فهرس الكتاب

الصفحة 1968 من 2431

قال ابن عطية: «والشجرة هنا في قول الجمهور هي: شجرة الزقوم؛ وذلك أن أمرها لما نزل في سورة الصافات قال أبو جهل وغيره: هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر، والنار تأكل الشجر، وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، ثم أمر أبو جهل جارية له فأحضرت تمرًا وزبدًا، وقال لأصحابه: تزقموا 66، فافتتن. أيضًا بهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة الزقوم فتنةً واختبارًا؛ ليكفر من سبق عليه الكفر، ويصدق من سبق له الإيمان» 67.

ومعنى إخبار الله عز وجل عن شجرة الزقوم بأنها شجرة ملعونة في القرآن أي: أن ذكرها باللعن قد ورد في القرآن، وهو قول الله تعالى: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ} [الدخان: 43 - 44] .

ومعنى كونها ملعونة: أي أنها مذمومة، قال الزجاج: «العرب تقول لكل طعام مكروه وضار ملعون» 68، أو المراد بالملعونة الملعون آكلها، أو أن معنى الملعونة المبعدة عن منازل أهل الفضل 69.

لاشك في أن من ورد اللعن في حقهم في القرآن الكريم قد اقترفوا من الجرائم والآثام، وارتكبوا من الكبائر والموبقات ما استحقوا به ذلك اللعن والإبعاد، ولولا شدة قبح جرمهم لما لعنهم الله عز وجل، وهو سبحانه العفو الغفور، والحليم الصبور.

وفي السطور الآتية نقف بإذن الله تعالى على الأسباب التي استحق بها الملعونون ذلك اللعن، وذلك من خلال تتبع الآيات القرآنية التي ورد فيها لعن لهم، وبينت سبب لعنهم:

1.الكفر والشرك بالله عز وجل.

إن الكفر بالله عز وجل أو بما أرسل به رسله عليهم السلام هو أعظم ما يقترفه الإنسان من ذنب، وليس أعظم من الكفر ذنب -والشرك بالله عز وجل داخل تحت الكفر-؛ لأن من كفر أو أشرك فإنه لم يؤد حق الله عز وجل عليه، وحق الله عز وجل على عباده: -كما جاء في الحديث- (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) 70؛ ولذلك فإن الله عز وجل قد أخبر عباده بأنه سبحانه يغفر كل الذنوب إلا الكفر والشرك، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] .

وإن من كفر أو أشرك بربه عز وجل، فقد ظلم نفسه ظلمًا عظيمًا، ليس كمثله ظلم، {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .

وإن الذين كفروا هم شر الخلق على الإطلاق، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} [البينة: 6] .

ولقد أرسل الله عز وجل الرسل ليرشدوا الناس إلى توحيد ربهم عز وجل، وتحذيرهم من أعظم الذنوب، من الكفر والشرك، وعبادة غير الله عز وجل، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

ولذا فإن من لقي الله عز وجل يوم القيامة بكفرٍ أو شركٍ لم يتب منه وفارق الدنيا عليه استحق من الله عز وجل اللعن المغلظ، والطرد من رحمته سبحانه، واستحق الخلود في نار جهنم وبئس المصير، قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 161 - 162] .

لقد كان اللعن والخلود في النار جزاءً وفاقًا لمن كفر بربه، واستمر على كفره، ولم ينتفع بآيات الله عز وجل من حوله، استكبارًا عن الحق، وتعالٍ عن الهدى والنور الذي بعثه الله إليه، فما أشد عذابه! ويا لسوء مصيره! {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا} [الأحزاب: 64 - 66] .

وإن أشنع الكفر أن يكفر الإنسان بعد أن يهديه الله عز وجل إلى الإيمان، فهذا الذي رأى النور بعد الظلام، ففضل الظلام على النور، وانتكس على نفسه، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، واشترى الضلالة بالهدى، فليس له جزاء إلا اللعن من الله عز وجل ومن ملائكته ومن الناس أجمعين، خالدًا في العذاب لا يخفف عنه، ولا ينظر، قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة: 161 - 162] .

ولقد توعد الله عز وجل الكفار مع إخوانهم المنافقين -وهم كفار مثلهم- بنار جهنم وباللعن وبالعذاب المقيم، قال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [التوبة: 68] .

2.الظلم.

لقد استحق الظالمون اللعن من الله عز وجل، {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 52] .

وقد ورد لعن الظالمين -صريحًا- في موضعين آخرين من القرآن الكريم، وقد بين الله عز وجل في كلا الموضعين صفات أولئك الظالمين؛ فقال سبحانه في الموضع الأول: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ} [الأعراف: 44 - 45] .

وقال سبحانه في الموضع الآخر: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [هود: 18 - 19] .

