فهرس الكتاب

الصفحة 2206 من 2431

وقد اختلف أهل التأويل فيه «فقال بعضهم: ذلك النار إذا أطبقت على أهلها ... قال ابن جريج، قوله: لا يحزنهم الفزع الأكبر: قال: حين تطبق جهنم، وقال: حين ذبح الموت. وقال آخرون: بل ذلك النفخة الآخرة ... وقال آخرون: بل ذلك حين يؤمر بالعبد إلى النار ... وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك عند النفخة الآخرة، وذلك أن من لم يحزنه ذلك الفزع الأكبر وأمن منه، فهو مما بعده أحرى أن لا يفزع، وأن من أفزعه ذلك فغير مأمون عليه الفزع مما بعده» 91.

وإلى هذا الأخير ذهب ابن الجوزي بقوله: « ... وبهذه النفخة يقوم الناس من قبورهم ويدل على صحة هذا الوجه قوله تعالى: (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) » 92.

واستدل عليه أيضًا 93 بقوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ) [النمل/87] .

وقد جمع الثعالبي كل الآراء المتقدمة بقوله: «الفزع الأكبر عام في كل هول يكون يوم القيامة فكان يوم القيامة بجملته هو الفزع الأكبر» 94، أي: البعث والحساب والعقاب 95.

قيل: إن «أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم» 96.

وتذكر لنا السنة النبوية جملة من الأسباب والوسائل المنجية من تلك الأهوال وما ينشأ عنها من فزع عظيم وجاء في الأثر في فضل البكاء من خشية الله أن نبي الله موسى عليه السلام سأل ربه: «قال إلهي فما جزاء من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجهه؟ قال جزاؤه أن أحرم وجهه على النار وأن أؤمنه يوم الفزع الأكبر» 97.

وبالجملة فإن أي عمل يقوم به الإنسان بنية الإحسان، يكون له جنة من فزع القيامة، ويقيه جانبًا من أهوالها ومشاهدها المذهلة، وقد وعد الله سبحانه عباده المحسنين بالنجاة من ذلك الفزع والأمن منه بقوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ) [النمل:89] .

قد ذكر أهل التفسير أن الحساب في القرآن الكريم يرد على وجوه خمسة هي: العدد والكثير والمحاسبة والتقتير والجزاء 98.

وما يهمنا من هذه الوجوه في هذا المبحث هو الجزاء الذي يشير إليه الثعلبي بقوله: «الحساب تعريف الله عز وجل الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم ما قد نسوه من ذلك» 99، فالحساب إذن «علة للوصول إلى الجزاء» 100.

ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نوقش يوم الحساب عذب، قالت: قلت أليس يقول الله تعالى:(فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) [الانشقاق:8] . قال: ذلك العرض) 101.

وتختلف كيفيات الحساب وأحواله، فمنه العسير ومنه اليسير ومنه العدل والجهد ومنه التكريم ومنه التوبيخ والتبكيت ومنه الفضل والصفح والعفو والغفران 102.

ويمكن الاهتداء إلى سبل النجاة من الحساب باتباع ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والتزام الآتي:

أولًا: التوحيد ونبذ الشرك: قال تعالى: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَ?هًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ? إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ?) [المؤمنون:117] .

ثانيًا: اجتناب الكفر: قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى? إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ? وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ?39?) [النور:39] .

ثالثًا: طاعة الله واتباع سنته: قال تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى? ? وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ? أُولَ?ئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? وَبِئْسَ الْمِهَادُ ?18?) [الرعد:18] .

رابعًا: مواصلة الأرحام: قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ) [الرعد:21] .

قال القرطبي في قوله: (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) : «قيل: في قطع الأرحام» 103.

خامسًا: اتباع سبيل الله وعدم الانقياد إلى الهوى: قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ?26?) [ص:26] .

سادسًا: الصبر: قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر:10] .

سابعًا: العمل الصالح: قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى? إِلَّا مِثْلَهَا ? وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَ?ئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ?40?) [غافر:40] .

الصراط: «جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار وخلق من حين خلقت جهنم» 104.

وجاء فيه أنه (يمر الناس عليه على قدر أعمالهم ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فمن مر على الصراط دخل الجنة) 105.

ومن صفاته أنه أدق من الشعر وأحد من السيف، مدحضة، مزلة؛ أي: زلق لا تثبت عليه الأقدام ولا تستقر إلا ما شاء الله، وله جنبتان وحافتان، ويموج بالسائرين عليه إلا من ثبته الله تعالى.

يروى أن هذا الصراط يضرب بين ظهري جهنم بعد أن (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ? وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم:48] .

يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم: (فأكون أنا وأمتي أول من يجيز) 106.

وربما كان «المرور على الصراط من أخطر كرب يوم القيامة إن لم يكن هو أخطرها، ففيه من الأهوال والفزع والخوف والرعب ما لا تتحمله عقول الخلق ولا نفوسهم» 107، يدل على ذلك أربعة أمور هي: أنه لا يذكر الإنسان عنده إلا نفسه، وأن الملائكة تشفق من هوله على الرغم من أنهم غير محاسبين، وأنه واحد من ثلاثة مواطن يقف عندها النبي صلى الله عليه وسلم للشفاعة وأنه لا يتكلم عنده يومئذ إلا الرسل 108.

أما أحوال الناس على الصراط، فالله سبحانه يبعثهم في ظلمة شديدة إذا أخرج الإنسان يده لم يكد يراها فيجمع الله تعالى الناس فيعطون نورهم على قدر أعمالهم ليستجيزوا الصراط.

قال تعالى: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى? نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ) [الحديد:12] .

أما المنافقون فلا يسعفهم نورهم عند الصراط، إذ يسلبه الله منهم، فينادون على المؤمنين: (انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [الحديد:13] .

في هذا الموضع يفترق المؤمنون الناجون من الصراط عن المنافقين المعذبين، وتتوقف نجاة المؤمنين على مقدار ما تبلغ بهم أعمالهم من الصراط المستقيم الذي لا يمكن بلوغه إلا بتوافر أسباب عدة يمكن التماسها في القرآن الكريم منها:

أولًا: الإيمان بالله تعالى والاعتصام به واجتناب الكفر: قال تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى? عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ? وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?101?) [آل عمران:101] .

ثانيًا: الإيمان بالآخرة: قال تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ [المؤمنون:74] .

ثالثًا: عبادة الله وحده: قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ? هَ?ذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ) [آل عمران:51] .

رابعًا: الدعاء بالهداية: قال تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ?6?) [الفاتحة:7] .

والهداية مرة تكون برحمة مباشرة من الله تعالى، كما في قوله:) وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213] .

ومرة تكون بوساطة كتابه: قال تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى? صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ?6?) [سبأ:6] .

ومرة بوساطة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما في قوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى:52] .

خامسًا: اتباع مرضاة الله: قال تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة:16] .

سادسًا: التصديق بآيات الله: قال تعالى: (ڑ ڑ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ ? مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?) [الأنعام:39] .

سابعًا: الأمر بالعدل: قال تعالى: (ڑ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى? شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى? مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ ? هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ? وَهُوَ عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?76? [النحل:76] .

ثامنًا: شكر النعم: قال تعالى في نبيه إبراهيم عليه السلام: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ? اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [النحل:121] .

تاسعًا: اجتناب الشرك بالله والظلم: قال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ?22?مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى? صِرَاطِ الْجَحِيمِ ?23?) [الصافات:22 - 23] .

عاشرًا: الاقتداء بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم: فقد خصه الله تعالى بالقول: (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ?3?عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?4?) [يس:3 - 4] .

النار هي دار الكافرين أعدها الله لهم جزاء بما خالفوا عن أمره.

قال تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران:131] .

فالنار «خلق من خلق الله تعالى خلقها وجعلها عذابًا للمجرمين الذين خرجوا على دينه وتمردوا على رسله، فهي عذاب حسي، تختلف في قوة عذابها الحراري والزمهريري. فلكل من يدخلها مكان يتلاءم مع جرمه، وعذاب على قدر ذلك، لأن الجزاء من جنس العمل» 109.

وقد نقلت لنا آيات القرآن الكريم صورًا مختلفة لعواقب أهلها وسوء أحوالهم وهم يصطرخون فيها، ويقابل ذكر النار ذكر الجنة وهي دار النعيم «فكل واحدة من الجنة والنار حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وكل ما هو كذلك فالإيمان به واجب واعتقاد وجوده حق لازب، والمراد من الجنة دار الثواب ومن النار دار العقاب» 110.

وتستدعي النجاة من النار التأمل في فلسفة وجودها وهول أحوالها والأسباب الموجبة لورودها أو المعاقبة بها فمن المتعارف أن الله سبحانه خلق الخلق «ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ... ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر تعالى في كتابه ذكر النار وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال ... ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه» 111.

وفي الوقت الذي حدد الله تعالى فيه لعباده سبل نجاتهم من النار فقد بين لهم في مقابل ذلك ما ينتظرهم من نعيم جناته الذي أعده للناجين منهم والفائزين بمرضاته، فالمنجي من النار هو الله تعالى وحده، وذلك بقوله: {وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا} [آل عمران:103] .

أما الأنبياء عليهم السلام والصالحون فهم يدعون إلى النجاة قال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ} [غافر: 41] .

وأما من حقت عليه كلمة العذاب فلا منجاة له من النار.

قال تعالى: {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ} [الزمر:19] .

ولن تشفع للكافر منزلته مهما عظمت.

قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم:10] .

ولن ينجيه ماله ولا ولده.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران:116] .

في مقابل ذلك تحفل آيات الله البينات بمواقف ومشاهد وإشارات تجسد دعوة الله عز وجل عباده إلى الخلاص من عذاب السعير والفوز بالجنة.

قال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185] .

وقد ذكر القرآن الكريم جملة من الوسائل الكفيلة بنجاة الإنسان من النار منها:

أولًا: نبذ الشرك والكفر بالله تعالى: قال تعالى في شأن المشركين: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة:72] .

فلا ناصر ينجيه من ذلك المأوى، وقال في شأن الكافرين: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} [الأنفال:14] .

ثانيًا: الإيمان بالله ووقاية النفس: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم:6] .

فلم يكتف بالإيمان بل دعا إلى العمل على وقاية النفس والأهل من النار.

ثالثًا: تقوى الله: قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم:71 - 72] .

وتجدر الإشارة إلى أن المفسرين مختلفون في معنى الورود فمنهم من ذهب إلى أن الخلق جميعًا من بني آدم يمرون على النار، ومنهم من ذهب إلى أنهم يدخلونها، ومنهم من قال: يطلعون عليها 112، قال الطبري: «ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله ويهوي فيها الكفار» 113.

قال تعالى: {وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الزمر:61] .

رابعًا: عبادة الله وحده: قال تعالى: {وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت:25] .

فهؤلاء الأنداد والأوثان لن يحولوا بينهم وبين النار ولن يخلصوهم من عذابها ما عكفوا عليها ساجدين.

خامسًا: التصديق بآيات الله: قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:39] .

فإنكار الآيات والصد عنها يقطع السبيل إلى النجاة من النار يوم القيامة.

سادسًا: الدعاء إلى الله: قال تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201] .

وقد مضى الحديث عن فضل الدعاء في بلوغ رضا الله تعالى والظفر بنصره ونجاته

سابعًا: الثبات على الدين: قال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217] .

ثامنًا: ذكر الله والتفكر في خلقه: قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191] .

تاسعًا: طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتزام حدوده: قال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن:23] .

عاشرًا: النأي بالنفس عن حمل الظلم: قال تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف:29] .

حادي عشر: الاحتراز من الجرم والفسق والإسراف: قال تعالى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف:53] .

وقال: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر:43] .

ثاني عشر: الابتعاد عن النفاق: قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء:145] .

ثالث عشر: عدم التفكير في معاداة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} [التوبة:63] .

وبالجملة فإن جميع الأعمال الصالحة التي يقدمها المرء بين يدي ربه سواء ما ينفع بها نفسه أو مجتمعه يمكن أن تحول بينه وبين النار إذا ما كان الله تعالى قد رضي بها وادخرها له ليقيه بشفاعتها من السعير.

لم تكن مهمة أنبياء الله ورسله عليهم السلام باليسيرة في الدعوة إلى الله عز وجل وإخراج الناس من ظلمات معتقداتهم وضلالة أفكارهم، وقد توارثوها عن آبائهم وعهدوا بها إلى أجيالهم، حتى استقر عليها منهاج حياتهم واطمأنت بها نفوسهم التي لم يخطر ببالها أن تتأمل في حقيقتها، أو تطمح إلى تغييرها؛ لأنها جاءت موافقة لرغبات مجتمعاتهم أو طبقاتهم الحاكمة أو المتحكمة على مدى العصور.

فكانت دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام تحدث صدمة وزعزعة واضطرابًا في نفوس الأفراد أو الجماعات الذين يتلقونها؛ لأنها تخاطب عقولهم التي غيبت عن التفكر في حقيقة الوجود وصانعه، وتبصرهم بزيف معتقداتهم التي لا أساس لها من الصحة، غير أن النظام الفكري والعقائدي غالبًا ما يكون مبنيًا على أسس ومفاهيم ضيقة، ولا يمكن أن يستوعب ذلك الفضاء الرحب من الهدى، ولا طاقة له بالتخلص من ذلك الموروث المقدس المهيمن على وعيه الذاتي والاجتماعي، فينشأ الصراع الفكري بين الإرادات المختلفة وسرعان ما تندحر وتنحسر المناهج الضالة وتضعف دفاعاتها أمام حقيقة الرسالات السماوية وقوة حجتها وعظيم برهانها وتحديات معاجزها، فيهرع إلى اعتناقها من شرح الله صدره للهدى، وينقم منها المعاندون الذين استحوذ عليهم الشيطان، لتتسع دائرة الصراع ويتجه باتجاه المواجهة المادية بعد أن هزمت الأفكار الضالة والمعتقدات الزائفة وتكشف بطلانها وأصبحت الرسالة السماوية تسفه الآراء وتهدد النفوذ وتقوض السلطان، فتتحد القوى الضالة والمضللة وتجتمع لمحاربة النبيين ووأد دعواتهم وطمس معالمها ومحو آثارها.

وفي خضم هذه المواجهات المستمرة يبتلي الله ما في صدور المؤمنين ليمحص قلوبهم، ويمهل الكافرين حتى تحق عليهم كلمة العذاب، ثم يهلكهم بذنوبهم وينجي رسله والذين آمنوا معهم.

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف:110] .

وتحمل لنا آيات الله البينات صورًا ومشاهد عدة لعباد الله تعالى الذين من عليهم بالنجاة من مواقف مختلفة.

وفيما يأتي نسلط الضوء على مواقف الناجين من الأفراد، ومواقف الناجين من الجماعات.

أولًا: الناجون من الأفراد:

أولًا: نجاة نبي الله إبراهيم عليه السلام:

لقد بعث الله نبيه إبراهيم عليه السلام في قومه، وكانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وكان أول دعوته لأبيه آزر فلما استيأس من أن يستجيب لدعوته اعتزله وتوجه إلى قومه يدعوهم ويحاججهم فلم يؤثر فيهم نصحه فأقسم على أن يكيد أصنامهم، فلما خرجوا لأداء مراسم عيدهم لم يخرج معهم، وانطلق مسرعًا إلى آلهتهم (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء:85] .

ولما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم، جيء بإبراهيم عليه السلام، وقد دار بينه وبينهم ما دار من جدال ألزمهم فيه الحجة، فعدلوا عن الجدال والمناظرة إذ لم يبق لهم سبيل إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، وكان عليهم الإسراع في وأد الفتنة، غير أنهم اختلفوا بين مطالب بقتله وراغب بتعذيبه وهلاكه بالنار كما يخبرنا الله تعالى بقوله: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) [العنكبوت:24] .

ثم اختاروا الأخير، ربما ليشهد هلاكه الناس ويعتبروا به فلا يتجرأ أحد منهم على المساس بالأصنام ثانية. فحبس إبراهيم عليه السلام وشرعوا يجمعون حطبًا من أماكن عدة، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب، وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط، فانتشرت حرارتها في الفضاء بحيث لم يكن يحلق طائر في تلك الأجواء إلا سقط محترقًا، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدًا مكتوفًا ثم ألقوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: ألك حاجة فقال: أما إليك فلا. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال: جعل ملك المطر يقول: متى أؤمر فأرسل المطر 114.

ولكن الله سبحانه خص نجاة إبراهيم عليه السلام بنفسه فقال: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى? إِبْرَاهِيمَ?) [الأنبياء:69] .

فكانت النجاة بأمره هو وبقوله هو لذا لم يتحدث النص القرآني عن الذات المقدسة (بالمضمر) بل جاء باسمه الأعظم (صريحًا) في قوله: (فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ?) [العنكبوت:24] .

ولما كان أمره سبحانه أسرع في الوصول إلى النار من وصول إبراهيم عليه السلام إليها جيء بالفعل (أنجى) الذي يدل على حدوث الفعل لمرة واحدة وبسرعة أكبر مما لو استعمل الفعل (نجى) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت