أولًا: اسمه ونسبه:
ذكر الإمام ابن كثير في نسب نوح عليه السلام أنه «نوح بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس عليه السلام بن يرد بن مهلاييل بن قينن بن شيث بن آدم أبي البشر عليه السلام» 1.
وقيل: إن اسم نوح من مادة النوح العربية، ولكن المشهور أنه اسمٌ أعجميٌ معرب، إنما صرف؛ لأنه على ثلاثة أحرف فهو من ناح ينوح، ومعناه بالعربية (الساكن) 2 وكان اسم نوح عليه السلام السكن، وسمي به؛ لأن الناس بعده سكنوا إليه، فهو أبوهم، فكأنه صار آدم الثاني بعد حادثة الطوفان؛ وذلك لانحصار النوع الإنساني بعده في نسله. وقيل: اسمه شاكر 3.
وفي سبب تسميته عليه السلام بهذا الاسم أورد العلماء خمسة أقوال:
الأول: أنه كان ينوح على نفسه.
الثاني: أنه كان ينوح لمعاصي أهله وقومه.
الثالث: أنه كان ينوح لمراجعته لله عز وجل في ولده الذي غرق بالطوفان.
الرابع: أنه كان ينوح لدعائه على قومه بالهلاك.
الخامس: أنه مر بكلب مجذوم فقال له: اخسأ يا قبيح. فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني يا نوح أم عبت الكلب؟ 4.
ومن الملاحظ أن هذه الأقوال متكلفٌ فيها؛ لأن الأعلام لا تفيد صفة في المسمى.
ثانيًا: حكمة تسمية سورة باسمه:
لقد ورد ذكر نوح عليه السلام في القرآن الكريم في ثلاثة وأربعين موضعًا 5، في حين ذكرت قصة نوح عليه السلام مفصلةً في القرآن الكريم في ست سور، كما أن القصة ذاتها مختلفة اللفظ في كل موضع حسبما يقتضيه السياق أو المعنى أو المحور الرئيسي للسورة.
وسورة نوح عليه السلام كغيرها من السور التي سميت بأسماء أنبياء كسورة هود ويوسف وإبراهيم عليه السلام على سبيل المثال، إلا أنه يتضح في السور التي سميت بأسماء أنبياء أنها لم تقتصر على ذكر النبي الذي سميت باسمه السورة، فربما تذكر قصصًا أخرى غيره أو تتطرق إلى مواضيع أخرى باستثناء سورة نوح عليه السلام، فهي السورة الوحيدة التي لم يذكر الله عز وجل فيها سوى قصة نوح عليه السلام وحدها، وربما يرجع السبب في ذلك إلى ما يأتي:
1 -ذكر نوح عليه السلام في مفتتح السورة ومختتمها 6، فقد ورد في أول السورة قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} [نوح:1] .
وفي نهايتها قوله تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) } [نوح:26] .
2 -طول لبث نوح عليه السلام في قومه، وتكرار دعوته إلى التوحيد ونهيه عن الشرك 7.
3 -إنها السورة الوحيدة التي ذكرت قصة نوح عليه السلام مع قومه من بداية دعوته إلى إهلاكهم بالطوفان، مع التركيز على موضوع تكذيب قومه وتفصيله تفصيلًا تامًا 8.
ثالثًا: زمانه ومدة مكثه في قومه:
اختلف العلماء في زمان نوح عليه السلام وبعثته، فمنهم من قال إنه بعد آدم عليه السلام. ومنهم من قال: إنه بعد إدريس عليه السلام. وقيل غير ذلك، فذكر الطبري عند تفسيره لقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [البقرة:213] ما رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فلما اختلفوا بعث الله النبيين والمرسلين وأنزل كتابه فكانوا أمة واحدة) 9.
كما استدل بقراءته التي تعتبر قراءة تفسيرية وهي: (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا) ، وبين ابن كثير أن هذا القول هو أصح سندًا ومعنىً؛ وذلك أن الناس كانوا في البداية على ملة آدم عليه السلام، وبعد أن طال العهد به عبدوا الأصنام، فبعث الله تعالى إليهم نوحًا عليه السلام فكان أول رسول بعثه الله تعالى إلى الأرض.
ولهذا قال الله تعالى: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:213] 10، ويؤيد هذا أيضًا ما ذكره الألوسي عند تفسيره لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) } [آل عمران:33] فقال: «اصطفى نوحًا بأنه أول رسول بعث بتحريم البنات والأخوات والعمات والخالات وسائر ذوي الأرحام، وأنه أب الناس بعد آدم» 11.
وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الكون، فبعد أن تتغير معالم الحق، ويضل الناس طريق العبادة الصحيحة، فإنه عز وجل لا يترك الناس يتخبطون في غياهب الباطل، وإنما يرسل إليهم الأنبياء والرسل، وينزل عليهم الكتب السماوية، وهكذا إلى أن ختمت الرسالات برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبالكتاب المنزل عليه القرآن العظيم.
هذا عن زمان نوح عليه السلام. أما عن مدة مكثه في دعوته لقومه فإنها هي المدة المحققة التي صرح بها القرآن الكريم في قوله عز وجل: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) } [العنكبوت:14] .
ومع هذه المدة الطويلة في دعوته عليه السلام لقومه إلا أنه لم يستجب لدعوته إلا القليل كما أخبر الله تعالى بذلك في قوله: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40] .
ولعل الحكمة من ذلك تبدو في أن قصص الأنبياء مع أقوامهم عمومًا وقصة نوح عليه السلام مع قومه خصوصًا فيها تسرية وتسلية لقلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين آذته قريش أشد الإيذاء وهو في مكة، ومن خلال قراءة السيرة النبوية فالذين استجابوا مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ثلاث عشرة سنة أكثر بكثير من الذين استجابوا لنوح عليه السلام في هذه القرون الكثيرة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا يعلمنا درسًا مهمًّا، ألا وهو أن الهداية بيد الله عز وجل، فهو الذي يملكها وهو علام الغيوب، فهذه عقيدةٌ يجب أن تكون راسخةً في قلب كل مسلم، فسبحانه هو الذي يملك القلوب، فجميع قلوب عباده بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والآيات القرآنية في مثل هذا المعنى كثيرة، ومنها على سبيل المثال قوله عز وجل: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة:272] .
ورد ذكر نوح عليه السلام في القرآن الكريم (43) مرة، في (28) سورة.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة ... الآيات
الأعراف ... 59 - 64
يونس ... 71 - 73
هود ... 25 - 48
الأنبياء ... 76 - 77
المؤمنون ... 23 - 30
الشعراء ... 105 - 120
العنكبوت ... 14 - 15
الصافات ... 75 - 82
القمر ... 9 - 16
التحريم ... 10
نوح ... 1 - 28
لقد كان لنوح عليه السلام مكانة عالية، يأتي بيانها في النقاط الآتية:
أولًا: ثناء الخلق عليه:
فقد أثنى الله عز وجل على نوح عليه السلام؛ لما كان له من طول لبثٍ في دعوة قومه، وصبر شديد على ما لقيه منهم من أذى، فجعل الله تعالى جميع الناس من بعده وكل الأمم من الإنس والجن يثني عليه عليه السلام ثناءً حسنًا، وتذكره الأجيال من بعده ذكرًا جميلًا، وهذه سنة الله تعالى في عباده المحسنين المؤمنين، وهي أن ينشر لهم من ثناء الخلق عليهم على حسب إحسانهم 12، فقال الله سبحانه وتعالى في هذا السياق: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) } [الصافات:78 - 79] .
ومعنى الترك في هذه الآية: الإبقاء. وفعل الترك هو فعلٌ متعدٍ، ولكن مفعوله محذوف، فجعل فعلًا لازمًا فصار معناه كما يقول الإمام البقاعي: «أوقعنا عليه الترك بشيءٍ هو من عظمته، وحسن ذكره بحيث يعز وصفه» 13.
ثانيًا: إجابة دعوته:
أيضًا لما طال مكث نوح عليه السلام في دعوة قومه وكانت ألف سنة إلا خمسين عامًا، وبلغ دعوة الله تعالى على أكمل وجه، وصبر على بلاء قومه وأذاهم له، ومع ذلك فلم يؤمن معه إلا القليل، ولما ضاق نوح عليه السلام بقومه ذرعًا دعا الله تعالى أن يهلك قومه الذين كفروا بالله تعالى، وبما توعدهم به من العذاب، وكفروا بالنبوة التي أكرم الله تعالى بها نوحًا عليه السلام، فكان من جملة ما دعا به نوح عليه السلام قوله تعالى على لسانه: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) } [نوح:26] .
وقوله أيضًا: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر:10] .
فما كان من الله عز وجل إلا أن أجاب عبده نوحًا عليه السلام، وأغرق الكافرين وأهلكهم بالطوفان، ونجاه عليه السلام وأهل الإيمان من ولده وأزواجهم من هذا الهلاك المفزع 14، وفي هذا المعنى يقول الله عز وجل: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) } [الأنبياء:76] .
فـ (إذ) : ظرف لما مضى من الزمان مبني في محل نصب بفعل محذوف، تقديره: واذكر نبأ نوح الواقع وقت دعائه، والفاء في {فَاسْتَجَبْنَا} حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب، فتدل على سرعة إجابة الله تعالى بمجرد دعاء نوح عليه السلام إياه 15، وورد أيضًا قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) } [الصافات:75] .
وقد تضمن نداء نوح عليه السلام واستغاثته بالله عز وجل أشياء كثيرة، منها: الدعاء على قومه، وطلب النصرة، وفي جميعها كانت إجابة الله تعالى متحققة وواقعة على أكمل وجه، وهي متمثلة في الآتي:
1.نجاة نوح عليه السلام والمؤمنين معه من الغم الشديد الذي أصابهم، وكذلك من الغرق الذي أصاب الكفار.
2.إهلاك الكافرين بدعاء نوح عليه السلام، وجعل ذريته وحدها هي الباقية على قيد الحياة، ما سيأتي تفصيله في النقطة الآتية.
3.إبقاء الله تعالى الثناء الحسن لنوح عليه السلام والذكر الجميل من الأمم التي بعده إلى يوم الدين 16.
ثالثًا: الذرية الصالحة:
وكما امتن الله تعالى على نوح عليه السلام بثناء الخلق عليه، وإجابة دعوته، امتن عليه أيضًا بالذرية الصالحة. فلما نجى الله تعالى نوحًا عليه السلام والمؤمنين الذين كانوا معه على متن السفينة التي أمره الله تعالى بصنعها من الطوفان الذي عم وجه الأرض، وأغرق الكافرين من قومه، كان أهل الأرض بعد ذلك من ذرية نوح عليه السلام 17، وفي هذا المعنى يقول الله عز وجل: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) } [الصافات:77] .
فـ {هُمُ} في الآية ضمير فصل يفيد الحصر والتخصيص، فقد امتن الله تعالى على نوح عليه السلام لما أغرق الكافرين بأن جعل ذريته وحدها هي الباقية إلى آخر الدهر، وقد قال بعض العلماء: «نسل أهل السفينة انقرضوا غير نسل ولده، فالناس كلهم من ولد نوح» 18.
هذا بالإضافة إلى ما جعله الله تعالى من أمر النبوة في ذرية نوح عليه السلام.
من خلال استعراض مواضع الآيات التي ذكر فيها نوح عليه السلام وفيما يخص صفاته وأخلاقه فقد اهتديت إلى أن هذه الصفات والأخلاق يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام، وبيان ذلك فيما يأتي:
أولًا: صفات نوح عليه السلام وأخلاقه مع الله تعالى:
لقد اتصف نوح عليه السلام بصفات أخلاقية مع ربه عز وجل، وبيان ذلك فيما يأتي:
1.الإخلاص.
لقد وصف الله تعالى نبيه نوحًا عليه السلام بخالص الإيمان، وكمال العبودية لله تعالى، وشدة خضوعه وانقياده وتسليمه لأوامر الله عز وجل، ووصفه تعالى بهذه الصفة في معرض الحديث عن إهلاك الأمم السابقة التي كذبت أنبياء الله تعالى ورسله، فاستثنى عباد الله الذين أخلصهم للإيمان برسله من المنذرين الذين وقع بهم عقاب الله تعالى 19.
فيقول الله عز وجل: (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ?71? وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ ?72? فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ?73? إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ?74? وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ?75? وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ?76? وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ?77? وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ?78? سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ?79? إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ?80? إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات:71 - 81] .
ومن جملة عباد الله تعالى نوح عليه السلام، فقد مدحه الله تعالى بقوله: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، أي: كان نوح مخلصًا لله تعالى في عبوديته، كامل الإيمان واليقين 20.
وكلمة (المخلصين) فيها قراءتان:
الأولى: بكسر لام (المُخْلِصين) ، والمعنى: من آمن بالرسل من الأمم، فأخلص العمل والإيمان لله تعالى.
الثانية: بفتح لام (المُخْلَصين) ، والمعنى: من آمن بالرسل، وكان قد أخلصه الله تعالى بالإيمان والتصديق في سابق علمه، فوفقه له 21.
ويتبين أيضًا أن نداء نوح عليه السلام لله عز وجل بإخلاص كان سببًا في إجابة الله تعالى لدعوته 22.
وقال أبو زهرة في تفسير قوله تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ? إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء:3] :
«أنه كان عبدًا يحس بنعمة العبودية لله تعالى، فلم يكن ذا جبروت، بل كان خاضعًا لله سبحانه وتعالى. والخضوع لله تعالى وحده هو العزة التي لا ذل فيها ولا استكبار» 23.
2.الإحسان.
وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام بصفة الإحسان هذه بعد تعداده للنعم التي أنعمها الله تعالى عليه من جعل الدنيا مملوءةً من ذريته، ومن إبقاء الثناء الحسن له على جميع ألسنة الناس، ومن إجابة دعوته، فهذه التكرمة لنوح عليه السلام وهذه التشريفات الرفيعة له؛ لأنه كان محسنًا لله عز وجل في أقواله وأفعاله، ومعروفًا بهذه الصفة،24 فقال جل جلاله: (? إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ?80? إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) .
فجملة (إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) تعليلٌ لاستحقاق نوح عليه السلام تلك التشريفات الرفيعة بكونه عليه السلام من زمرة المعروفين بالإحسان، ثم علل الله عز وجل هذا الاستحقاق للإحسان بأنه كان عبدًا لله تعالى مؤمنًا.
فهذا الوصف هو أقصى صفات المدح والتعظيم 25، ففيه بيان أن أعظم الدرجات وأرفعها إلى الله تعالى هو الإيمان بالله عز وجل والانقياد لطاعته الذي ينبثق عنه كل الصفات الجليلة والأخلاق الحميدة.
كما تمثل إحسان نوح عليه السلام في مجاهدته لأعداء الله تعالى بالدعوة إلى دينه، والصبر الطويل على أذى قومه، ومطاولته لهم في سبيل الله تعالى، وغير ذلك من ألوان عبادته عليه السلام وأفعاله وأقواله 26.
3.التوكل والثقة.
اتصف نوح عليه السلام بهذه الصفة، وتخلق بهذا الخلق، حيث دعا قومه على هذا الأساس فلم ييأس، ولم يمل، فقد دعاهم إلى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عامًا، سالكًا وآخذًا جميع السبل في ذلك -كما سيأتي في أساليب دعوته- فقال الله تعالى عنه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ?5?فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ?6?وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ?7?ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ?8?ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ?9?فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ?10?) [نوح:5 - 10] .
فلما أوحى الله تعالى إليه أنه لن يؤمن من قومه إلا هذا العدد القليل، ورأى أنه لم تعد هناك من فائدة في دعوة قومه، وأنهم مصرون على كفرهم وجحودهم، فقد حان الآن وقت المفاصلة، فقال لقومه: (يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) [يونس:71] .
وبالرجوع إلى تفسير هذه الآية الذي مر معنا نجد أن نوحًا عليه السلام قد واجه قومه، ولم يمتلك سوى رصيد الاعتماد والتوكل على الله عز وجل الذي أرسله إلى هؤلاء القوم، فقد حاول هدايتهم كثيرًا، ولكنهم لم يستجيبوا 27. فقول نوح عليه السلام: (فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ) نجد أنه حصر من يتوكل عليه وما يعتمد عليه في دعوة قومه على الله عز وجل وحده، وهذا مستفادٌ من تقديم شبه الجملة (على الله) على الفعل (توكلت) . وفي هذا الكلام منه عليه السلام ما يدل على مدى وثوقه بنصر ربه الذي أرسله، كما يدل على عدم مبالاته بما يتوعده به قومه 28.
ثم إن قوله عليه السلام: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) يظهر التحدي الكبير، فهو يطلب منهم أن يجتمعوا وشركاءهم على أمر واحد، وألا يكون هذا الأمر فيه خفاء أو غموض، ثم ينفذوا ما اتفقوا عليه دون تهاون أو تردد أو تأجيل، فهل هناك تحدٍّ للخصم أكثر من هذا؟! 29.
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب «إنه التحدي الصريح المثير، الذي لا يقوله القائل إلا وهو مالئٌ يديه من قوته، واثق كل الوثوق من عدته، حتى ليغري خصومه بنفسه، ويحرضهم بمثيرات القول على أن يهاجموه! فماذا كان وراء نوح من القوة والعدة؟ وماذا كان معه من قوى الأرض جميعًا؟ كان معه الإيمان القوة التي تتصاغر أمامها القوى، وتتضاءل أمامها الكثرة، ويعجز أمامها التدبير، وكان وراءه الله الذي لا يدع أولياءه لأولياء الشيطان! إنه الإيمان بالله وحده، ذلك الذي يصل صاحبه بمصدر القوة الكبرى المسيطرة على هذا الكون بما فيه ومن فيه، فليس هذا التحدي غرورًا، وليس كذلك تهورًا، وليس انتحارًا، إنما هو تحدي القوة الحقيقية الكبرى للقوى الهزيلة الفانية، التي تتضاءل وتتصاغر أمام أصحاب الإيمان» 30.
ويخلص من هذا إلى أن الدعاة إلى الله عز وجل يجب عليهم أن يتخذوا من التوكل زادًا لهم في سبيل تبليغ هذه الدعوة، ولهم في ذلك أسوة بجميع الأنبياء والرسل وخاصة نوح عليه السلام، الذي مكث طويلًا وهو يدعو قومه دون سأمٍ أو ملل، فيجب عليهم أن يقفوا في وجه الطغاة، ولن يضرهم هؤلاء الطغاة إلا أذىً من أجل الابتلاء الذي يمحص القلوب حتى تعود الكرة للمؤمنين ويحق وعد الله تعالى لهم بالنصر والتمكين 31.
وأخيرًا فقد أعجبني كلام محمد رشيد رضا الذي عقب به على تفسير هذه الآية فقال: «هذه الآية من أبلغ آيات القرآن عبارة، وأجمعها على إيجازها للمعاني الكثيرة من علم النفس، ودرجة إيمان الأنبياء المرسلين وثقتهم بالله عز وجل، وشجاعتهم واحتقارهم لكل ما في الحياة الدنيا من أسباب الخوف من غيره والرجاء فيما سواه، وبيان خاتمهم لسنته تعالى فيهم وفي أقوامهم، وحسن وعظه لهم بوحي ربه تعالى، فهو يضرب لحاله ومقامه معهم مثل نوح مع قومه في غرور كل منهم بكثرتهم وقوتهم وتكذيبهم واحتقارهم لرسوله ولمن آمن معه من الضعفاء والفقراء، ولما يعتز به كلٌ من الرسولين من التوكل على الله والاعتماد عليه في النصر والعزة وحسن العاقبة، والجزم بإهلاك المصرين على تكذيبه، ونجاة المؤمنين المتبعين له بجعلهم خلائف الأرض وأصحاب السلطان فيها» 32.
4.الشكر.
أثنى الله تعالى على نوح عليه السلام في قوله عز وجل: (. ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ? إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) [الإسراء:3] .
وقد وصف الله تعالى نوحًا عليه السلام في الآية المذكورة بوصفين:
الأول: أنه عبدٌ لله تعالى، معترفٌ له بالعبودية، غير متكبر بالإشراك، فكان يحس بنعمة العبودية لله جل جلاله، فلم يكن ذا جبروت، بل كان خاضعًا لله تعالى وحده، وهذا الخضوع هو الذي يحمل معنى العزة لنوح عليه السلام.
الثاني: أنه شديد الشكر لله تعالى على ما أنعم به عليه في سرائه وضرائه 33.
وكلمة (شكور) هي صيغة مبالغة على وزن (فعول) التي تفيد الكثرة. فنوح عليه السلام كان دائم الحمد لله تعالى في كل فعل يقوم به، فقد روي عنه أنه: (كان نوح إذا طعم طعامًا أو لبس ثوبًا حمد الله، فسمي عبدًا شكورًا) 34.
وفي هذه الآية تذكير لبني إسرائيل بأن الله تعالى قد نجى نوحًا عليه السلام من الهلاك بسبب شكره هو وشكر الذين معه في السفينة، ففيها تحريضٌ وحثٌّ لذريته على التأسي والاقتداء بنوح عليه السلام في شكره ويتابعوه عليه، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم لما أبقاهم واستخلفهم في الأرض، وأغرق غيرهم 35.
5.الاستغفار.
ورد طلب نوح عليه السلام المغفرة من الله عز وجل في قوله: (ربِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا) [نوح:28] .
فنوح عليه السلام وإن كان من الأنبياء الذين هم معصومون من الخطأ والذنب والزلل فإنه لا يسعه إلا حلم الله تعالى وعفوه ورحمته 36، فكأنه يقول: يا رب، أسألك أن تغفر لي ذنوبي. فكان عليه السلام دائم الاستغفار لله عز وجل، فإن الاستغفار دواء الذنوب، وشفاء القلوب، وبه النجاة والأمان من الهلاك، كما أنه نعمةٌ وسببٌ في التخلص من كل بلاء ومصيبة، وكذلك هو سبب لحصول الرزق، بالإضافة إلى أنه سبب لحصول رضا الله جل جلاله.
وقد أمر نوح عليه السلام قومه بالاستغفار حين قال: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ?10?يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ?11?وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ?12?) [نوح:10 - 12] .