ونلاحظ بأن المراد بالظالمين في كلا الموضعين هم الكفار، وقد ذكر الله عز وجل -في كلا الموضعين- الصفات نفسها لأولئك الظالمين، وصفاتهم هي أنهم: يصدون عن سبيل الله، ويبغون السبيل المعوج لا الصراط المستقيم، وهم كافرون بالآخرة وبلقاء ربهم عز وجل، قال ابن كثير: «يصدون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن يكون السبيل معوجة غير مستقيمة؛ حتى لا يتبعها أحد، وهم بلقاء الله في الدار الآخرة كافرون جاحدون مكذبون بذلك، لا يصدقونه ولا يؤمنون به؛ فلهذا لا يبالون بما يأتون من منكرٍ من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون حسابًا عليه، ولا عقابًا، فهم شر الناس أقوالًا وأعمالًا» 71.

إن أولئك الظالمين قد ظلموا أنفسهم أولًا إذ فتح الله لهم أبواب رحمته فصدوا أنفسهم عنها، وبعث إليهم الهدى والنور فاستحبوا العمى على الهدى، ثم هم بعد ذلك قد ظلموا غيرهم بأن صدوهم عن سبيل الله، ومنعوهم من الدخول في دينه والإيمان برسله، فما أشد ظلمهم إذ حرموا أنفسهم وحرموا غيرهم من رحمة الله عز وجل، ومن جنة الخلد، واستبدلوا ذلك بالخلد في نار جهنم وبئس المصير 72.

3.الكذب والافتراء على الله عز وجل.

إن من أقبح الآثام وأعظم الجرائم الكذب على الله عز وجل، ووصفه سبحانه بما لا يليق بعظيم جلاله وسلطانه، وافتراء الكذب عليه سبحانه لصد الناس عن سبيله؛ ولذا استحق من فعل تلك الآثام القبيحة أن تحل عليه اللعنة، وأن يطرد من الرحمة.

ولقد افترى اليهود على الله عز وجل كذبًا عظيمًا، وجاءوا ببهتانٍ مبين، وجرمهم هذا من أهم الأسباب التي استحقوا بها لعنة الجبار سبحانه؛ فهم الذين نسبوا البخل لله عز وجل، وقالوا على الله عز وجل افتراءً وكذبًا: يد الله مغلولة. فكانت عليهم اللعنة بما قالوا.

قال الله عز وجل عنهم: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] .

ومن افتراء اليهود على الله عز وجل تحريفهم لكتابه سبحانه، وكتمان بعض ما جاء به من الحق، وطعنهم في دين الله، واستبدالهم الضلالة بالهدى.

قال الله عز وجل عنهم: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46] .

لقد كانوا يبدلون معنى كلام الله الذي عندهم في التوراة ويغيرونه عن تأويله، وكانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيستمعون إلى كلامه، ويسألونه عن الأمر، فيخبرهم، فيرى أنهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه وغيروه كذبًا وافتراءً 73.

ومن افتراء اليهود وكذبهم أنهم كتموا الهدى والبينات، وكتموا صفة النبي صلى الله عليه وسلم المكتوبة عندهم؛ ليصدوا الناس عن الدخول في دين الله عز وجل، فاستحقوا اللعن من الله عز وجل، {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 159 - 160] .

فهذه الآية نزلت -كما ذكر المفسرون- في أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقال بعض المفسرين: المراد بها كل من كتم الحق؛ فهي عامة في كل من كتم علمًا من دين الله يحتاج إلى بثه 74، قال السعدي: «هذه الآية وإن كانت نازلة في أهل الكتاب وما كتموا من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته، فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله من الدالات على الحق المظهرات له، ومن العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم، ويتبين به طريق أهل النعيم من طريق أهل الجحيم» 75.

إن الكذب على الله عز وجل أشنع الكذب وأقبحه، ولقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من أن تقع في شيء مما وقعت فيه اليهود من الكذب على الله عز وجل، فحذر صلى الله عليه وسلم من الكذب عليه فالكذب عليه صلى الله عليه وسلم كذب على الله عز وجل فقال صلى الله عليه وسلم: (إن كذبًا علي ليس ككذبٍ على أحدٍ، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) 76.

4.الإضلال.

لاشك بأن من أضل غيره قد تعدى شره إلى الآخرين، فلم يكتف بأن يكون وحده في ظلمات الضلال والغواية، وإنما أرادت نفسه الخبيثة أن يشرك غيره في ضلاله وغوايته، وهو بذلك يكون قد ظلم نفسه وظلم غيره، وحرم نفسه وحرم غيره من رحمة الله عز وجل، وأي ظلم أعظم من ذلك؟!.

ولا شك بأن إبليس اللعين على رأس أولئك المضلين؛ إذ إنه تعهد بعد أن لعنه الله عز وجل بأن يضل عباد الله إلا المخلصين منهم، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40] .

وفي موضع آخر من كتاب الله عز وجل أخبر سبحانه عن قسم إبليس على سعيه لإضلال العباد، قال تعالى عن إبليس اللعين: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82 - 83] .

ولذا فقد حذرنا الله عز وجل منه أعظم تحذير، وبين لنا مكايده وسبل إغوائه؛ لنتجنبه ونحذر منه.

قال الله عز وجل: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 117 - 120] .

ومن المضلين الذين يسعون في إضلال العباد، ويحرفونهم عن الصراط بعض السادة والكبراء، الذين استكبروا واستعبدوا الناس، ونصبوا أنفسهم على رؤوس الخلائق، يأمرون بالشر، وينهون عن المعروف، ويصدون الناس عن الهداية، ويضلونهم بأهوائهم، فما لهؤلاء المجرمين إلا اللعنة وسوء الدار.

إن هؤلاء الأسياد المضلين يلعنهم أتباعهم الذين ضلوا بسببهم، يجتمعون في النار فيلعن بعضهم بعضًا كما أخبرنا ربنا عز وجل بذلك عنهم إذ قال سبحانه: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 66 - 68] .

ومن المضلين أيضًا اليهود المجرمون، الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم، وحملهم ما في قلوبهم من الكبر والحسد أن يكتموا الحق، وأن يصدوا الناس عن سبيل الله عز وجل، قال الله عز وجل عنهم: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69] .

قال القرطبي: « {لَوْ يُضِلُّونَكُمْ} : أي يكسبونكم المعصية بالرجوع عن دين الإسلام والمخالفة له» 77.

ولا شك بأن كل من سعى ليضل الناس ويصدهم عن سبيل الله عز وجل وينفق أمواله في ذلك فهو مستحق للعن والإبعاد، والخلود في النار وبئس المهاد، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36] .

5.الإفساد في الأرض وقطع ما أمر الله أن يوصل.

لقد بين الله عز وجل في كتابه العزيز أن الإفساد في الأرض سبب للوقوع في لعنة الله سبحانه فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22 - 23] .

فمن تولى عن شرع الله عز وجل، وفارق أحكام كتابه، وأدبر عن منهج نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فعصى وكفر، ودعا إلى غير دين الله عز وجل، وسفك الدماء، وقطع الأرحام، وأعاد الفرقة والتشتت إلى الأمة الإسلامية كما كانوا في الجاهلية، وسعى في ظلم العباد فهذا هو المفسد في الأرض 78، وهذا مستحق لأن يبعده الله عز وجل من رحمته ويلعنه، ويسلبه سمعه فلا ينتفع بما يسمع من الهدى، ويسلبه بصره وعقله فلا يهتدي للحق، ولا يتذكر ما يرى من عبر وآيات 79.

وقد قال الله عز وجل في موضع آخر من كتابه العزيز مخبرًا عن أولئك المفسدين القاطعين لما أمر سبحانه أن يوصل: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] .

فهذا حال الأشقياء المفسدين، وهذه صفاتهم، وقد ذكر الله عز وجل مصيرهم وما لهم في الآخرة من اللعن وسوء الدار والمآل، قال ابن كثير: «قال أبو العالية في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} الآية قال: هي ست خصال في المنافقين إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا» 80.

وقد ذكر المفسرون أقوالًا في المراد بما أمر الله به أن يوصل في قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} ، فقالوا: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قطعوه بالتكذيب والعصيان، وقالوا: التصديق بالأنبياء؛ أمروا بوصله فقطعوه بتكذيب بعض وتصديق بعض. وقالوا: الرحم والقرابة، وقالوا: إنه على العموم في كل ما أمر الله به أن يوصل. وقد رجح أبو حيان هذا القول الأخير وقال: «وهذا هو الأوجه؛ لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله من العموم، ولا دليل واضح على الخصوص» 81.

أما الإمام الطبري فرجح أن يكون المراد بما أمر الله به أن يوصل: الرحم والقرابة، وبين أن قطعها يكون بترك أداء ما ألزم الله من حقوقها، وأوجب من برها، وأن وصلها يكون بأداء الواجب لها من حقوق الله التي أوجب لها، والتعطف عليها؛ ولم ينف رحمه الله أن تكون الآية عامة في قطع كل ما أمر الله عز وجل بوصله، فقال: «غير أنها دالةٌ على ذم الله كل قاطعٍ قطع ما أمر الله بوصله، رحمًا كانت أو غيرها» 82.

6.الاعتداء على الآخرين.

لقد حرم الله عز وجل على عباده أن يعتدي بعضهم على بعض، وحرم سبحانه عليهم إيذاء العباد من غير وجه شرعي؛ فحرم القتل، والزنا، والسرقة، والغصب، وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك من الذنوب والآثام التي فيها اعتداء على الآخرين، وقد بين سبحانه في غير موضع من كتابه العزيز حرمة تلك الجرائم؛ بل قرنها سبحانه بالشرك الذي هو أعظم الذنوب، من ذلك قوله عز وجل: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 151 - 152] .

وقد جعل الله عز وجل العقوبات الرادعة في الدنيا لمن اقترف شيئًا من تلك الجرائم، وجعل سبحانه العقاب العادل في الآخرة لمن لم يتب منها، ومات مصرًا عليها، ولم يعد الحقوق لأصحابها.

ولا شك أن أعظم أنواع الاعتداء على الآخرين هو إزهاق أنفسهم بالقتل المتعمد؛ ولذا فقد جعل الله عز وجل العقوبة الشديدة، والعذاب الأليم لمن اقترف جريمة القتل العمد، قال عز وجل: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت