميسر شر لا خير فيه، وما يكون من نفع فيهما في بعض الملابسات، كما يلاحظ في بيع الأوراق لتمويل بعض جماعات البر، فليس ذلك لأن في الميسر خيرا أو نفعا، بل لأن النفوس فسدت، وشحت بالخير، فلا تجود إلا من هذا الطريق الفاسد، فما فيه من نفع إضافي سببه فساد الناس، وهو نفع ضئيل للناس ومشتق من أحوالهم».159

وعلى كلا الرأيين فإن في الميسر منافع ولو محدودة، بقي بيان آثاره السيئة على الفرد والجماعة واقتصاد الأمة، وهذا ما سيتضح بتوفيق الله في النقاط الآتية.

أولًا: آثار الميسر النفسية على الفرد:

بين القرآن الكريم آثار الميسر النفسية على الفرد في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) } [البقرة: 219] .

وفي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91] .

وبيان ذلك تفصيلًا يقتضي تقسيم الآثار النفسية للميسر على الفرد إلى قسمين:

القسم الأول: الآثار المتعلقة بالدين: ويقصد بها تلك المضار التي تؤثر بالسلب على ضرورة من الضرورات أو كلية من الكليات الخمس المأمور بحفظها، وهي الدين والنفس والعقل والمال والعرض.

ويمكن إجمال الآثار السيئة للميسر على هذا الجانب فيما يلي:

أولًا: الصد عن ذكر الله وعن الصلاة: وقد نصت على هذا الأثر السيئ آية سورة المائدة؛ تعليلًا للأمر بالاجتناب والتحريم، وذلك بسبب اللهو بالميسر عن ذكر الله والانشغال به عن الصلاة وإضاعتها، وهذا أمر ظاهر، فمتى اشتغل بمخاطرة يتوقع فيها فوزًا أو خسارة أو سلامة، فلا بد أن ينشغل ذهنه وفكره بذلك، أو على الأقل يشوش 160.

قال الفخر الرازي: «وأما أن الميسر مانع عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك؛ لأنه إن كان غالبًا صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن الصلاة» 161.

والصد عن ذكر الله وعن الصلاة داخل في مفهوم الإثم في الميسر في قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219] 162، والمراد بالصد عن ذكر الله: الصد عن كل طاعة لله تعالى، وخص الصلاة من سائر الطاعات بإعادة ذكرها خاصة بعد العموم الشامل لها؛ لأهميتها ومكانتها. 163

ثانيًا: ما فيه من الإثم: وذلك يتمثل في ارتكاب المحرمات من السرقة والتحايل وأكل أموال الناس بالباطل، وقول الفحش والحلف الكاذب ونحوها. 164، وقد نصت على هذا الأثر آية سورة البقرة.

ثالثًا: متابعة الشيطان: ففي اقتراف الميسر عصيان لله وطاعة للشيطان- والعياذ بالله من ذلك- وهذا بين في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91] .

فقد نص على كون اقتراف الميسر رجسًا من عمل الشيطان 165، وكذلك ما يفهم من الربط بين الآيتين وبين الآية التالية لهما: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] .

يقول الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره: إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول في اجتنابكم ذلك واتباعكم أمره فيما أمركم به من الانزجار عما زجركم عنه من هذه المعاني التي بينها لكم في هذه الآية وغيرها، وخالفوا الشيطان في أمره إياكم بمعصية الله في ذلك وفي غيره، فإنه إنما يبغي لكم العداوة والبغضاء بينكم بالخمر والميسر» 166.

وجميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان: العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة 167.

رابعًا: إفساد التربية السليمة والفطرة المستقيمة، القائمة على السعي في طلب الرزق الحلال والكسب المشروع، وذلك عن طريق تعويد النفس الكسل وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، أو اللجوء إلى السرقة ونحوها من المحرمات 168.

خامسًا: إضعاف القوة العقلية للمرء، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية، وإهمال الياسرين (المقامرين) للزراعة والصناعة والتجارة التي هي أركان العمران 169.

القسم الثاني: الآثار المتعلقة بالحالة النفسية للفرد: ويقصد بها تلك المضار التي تؤثر بالسلب على الحالة النفسية للفرد جراء ممارسته للميسر والقمار بصوره المختلفة.

وبدايةً أشير إلى أن علماء النفس والاجتماع يعتبرون لعب اليسر من الأمراض النفسية والاجتماعية الخطيرة، وأن له تأثيرًا على الأفراد بصورة قد تؤدي إلى تدميرهم نفسيًا، خاصة الفقراء منهم، ويعتبر علماء النفس المقامرة لونًا من الإدمان، ومرضًا نفسيًا خطيرًا 170.

