أولًا: المعنى اللغوي:
هي: الغنى والجدة والطاقة، ونقيض الضيق، قال ابن فارس: « (وسع) الواو والسين والعين: كلمة تدل على خلاف الضيق والعسر، يقال: وسع الشيء واتسع، وهو ينفق على قدر وسعه، أي: طاقته وقدرته، قال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق:7] » 1.
ورجل موسع: وهو المليء، والوسع: الغنى والجدة وقدرة ذات اليد، وأوسع الرجل إذا كثر ماله، قال الله عز جل: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة:236] 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الذي يدل على خلاف الضيف والعسر، وتكون في الأمكنة والحال والفعل والجود 3.
وردت مادة (السعة) في القرآن بصيغ متعددة، بلغت ثنتين وثلاثين مرة 4.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 6 ... {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأعراف:89]
المصدر ... 11 ... {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]
اسم الفاعل ... 15 ... {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم:32]
ووردت السعة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهي: كلمة تدل على خلاف الضيق والعسر 5.
القدرة:
القدرة لغة:
الطاقة والقوة على الشيء والتمكن منه، والغنى والثراء، يقال رجل ذو قدرة ذو يسار وغنى 6.
القدرة اصطلاحًا:
الصفة التي تمكن الحي من الفعل وتركه بالإرادة 7، والقدرة: صفة تؤثر على قوة الإرادة 8.
الصلة بين السعة والقدرة:
أن السعة والقدرة يأتيان بمعنى الغنى وقدرة ذات اليد إلا أن القدرة فيها معنى القوة على الشيء والتمكن منه، والسعة فيها معنى زائد وهو الفسحة واتساع المكان.
الطاقة:
الطاقة لغة:
الوسع، وأطقت الشيء إطاقة: قدرت عليه، والطاقة هي: القدرة وما يستطيع الإنسان أن يفعله بمشقة 9.
الطاقة اصطلاحًا:
غاية مقدرة القادر واستفراغ وسعه في المقدور 10.
الصلة بين السعة والطاقة هو:
أن بينهما معنىً مشتركًا وهو القدرة على الشيء، إلا أن في الطاقة استفراغ الوسع في المقدور.
الجهد:
الجهد لغة:
بالفتح، المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وبالضم، الوسع والطاقة؛ وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة، ومنه قول الله جل وعز: {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ} [التوبة:79] أي: طاقتهم تقول: هذا جهدي، أي: طاقتي 11.
الجهد اصطلاحًا:
الوسع والطاقة 12.
الصلة بين السعة والجهد:
أن بينهما معنى مشتركًا وهو الوسع والطاقة والقدرة على الشيء إلا أن في الجهد معنى المشقة.
الضيق:
الضيق لغة:
قال ابن فارس: « (ضيق) الضاد والياء والقاف كلمة واحدة تدل على خلاف السعة، وذلك هو الضيق والضيقة: الفقر، يقال: أضاق الرجل: ذهب ماله» 13.
الضيق اصطلاحًا:
الفقر وسوء الحال 14.
الصلة بين السعة والضيق:
أن الضيق ضد السعة.
إن السعة في حق الله تعالى تتضح من خلال بيان معنى اسم الله: (الواسع) ، واسمه: (واسع المغفرة) بالإضافة لبيان سعة رحمة الله تعالى، وسعة علمه سبحانه، واقتران اسم الله الواسع بأسماء الله الحسنى، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: معنى اسم الله (الواسع) :
إن من أسماء الله الحسنى اسمه: (الواسع) ، وهو على وزن (فاعل) ، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم تسع مرات منها قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) } [البقرة:115] .
وقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) } [البقرة:247] .
وقوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) } [النساء:130] .
وقد ذكر المفسرون العديد من معاني هذا الاسم الكريم منها قولهم: الواسع هو: الغني، وقيل: الواسع هو: المحيط بكل شيء، ومنه قوله تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} ، أي أحاط به، وقيل الواسع هو: الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء، وقيل: الواسع هو: واسع الفضل، يوسع على من يشاء من عباده، وقيل: الواسع هو: الذي يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال، وقيل الواسع هو: واسع الفضل والصفات وعظيمهما، وقيل الواسع هو: العالم، فيرجع معناه إلى صفة، العلم، أي: أنه يسع علمه كل شيء، كما قال تعالى: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه:98] 15.
ومن المفسرين من فسر قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:115] بأنه: واسع الشريعة بالترخيص لهم والتوسعة على عباده في دينهم، لا يضطرهم إلى ما يعجزون عن أدائه 16.
قال الإمام ابن جرير: «ومعنى قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} ، يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال، وهو عليم بأعمالهم ما يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه بل هو بجميعها عليم» 17.
واسم الله (الواسع) يجمع هذه المعاني كلها: ويفيد هذا الاسم: الغنى والملك المطلق والعظمة والسلطان، واتساع المكان، فهو تعالى لا يحصر ولا يتحدد، فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان 18، وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية وهي: الوجود، والحياة، والعلم، والقدرة، والحكمة 19.
ومن أسمائه تعالى (الموسع) : وهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مفعل) وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم مرةً واحدةً بصيغة الجمع في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) } [الذاريات:47] .
ومعنى اسمه تعالى: (الموسع) : أنه تعالى ذو الوسع والسعة، أي: القادر، وقيل الموسع: أي: لأرجاء السماء وأنحائها، أي: أنه لذو سعة، بخلقها وخلق غيرها، لا يضيق عليه شي يريده، وأنه سبحانه: الموسع على عباده بالرزق 20.
وأسماء الله تعالى: (الواسع والموسع) ثابتة بالكتاب والسنة، والدليل من الكتاب: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:115] .
وقوله تعالى: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الأنعام:80] .
وقوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) } [الذاريات:47] .
والدليل من السنة: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إنّ أول الناس يقضى يوم القيامة ... ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال) 21.
والفرق بين لفظ (الموسع) في حقه تعالى في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) } [الذاريات:47] .
أي: أنه تعالى ذو الوسع والسعة والقدرة والقوة والملك والغنى المطلق، والموسع لأرجاء السماء وأنحائها، بخلقها وخلق غيرها، لا يضيق عليه شي يريده، وأنه سبحانه الموسع على عباده بالرزق والفضل والنعم.
أما لفظ (الموسع) في حق العبد الوارد في قوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) } [البقرة:236] .
فهي تدل على الغنى والقدرة على الإنفاق النسبي، وذكرت في مقابل المقتر وهو: الفقير الذي يكون في ضيق من وقلة ذات اليد.
ثانيًا: معنى اسمه تعالى {وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} :
إن من أسماء الله تعالى الحسنى: (واسع المغفرة) ، فقد جاء هذا الاسم مضافًا إلى المغفرة مرةً واحدةً في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم:32] .
أي: أن الله تعالى هو الغفور الذي لم يزل يغفر الذنوب، ويتوب عل كل من يتوب، فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة) 22.
ويكون معنى قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} ، أي: رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها، حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر كقوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) } [الزمر:53] 23، وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) } [الكهف:58] .
فقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه غفور، أي: كثير المغفرة، وأنه ذو الرحمة يرحم عباده المؤمنين يوم القيامة، ويرحم الخلائق في الدنيا.
وبين في مواضع آخر: أن هذه المغفرة شاملة لجميع الذنوب بمشيئته جل وعلا إلا من مات على الشرك لقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) } [النساء:48] .
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) } [النساء:116] .
وقوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة:72] .
وقد بين سبحانه أن هذه الرحمة الواسعة، صادرة عن علم شامل للظواهر والبواطن، ثم أكد الله تعالى علمه بالأشياء كلها، بقوله تعالى: {هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم:32] .
أي: إن الله بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم التي ستصدر منكم، حين ابتدأ خلقكم بخلق أبيكم آدم من التراب، واستخرج ذريته من صلبه، وحين صوركم أجنة في أرحام أمهاتكم، وتعهدكم بالنمو والتكوين في أطوار مختلفة. والجنين: هو الولد ما دام في البطن، وفائدة قوله: في بطون أمهاتكم التنبيه على كمال العلم والقدرة، فإن بطن الأم في غاية الظلمة، ومن علم بحال الجنين فيها لا يخفى عليه ما ظهر من حال العباد 24.
لكن مع هذه المغفرة الواسعة قد بين في مواضع أخر أنه مع سعة مغفرته، شديد العقاب، كقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد:6] .
وقوله تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) } [غافر:3] وقوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) } [الحجر:49 - 50] . إلى غير ذلك من الآيات 25.
ثالثًا: سعة رحمة الله تعالى:
ذكر ربنا جل وعلا أنه رحمته وسعت كل شيء.
قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:156] .
وقال سبحانه: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) } [الأنعام:147] .
وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ} [غافر:7] .
وقد ذكر المفسرون في قوله تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} أربعة أقوال:
أحدها: أن مخرجه عام ومعناه خاص، وتأويله: ورحمتي وسعت المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} ، قاله ابن عباس.
والثاني: أن هذه الرحمة على العموم في الدنيا، والخصوص في الآخرة وتأويلها: ورحمتي وسعت كل شيء في الدنيا، البر والفاجر، وفي الآخرة هي للمتقين خاصةً، قاله الحسن، وقتادة، فعلى هذا، معنى الرحمة في الدنيا للكافر أنه يرزق ويدفع عنه، كقوله في حق قارون: {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77] .
أي: وسعت كل من يدخل فيها لا تعجز عن من دخل فيها، أو يكون يعني الرحمة التي قسمها بين الخلائق يعطف بها بعضهم على بعض حتى عطف البهيمة على ولدها 26.
والثالث: أن الرحمة: التوبة، فهي على العموم، قاله ابن زيد.
والرابع: أن الرحمة تسع كل الخلق إلا أن أهل الكفر خارجون منها، فلو قدر دخولهم فيها لوسعتهم، قاله ابن الأنباري، قال الزجاج: «وسعت كل شيء في الدنيا، {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} في الآخرة، قال المفسرون: معنى {فَسَأَكْتُبُهَا} : فسأوجبها، وفي الذين يتقون قولان: أحدهما: أنهم المتقون للشرك، قاله ابن عباس، والثاني: للمعاصي، قاله قتادة» 27.
والآية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إخبارًا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر:7] ؛ ولما روى سلمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله عز وجل مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعةً وتسعين إلى يوم القيامة) 28؛ لأنه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف:156] .
وقال سبحانه: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54] 29.
وهذه الآية من العام الذي أريد به الخاص، كقوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:23] .
فرحمته وسعت في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للذين اتقوا خاصةً 30.
والمعنى: إن رحمة الله مع أنها عامةً شاملةً، تسع الوجود كله، وهي على سعتها، وعمومها وشمولها، لا ينالها إلا أهل طاعته الذين آمنوا واتقوا .. ثم إن العصاة في الدنيا لم يحجب الله عنهم نعمه، ولم يحرمهم رزقه، ولم يصبهم في جوارحهم التي يعيشون بها مثل سائر الناس.
وأصحاب النار وهم في النار، هم ممن وسعتهم رحمة الله، إذ هناك عذاب فوق هذا العذاب، وبلاء أكبر من هذا البلاء، وقد وقف الله بهم عند هذا الحد من العذاب الذي هم فيه، وذلك رحمة من رحمته، ولولا ذلك لضاعف لهم هذا العذاب الذي هم أهل له بما ارتكبوا من آثام 31.
ووجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرحمة أن عموم العلم يقتضي أن لا يغيب عن علمه شيء من أحوال خلقه وحاجتهم إليه، فهو يرحم المحتاجين إلى رحمته ويمهل المعاندين إلى عقاب الآخرة 32.
رابعًا: سعة علم الله تعالى:
إن علم الله واسع وشامل، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، وهو بكل شيء عليم، والآيات الدالة على سعة علم الله بكل شيء كثيرة في كتاب الله العزيز، منها قوله تعالى: {وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [الأنعام:80] .
وقوله تعالى: {وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف:89] .
وقوله تعالى: {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) } [طه:98] 33.
ومما يدل على سعة علم الله تعالى الآيات التي تدل على أن الله بكل شيء عليم: ومن هذه الآيات قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة:282] .
وقوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) } [الأنعام:101] .
وكذلك الآيات التي تدل على أن الله عالم بالغيب والشهادة، ومن هذه الآيات قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) } [الحشر:22] .
وقوله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) } [التوبة:105] 34.
ومما يدل على سعة علم الله الآيات الدالة على إحاطة علم الله بكل شيء، وقد أوضح هذا المعنى في آيات في كتابه العزيز منها قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا} [النساء:108] .
وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) } [النساء:126] .
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120] .
والتعبير بالإحاطة استعراض لعظمة الله وسعة ملكه، ومقدار سلطانه، الذي يشمل كل شيء، وينفذ إلى كل شيء! ومن كان هذا شأنه، وتلك صفته، فإن من السفه والضلال أن يولّى الإنسان وجهه إلى غيره، أو يعبد معبودا سواه 35.
وإسناد الإحاطة إلى اسم الله تعالى مجاز عقلي، لأن المحيط هو علم الله تعالى فإسناد الإحاطة إلى صاحب العلم مجاز في عدم خفاء شيء من عملهم عن علم الله تعالى، ويلزمه أنه مجازيهم عن عملهم بما يجازي به العليم القدير من اعتدى على حرمه، وتضمن ذلك الوعيد الشديد والتقريع البالغ، وإذ كان تعالى محيطًا بجميع الأقوال والأعمال، فكان ينبغي أن تستر القبائح عنه بعدم ارتكابها 36.
خامسًا: اقتران اسم الله الواسع بأسماء الله الحسنى:
اقترن اسم الله الواسع ببعض أسماء الله الحسنى، وهذا الاقتران يتناسب مع هذا الاسم سياقًا ومعنى وهي:
إن اسم الله (الواسع) اقترن في سبع آيات، التي ورد فيها باسمه (العليم) ، ومنها قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:115] .
وقوله: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261] .
وقوله: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران:73] .
فالله واسع عليم أي: واسع بالعطاء، عليم بالنية، وقيل: واسع القدرة على المجازاة، عليم بمقادير المنفقات وما يرتب عليها من الجزاء 37.
وهو كذلك واسع الإحاطة، وواسع الصفات؛ فهو واسع في علمه، وفي قدرته، وسمعه، وبصره، وغير ذلك من صفاته؛ و {عَلِيمٌ} أي: ذو علم؛ وعلمه محيط بكل شيء، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: «الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم» 38.