ويسبب الميسر عددًا من التأثيرات السلبية على نفسية المقامر، أهمها:

أولًا: يسبب تشوهًا معرفيًا، وفقدان التحكم، ونقصًا في تقدير الذات، وشعورًا باليأس.

ثانيًا: يؤدي بالمقامر إلى التفكير غير العقلاني، والشعور بالذنب، والرغبة في المخاطرة.

ثالثًا: يؤدي إلى عزلة المقامر عن المجتمع، حال اضطراره إلى التوقف عن المقامرة والمراهنة.

رابعًا: التوتر العصبي، وهو تطور نفسي في الجسم يسبب الإثارة والاندفاع واضطراب الجهاز العصبي 171.

ويظهر أثر هذه التأثيرات النفسانية على سلوك المقامر، فيحرص على المخاطرة والمغامرة، حتى يفنى ماله ويهلك عقله.

جاء في تفسير المنار 172: «وأما كون إثم الميسر أكبر من نفعه فهو أظهر مما تقدم في الخمر ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه أنواع القمار وعم ضررها، حتى إن الحكومات الحرة التي تبيح تجارة الخمر تمنع أكثر أنواع القمار وتعاقب عليها، على احترامها للحرية الشخصية في جميع ضروب التصرف التي لا تضر بغير العامل، فمنفعة القمار وهمية ومضراته حقيقية، فإن المقامر يبذل ماله المملوك له حقيقة على وجه اليقين لأجل ربح موهوم ليس عنده وزن ذرة لترجيحه على خطر الخسران والضياع، والمسترسل في إضاعة المحقق طلبا للمتوهم يفسد فكره ويضعف عقله، ولذلك ينتهي الأمر بكثير من المقامرين إلى بخع أنفسهم - قتلها غما - أو الرضى بعيشة الذل والمهانة.

قال الأستاذ الإمام: إنني أعرف رجلا كانت ثروته لا تقل عن ثلاثة آلاف ألف جنيه (ثلاثة ملايين) ، فما زال شيطان القمار يغريه باللعب فيه حتى فقد ثروته كلها، وعاش بقية حياته فقيرا معدما حتى مات جائعا، وذكر أنه ربح في ليلة تسعمائة ألف فرنك، فقال: لا أبرح حتى أتمها مليونا، فلم يبرح حتى خسرها إلى مليون آخر، وهكذا شأن أكثر المقامرين يغترون بالربح الذي يكون لهم أو لغيرهم أحيانا فيسترسلون في المقامرة حتى لا يبقى لهم شيء».

وجاء فيه أيضًا: «ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما والسلامة من بلائهما؛ لأن للخمر تأثيرا في العصب يدعو إلى العود إلى شربها والإكثار منها، فإن ما تحدثه من التنبيه يعقبه خمود وفتور بمقتضى سنة رد الفعل، فيشعر السكران بعد الصحو أنه مضطر إلى معاودة السكر، ليزول عنه ما حل به، فإذا هو عاد قويت الداعية، وأما الميسر فإن صاحبه كلما ربح طمع في الزيادة، وكلما خسر طمع في تعويض الخسارة، ويضعف الإدراك حتى تعز مقاومة هذا الطمع الوهمي، وهذا شر ما في هاتين الجريمتين» 173.

ثانيًا: آثار الميسر على العلاقات الاجتماعية:

أشار القرآن الكريم إلى آثار الميسر على العلاقات الاجتماعية في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) } [البقرة: 219] .

فالإثم المذكور في الآية يشمل كل سيء من الأفعال، ومن ضمنها ما يكون بين الناس من سوء في العلاقات الاجتماعية.

ونص عليها في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) } [المائدة:90 - 91] .

ويمكن استخلاص آثار الميسر السيئة على العلاقات الاجتماعية، وإجمالها في:

أولًا: وقوع العداوة والبغضاء والحسد بين المتقامرين: فالقمار يورث العداوة، لأن مال الإنسان يصير إلى غيره بغير جزاء يأخذه عليه، فيبقى مسلوبًا، مغتاظًا على قرنائه 174.

وقد حذر القرآن الكريم من هذا الحال في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [المائدة: 91] .

فقد «أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، وما كان يغري عليها بين المؤمنين، وبسبب الميسر، إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل، حتى ربما بقي المقمور حزينا فقيرًا، فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا) 175.

وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو، والبغضاء تنقض عرى الدين، وتهدم عماد الحماية» 176.

ثانيًا: ضعف جماعة الأمة ووحدتها بين الناس: وذلك أثر من آثار وقوع العداوة والبغضاء بين أفراد الأمة، ومن خلال غياب المقامرين عن الصلاة ومجالس الذكر، أو انزوائهم وهروبهم من رحابة المجتمع إلى ضيق الأفق والحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت